نشرت صحيفة "
نيويورك تايمز" تقريراً لمراسلها المختص بشؤون وزارة الخارجية، مايكل كراولي، ومراسلها المختص بالأمن القومي، إريك شميت، قالا فيه إن نهج
ترامب العشوائي في التعامل مع الحرب على
إيران، يثير حيرة الحلفاء في الداخل والخارج، بسبب تأرجحه ما بين
المفاوضات والضربات.
وأضافا: "من المحتمل أن يكون ترامب على وشك تحقيق انفراجة في صورة ما يسميه الجانبان اتفاقاً مؤقتاً يعيد فتح مضيق هرمز ويبدأ محادثات بشأن البرنامج النووي الإيراني. لكن مسؤولين أمريكيين صرحوا الخميس بأن ترامب لم يوقع بعد على الاتفاق، وأن عدة اتفاقيات مماثلة قد انهارت".
ويأتي هذا التصعيد الدبلوماسي الأخير بعد جولة جديدة من الاشتباكات بين الولايات المتحدة وإيران اختبرت وقف إطلاق النار الهش الذي صمد منذ أوائل نيسان/ أبريل. هدد ترامب بإعادة إشعال الحرب إذا لم تُعد إيران فتح المضيق أمام الملاحة التجارية.
اظهار أخبار متعلقة
وفي يوم الجمعة الماضي، ألمح مسؤولون أمريكيون إلى أن ترامب يدرس الخيارات العسكرية لاحتمال استئناف حملة القصف، لكن لا التلويح بالقوة ولا إطلاق النار المباشر قد عرقل الدبلوماسية بين واشنطن وطهران، التي استمرت بشكل متقطع في باكستان مطلع هذا الشهر.
وجسّد منشور مطوّل لترامب على حسابه بمنصة "تروث سوشيال" يوم الاثنين رسالته المتضاربة، إذ أعلن في البداية أن المفاوضات مع إيران "تسير على ما يرام!" قبل أن يحذر من أن أي شيء أقل من "اتفاق ممتاز" سيعني "العودة إلى جبهة القتال وإطلاق النار، ولكن بشكل أكبر وأقوى".
وفي وزارة الحرب، أعرب مسؤولون عسكريون عن حيرتهم إزاء الطبيعة المتقطعة للصراع. قال مسؤول رفيع المستوى إن أكثر من 50,000 جندي أمريكي منتشرين في أنحاء الشرق الأوسط وأوروبا والولايات المتحدة، يعيشون حالة من الترقب والانتظار، في ظل تذبذب موقف ترامب بين خياراته المختلفة.
ولطالما أكد رجال الدولة، من أمثال أوتو فون بسمارك وهنري كيسنجر، على أن الدبلوماسية مع الخصوم تكون أكثر فعالية عندما تُدعم بالقوة، وقال وزير الخارجية جورج شولتز عام 1986: "المفاوضات ليست سوى تعبير ملطف للاستسلام إذا لم تفرض القوة على طاولة المفاوضات".
لكن تقلبات موقف ترامب تجاه إيران بدت في كثير من الأحيان مدفوعة بالمزاج والظروف الراهنة أكثر من أي استراتيجية واضحة. ومما يزيد الأمر تعقيداً، مزاعمه المتكررة بتحقيق تقدم دبلوماسي، والتي تبين لاحقاً أنها لا أساس لها من الصحة.
وتعكس تحولات ترامب أيضاً صراعاً سياسياً بين مؤيديه المتشددين الذين يحثونه على تشديد الخناق على إيران، وبين دعاة عدم التدخل، إلى جانب الجمهوريين القلقين من ارتفاع أسعار البنزين وتراجع شعبيته في استطلاعات الرأي الذين يحثونه على إبرام اتفاق سريع.
وقد ازداد استياء بعض أعضاء معسكر المؤيدين للحرب بشكل خاص يوم الخميس مع ظهور تفاصيل الاتفاق المؤقت المحتمل. وأكدوا أن ترامب قد يخفف الضغط على إيران لإعادة فتح المضيق دون الحصول على التزامات إيرانية قاطعة بتسليم موادها النووية ووقف تخصيب اليورانيوم.
وقال مايكل ماكوفسكي، مدير معهد الأمن القومي اليهودي الأمريكي في واشنطن: "لقد أصبح وقف إطلاق النار مهزلة إلى حد كبير، لقد قلل من قدرة الولايات المتحدة على التفاوض للحصول على اتفاق جيد، وجعل أمريكا تبدو ضعيفة - وكأننا عرضة للخطر إذا تجاوزت أسعار البنزين 5 دولارات".
وأضاف ماكوفسكي: "لن تكون أي صفقة مع هذا النظام تستحق قيمة الورق الذي كُتبت عليه، ومن الأفضل إنهاء هذه الحرب بضجة بدلاً من أن تكون ضعيفة"، وحث ترامب على استئناف الضربات ضد الجيش الإيراني ومواقعه النووية مع الاستمرار في حصار صادرات النفط الإيرانية.
