مركز جنيف الدولي لـ"عربي21": يجب إيقاف الإعدامات في العراق بدلا من طلب تسريعها

قال النائب عن محافظة نينوى حسن علو إنه تم تسجيل حالات تصفية جسدية ضد المعتقلين داخل السجون - جيتي
قال النائب عن محافظة نينوى حسن علو إنه تم تسجيل حالات تصفية جسدية ضد المعتقلين داخل السجون - جيتي
شارك الخبر
عاد ملف الإعدامات في العراق إلى الواجهة مجدداً، بالتزامن مع الصراع الدائر في الشرق الأوسط، حيث قدمت النائبة في البرلمان العراقي، زهراء الحجامي، مقترحاً لتعديل قانون أصول المحاكمات الجزائية، لتجاوز شرط موافقة رئيس الجمهورية على تنفيذ أحكام الإعدام، والاعتماد على القرارات القضائية فقط.

على إثر ذلك، أدان مركز جنيف الدولي للعدالة "GICJ" بشدة المقترح النيابي الذي يسعى لتعديل المواد 285–289 من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم 23 لسنة 1971، وبما يؤدي إلى إلغاء شرط صدور مرسوم جمهوري قبل تنفيذ حكم الإعدام.



وأكد المركز الحقوقي الذي يقع مقره في جنيف في بيان له، أن المقترح ليس مجرد تعديل إجرائي، بل هو محاولة لتسريع عمليات الإعدام عبر إزالة واحدة من آخر الضمانات المؤسسية القائمة بين صدور الحكم والحرمان النهائي، الذي لا رجعة فيه، من الحياة.

اظهار أخبار متعلقة


كما ولفت بيان المركز إلى أن مقترح النائبة الحجامي يثير قلقاً بالغاً في ظل الواقع القائم في العراق؛ فقد سبق أن وثّقت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان فرض عقوبة الإعدام في العراق على قضايا صُنفت على أساس مجرد الانتماء إلى تنظيم إرهابي".

Image1_42026713256386321872.jpg

ولفهم أسباب وتداعيات تلك المطالب، أجرى موقع "عربي21" لقاء مع المدير التنفيذي لمركز جنيف الدولي للعدالة ناجي حرج، وفيما يلي نصه:

- ما هي المبررات التي ساقتها النائبة زهراء الحجامي من أجل تسريع تنفيذ عمليات الإعدام؟ وهل هي مبررات حقيقية؟


الحقيقة أن النائبة لم تكن لديها أسباب مقنعة للاقتراح سوى قولها إن الدعوة لتعديل القانون جاءت نتيجة تسبب المرسوم الجمهوري ببطء تنفيذ أحكام الإعدام، وأن إلغاءه سيؤدي إلى تسريع الإجراءات.

لكن الحقيقة أن المقترح لا يمثل إصلاحاً قضائياً مطلوباً، بل هو تسهيل مباشر لتسريع عمليات الإعدام في بلد تُنفذ فيه هذه العقوبة أصلاً على نطاق واسع، وفي ظل غياب الحد الأدنى من ضمانات المحاكمة العادلة.

ولذلك كان بيان مركزنا واضحاً في هذا السياق، وهو أن المقترح هذا لا يمكن اعتباره تعديلاً إجرائياً محايداً، بل هو إزالة لواحدة من آخر الضمانات المؤسسية قبل التنفيذ. ونضيف أننا نعلم من هم المحكومون بالإعدام، وكيف حوكموا، لذلك نستطيع التأكيد على الطبيعة الطائفية البحتة للمقترح.

ويضيف: "الأخطر من ذلك أن هذا المقترح يأتي في سياق قضائي معروف بكثرة الاعتماد على الاعترافات المنتزعة تحت التعذيب، وضعف التمثيل القانوني، والانتهاكات الجسيمة لأصول المحاكمة العادلة؛ لذلك فالمشكلة ليست في "بطء تنفيذ الإعدام"، بل في الخلل العميق في العدالة نفسها".

وأكد حرج أنه "كان ينبغي معالجة دعاوى التعرض للتعذيب وانتزاع الاعترافات والخلل في التحقيقات، لا إزالة الضمانات الأخيرة التي قد تحول دون قتل أبرياء أو ضحايا لمحاكمات جائرة".

وشدد على أن هذه ليست دعوة لإصلاح العدالة، بل دعوة لتسريع القتل باسم القانون، قائلاً: "حين تكون المحاكمات نفسها موضع شك، فإن تسريع الإعدام لا يعني سرعة العدالة، بل سرعة الظلم".

- ما قصة تكرار وفيات المعتقلين ممن كانوا على وشك إطلاق سراحهم؟


ما يحدث داخل السجون العراقية لم يعد ممكناً وصفه على أنه مجرد وقائع متفرقة أو استثناءات معزولة، فنحن أمام نمط متكرر ومقلق من الوفيات داخل السجون ومراكز الاحتجاز، في ظروف تثير شبهة التعذيب أو الإهمال المتعمد أو سوء المعاملة.

ففي عدد من الحالات تأتي الوفاة في لحظات يكون فيها المعتقل قريباً من الإفراج أو من إعادة النظر في قضيته؛ لذلك فالمسألة ليست حوادث فردية هنا أو هناك، بل ظاهرة مستمرة تستوجب تحقيقاً مستقلاً ومحاسبة جدية.

ولذلك فإن بياننا يشير إلى معلومات تلقيناها عن تنفيذ واسع للإعدامات بالتوازي مع وفاة بعض المحكومين بالسجن نتيجة التعذيب". 

