على طول شريط حدودي يمتد لأكثر من 2200 كيلومتر، تتحول الخطوط على الخرائط إلى مصدر دائم للتوجس الأمني والسياسي بين
موريتانيا ومالي، بينما تفرض الجغرافيا والروابط الاجتماعية نفسها، حيث تتداخل القرى والمراعي.
وأعادت حوادث دخول الجيش
المالي المتكررة لقرى حدودية سكانها موريتانيون الجدل مجددا بشأن الحدود غير المرسمة، وتصاعدت الدعوات لتدخل عاجل لفرض ترسيم الحدود.
فخلال أقل من أسبوعين دخلت قوات مالية ثلاث مرات، قرى حدودية سكانها موريتانيون، وأبلغت السكان أن هذه القرى تقع داخل الأراضي المالية، وذلك في ظل فتور في علاقات البلدين الجارين.
اظهار أخبار متعلقة
جيش مالي يثير الجدل
وأثار دخول الجيش المالي، لقرى حدودية سكانها موريتانيون موجة جدل واسعة في موريتانيا، وسط مطالبات بفتح تحقيق عاجل في ملابسات دخول الجيش المالي لهذه القرى.
وقال النائب في البرلمان الموريتاني عن دائرة مقاطعة كوبي الحدودية مع مالي ابحيده ولد خطري، إن الجيش المالي دخل للمرة الثالثة قرى تابعة لدائرته الانتخابية، مضيفا أن على الحكومة إذا كانت تقر بأن الأرض التي دخلها الجيش المالي عدة مرات خلال الأسابيع الأخيرة تابعة لدولة مالي أن تجتمع بالأهالي وتبلغهم بذلك وتبحث لهم عن بديل.
واعتبر النائب في منشور عبر صفحته على فيسبوك أن "عدم مصارحة السلطات للأهالي بحقيقة واقع القرى تكرار لتجارب سابقة نتائجها معلومة لدى الجميع"، دون توضيح طبيعة التجارب التي يشير إليها.
من جهتها قالت النائبة عن نفس الدائرة فاطمة بنت اعل محمود إن "انتهاكات الجيش المالي المتكررة" تتطلب تحركا عاجلا لترسيم الحدود بشكل نهائي.
وقالت بنت اعل محمود في بيان إن تطورات الأحداث المتسارعة على الحدود الموريتانية المالية "تؤكد ضرورة العمل الجاد لتصحيح الاختلالات الحدودية وإنهاء حالة التداخل القائم".
ولفتت إلى أن حالة التداخل هذه "ظلت ذريعةً للجيش المالي لارتكاب تجاوزات متكررة أودت بأرواح مواطنين موريتانيين أبرياء" مضيفة أن "الانتهاكات المستمرة وترويع الآمنين عبر عسكرة المنطقة أصبحت سلوكا معتادا من قِبل القوات المسلحة المالية".
وتابعت: "أمام هذا الوضع، يتحتم على السلطات الموريتانية التحرك العاجل لترسيم الحدود بشكل نهائي، واتخاذ إجراءات فورية تضمن حماية أرواح وممتلكات الموريتانيين المقيمين في تلك المناطق".
الجيش الموريتاني يحسم الجدل
وحسم الجيش الموريتاني الجدل بهذا الشأن، نافيا أي توغل للجيش المالي داخل الأراضي الموريتانية، موضحا أن القرى التي دخلتها دوريات من القوات المالية، تقع بالكامل داخل التراب المالي.
ولفت الجيش الموريتاني في بيان إلى أن القرى التي دخلتها قوات مالية هي قرى تقع داخل الأراضي المالية وفقاً للخرائط المعتمدة، مشيرا إلى أن الأمر يتعلق بزيارات ميدانية قام بها الجيش المالي لقرى داخل الأراضي المالية على مسافات تتراوح ما بين 6 إلى 10 كلم من الحدود.
وأضاف أن هذه الزيارات سبق أن تمت في فترات سابقة، داعيا الناشرين ووسائل الإعلام إلى تحري الدقة والمسؤولية وتجنب التهويل أو نشر معلومات غير دقيقة قد تثير البلبلة والخوف دون مبرر.
وشدد الجيش الموريتاني على أنهم يتابعون الوضع على الحدود عن كثب ويتحلون باليقظة التامة لحماية حدود البلاد، مضيفا أنه في حال حدوث أي خروقات، فإن الجهات المختصة ستبادر إلى إطلاع الرأي العام عليها بكل شفافية.