وزاد ترامب الأمور تعقيداً بتصريحاته الأخيرة التي بدت غير مدروسة جيداً، إن لم تكن منفصلة تماماً عن الواقع؛ فعلى سبيل المثال، أثار حيرة حلفاء الشرق الأوسط يوم الاثنين باقتراحه أن يتضمن اتفاق السلام مع إيران تعهدات من عدة دول عربية بتطبيع العلاقات الدبلوماسية مع "تل أبيب".
ويوم الأربعاء، هدد ترامب بمهاجمة عُمان، الدولة الخليجية العربية والشريك التاريخي للولايات المتحدة، إذا ما أبرمت اتفاقاً نظرياً مع إيران لتقاسم السيطرة على المضيق. وقال ترامب: "سيتعين علينا تفجيرهم"، قبل أن يشير إلى أن ذلك غير مرجح.
وعلى صعيدٍ جوهري، تراجع ترامب عن موقفه فوراً تقريباً بعد كشفه عن خطة لمرافقة سفن حربية أمريكية لناقلات النفط العالقة عبر مضيق هرمز. وقد أجبرت المعارضة الشديدة من السعودية ترامب على إلغاء العملية، التي أُطلق عليها اسم "مشروع الحرية"، بعد يوم واحد فقط.
وقال جيمس جيفري، الدبلوماسي المتقاعد الذي عمل في البيت الأبيض في عهد جورج دبليو بوش وشغل منصب مبعوث الولايات المتحدة إلى سوريا خلال ولاية ترامب الأولى: "إن تصريحات ترامب تُربك الجميع".
لكن جيفري أضاف أن العالم بات معتاداً إلى حد ما على استعراضات ترامب، وقال: "إنها بشعة ومربكة، ولكن بعد ست سنوات من ذلك، أصبح هناك نوع من التغاضي عن تصرفاته الغريبة". مع ذلك، أشار مسؤولون إيرانيون إلى أن تقلبات ترامب تُصعِّب العمل الدبلوماسي.
وقال سعيد خطيب زاده، نائب وزير الخارجية الإيراني، للصحافيين خلال زيارة لتركيا منتصف نيسان/ أبريل: "الجانب الأمريكي يُغرِّد كثيراً ويتحدث كثيراً. أحياناً يكون كلامه مربكاً وأحياناً أخرى، كما تعلمون، متناقضاً".
وقد شهدت القوات الأمريكية والإيرانية مناوشات أخرى منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ قبل أكثر من سبعة أسابيع. لكن الجولة الأخيرة من العمليات العسكرية تشير إلى أنه في حال انهيار المقترح الدبلوماسي الأخير، فقد يتصاعد القتال.
ووقعت أحدث مناوشات في وقت متأخر من ليلة الأربعاء، عندما أسقطت القوات الأمريكية أربع مسيرات هجومية أحادية الاتجاه، قال مسؤول أمريكي إن إيران أطلقتها فوق المضيق. ووفقاً للمسؤول، شكلت هذه الطائرات تهديداً للقوات الجوية والبحرية الأمريكية في المنطقة.
ثم شن الجيش الأمريكي غارات جوية على محطة تحكم أرضية للمسيّرات قرب بندر عباس، وهو ميناء تجاري رئيسي وقاعدة بحرية في جنوب إيران، قبل أن تتمكن إيران من إطلاق مسيّرة خامسة، حسبما أفاد المسؤول الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لمناقشة الأمور العملياتية.
اظهار أخبار متعلقة
ويوم الخميس، اتهمت القيادة المركزية الأمريكية إيران بانتهاك وقف إطلاق النار بإطلاق صاروخ باليستي باتجاه الكويت بعد ساعات من هجوم الولايات المتحدة على أهداف في بندر عباس.
ويوم الاثنين، قصفت القوات الأمريكية مواقع إطلاق صواريخ إيرانية وقوارب كانت تحاول زرع ألغام في المضيق، وفقاً لما ذكرته القيادة المركزية.
وأفاد مسؤول أمريكي بأن إيران أطلقت أيضاً طائرات مسيّرة هجومية باتجاه واحد بالقرب من بعض عشرات الطائرات الهجومية الأمريكية وسفن البحرية الأمريكية المتمركزة في خليج عُمان وبحر العرب أو حولهما، والتي تُنفذ الحصار المفروض على السفن التي تحاول دخول الموانئ الإيرانية أو مغادرتها.
وقال الكابتن تيم هوكينز، المتحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية، إن الضربات التي نُفذت الاثنين كانت "دفاعاً عن النفس" بهدف "حماية قواتنا من التهديدات التي تُشكلها القوات الإيرانية".
فيما لم تصدر القيادة المركزية بياناً بشأن الضربات التي نُفذت ليلة الأربعاء، في محاولة واضحة لتهدئة المخاوف من تصاعد المناوشات واحتمال تقويضها للمفاوضات.