وضع يفرض الحيطة والحذر
وضمن سياق الأزمة أدى والي ولاية الحوض الغربي الحدودية مع مالي محمد ولد أحمد مولود، أول أمس زيارة لقرى حدودية، أكد خلالها على أن الوضع الأمني في جمهورية مالي يفرض الحيطة والحذر، رغم ما يربط سكان المناطق الحدودية في البلدين من مصالح مشتركة، مذكرا بحوادث الاعتداء والتي أسفرت عن مقتل عدد من المواطنين الموريتانيين في مناطق حدودية.
ودعا المواطنين إلى تعزيز التعاون مع السلطات الإدارية والأمنية، للمساهمة في حماية الحدود وضمان أمن البلاد وسلامة المواطنين، مؤكدا أن الدولة تضع حماية مواطنيها وممتلكاتهم وصون حوزتها الترابية في صدارة أولوياتها.
تداخل جغرافي .. هكذا يتم تمييز الحدود
وقبل أكثر من سنة قال والي ولاية الحوض الشرقي، شرق موريتانيا إسلم ولد سيدي، إن الحدود الموريتانية المالية لم ترسّم إلى الآن، ولا يمكن معرفتها بشكل دقيق، وإنما عبر أعراف ومعالم متعارف عليها.
المسؤول الموريتاني أكد في تصريحاته حينها تداخل حدود البلدين، مضيفا أن هناك قرى موريتانية داخل الأراضي المالية، وقرى مالية داخل الأراضي الموريتانية.
وأوضح أنهم يتعاملون وفق المتعارف عليه لدى السكان، فالقرية التي توجد فيها مدرسة موريتانية ويحمل سكانها الجنسية الموريتانية تعتبر قرية موريتانية، والقرية التي توجد فيها مدرسة مالية ويحمل سكانها الجنسية المالية تعد قرية مالية.
وأشار ولد سيدي إلى أن التقنيات الحديثة لا يمكن أن تقدم معلومات دقيقة حول الموضوع، ولا أن يتم الاعتماد عليها لأن الحدود لم ترسم بعد بين البلدين، واللجان المسؤولة عنها تجتمع من حين لآخر دون أن تتوج اجتماعاتها بنتائج عملية.
فتور في علاقات البلدين
وتعرف العلاقات الموريتانية المالية حالة من الفتور منذ نحو سنتين، وكان آخر مظاهر هذا الفتور، السجال بين البلدين، بخصوص اتهامات نواكشوط لباماكو بارتكاب انتهاكات بحق مواطنين موريتانيين، وحديث باماكو عن فرار جنود عسكريين ماليين من "قبضة جماعات إرهابية" داخل مخيم للاجئين على الأراضي الموريتانية.
وقالت وزارة الخارجية الموريتانية في بيان نهاية مارس الماضي إن خمسة مواطنين موريتانيين قتلوا داخل الأراضي المالية، واستنكرت ما قالت إنها انتهاكات أودت بحياة موريتانيين داخل الأراضي المالية.
وحثت الخارجية الموريتانية في بيان يوم 28 آذار/ مارس الماضي، السلطات الأمنية المالية على تحمل كامل مسؤولياتها، من خلال إجراء تحقيقات عاجلة شفافة وذات مصداقية، تفضي إلى كشف مرتكبي هذه الأفعال واتخاذ جميع التدابير الكفيلة بحماية المدنيين.
وقبل ذلك بنحو أسبوعين قالت الأركان العامة للقوات المسلحة المالية إن عسكريين ماليين فروا من "قبضة جماعات إرهابية" داخل مخيم للاجئين على الأراضي الموريتانية.
وأضافت هيئة الأركان المالية في بيان أن العسكريين تمكنا من الهروب والعودة إلى الأراضي المالية حيث تم استقبالهما في مدينة غوندام.
لكن موريتانيا عبرت عن رفضها القاطع للاتهامات المالية التي قالت إنها لا تستند إلى أي أساس من الصحة، وتنطوي على إساءة بالغة، مضيفة أن صدور مثل هذه الادعاءات دون تقديم أي دليل عليها، ودون اللجوء إلى التشاور المسبق عبر القنوات المناسبة، يعتبر تصرفا غير لائق لا يمكن التسامح معه.
وفي كل مرة تتوتر العلاقة بين البلدين، يتمكنان من احتواء التوتر، إذ يرى متابعون أن موريتانيا حريصة على استقرار المنطقة للحد من تدفق النازحين إلى أراضيها.
كما أن مالي كدولة حبيسة لا تطل على البحر، تعتمد بشكل حيوي على الموانئ الموريتانية لتأمين إمداداتها من الوقود، والغذاء، والمواد الأساسية، وهو ما يدفعها لتفادي الذهاب بعيدا في توتير علاقتها مع نواكشوط.