وهذا الأمر يؤكد وجود رابط بين منظومة العقوبة القصوى ومنظومة الاحتجاز القائم على الانتهاك؛ أي إن الخطر لا يقتصر على من يُعدم رسمياً، بل يشمل أيضاً من يموتون داخل السجون قبل أن يأخذ القانون مجراه بصورة عادلة.

ولذا، حين تتكرر الوفيات داخل السجون بهذا الشكل، فنحن لا نتحدث عن مصادفات، بل عن بيئة احتجاز قاتلة. وحين تقع الوفاة لمعتقل كان على وشك الخروج أو في سياق مراجعة ملفه، فإن الشبهة تصبح مضاعفة؛ لأن السؤال لا يعود فقط كيف مات، بل أيضاً من المستفيد من إسكات صوته قبل الإفراج عنه.

- لماذا يرفض القضاء العراقي إعادة محاكمات المعتقلين رغم مطالبات منظمات حقوقية دولية؟


هذا الرفض يفتح باباً للتساؤل فيما إذا كانت إعادة التحقيق والمحاكمات بشكل حقيقي قد تفضي لتحول الملف إلى عبء ثقيل جداً على الدولة ومحرج للمنظومة القضائية والأمنية معاً. 

فالأمر سيُعد اعترافاً ضمنياً بأن عدداً كبيراً من الأحكام، وخاصة في قضايا الإرهاب، ربما استند إلى اعترافات قسرية، أو إلى إجراءات تحقيق غير قانونية، أو إلى محاكمات لم تتوفر فيها أبسط معايير العدالة.

ولذلك فإن مقاومة إعادة المحاكمة ليست مسألة إجرائية فقط، بل هي في جوهرها مقاومة للاعتراف بحجم الخلل البنيوي في النظام القضائي.

وبيان مركز جنيف للعدالة يوضح أن المشكلة الأساسية تكمن في استمرار الاعتماد على الاعترافات كأدلة رئيسية، بما في ذلك في الحالات التي ادعى فيها المتهمون تعرضهم للتعذيب أو سوء المعاملة، فضلاً عن حرمان بعضهم من حضور محامٍ أثناء الاستجواب.

وفي ظل هذه البيئة، تصبح إعادة المحاكمة ضرورة أخلاقية وقانونية، لكنها بالنسبة إلى المنظومة تعني نسف كثير من الأحكام السابقة وكشف حجم الانتهاكات التي رافقتها.

- ما رأيك بقانون العفو لعام 2025-2026؟ هل كان حقيقياً وشمل الكثيرين أم مجرد استهلاك إعلامي؟


برأيي لا يمكن وصفه بأنه عفو شامل وعادل، بل هو عفو محدود وانتقائي ومتناقض. نعم، قد يكون أتاح الإفراج عن عدد من المعتقلين أو أعاد فتح بعض الملفات، لكن المشكلة أنه لم يأتِ ضمن مراجعة جادة للمنظومة القضائية كلها.

بل بقي محكوماً بالانتقائية وبالاستثناءات الواسعة، خصوصاً في القضايا المصنفة تحت عنوان الإرهاب. وبياننا يذكّر بأن المقررين الخاصين للأمم المتحدة حذروا عام 2025 من أن التعديلات التشريعية التي توسع الاستثناءات من العفو قد تؤدي إلى زيادة عدد الإعدامات المنفذة.

وهذا يعني أننا أمام مشهد متناقض: من جهة يجري الحديث عن العفو، ومن جهة أخرى يجري تضييق مساحات النجاة القانونية لفئات واسعة، بما قد يفضي إلى مزيد من الإعدامات.

لذلك يمكن القول: إذا كان العفو لا يشمل من تعرّضوا لانتزاع اعترافات قسرية أو محاكمات مشوبة بالخلل، وإذا كان يستثني أعداداً كبيرة تحت عناوين فضفاضة، فإنه يتحول من أداة للعدالة إلى أداة انتقائية، ويصبح أقرب إلى المعالجة السياسية أو الإعلامية منه إلى الإنصاف الحقيقي.

وخلص حرج بالقول إن "العفو لم يكن إصلاحاً جذرياً، بل إجراءً جزئياً وانتقائياً، وقد استفاد منه البعض، لكنه لم يعالج جوهر الأزمة: التعذيب، وفساد الأدلة، وغياب المحاكمة العادلة، والتوسع في توصيف الإرهاب". 

غياب ضمانات العدالة

وفق ما تضمنه بيان مركز جنيف الدولي للعدالة، فإن "لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان أوضحت بأن عقوبة الإعدام يجب أن تقتصر على (أشدّ الجرائم خطورة)، أي الجرائم التي تنطوي على القتل العمد، وأنه لا يجوز تنفيذها إلا بعد استيفاء ضمانات العدالة المنصوص عليها في المادة 14 من العهد.

كما تحمي المادة 6 (4) حق كل شخص محكوم عليه بالإعدام في التماس العفو أو تخفيف العقوبة، وعليه فإن إلغاء شرط المرسوم الجمهوري يضيّق واحدة من آخر الفرص العملية المتاحة لممارسة هذا الحق بصورة فعلية.

وأكد البيان أنه: "لا يمكن تجاهل الأثر التمييزي الأوسع الذي أُثير بشأن تطبيق الإطار القانوني العراقي لمكافحة الإرهاب، ولا سيما قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة 2005، فمنذ سنوات، وُجّهت اتهامات خطيرة بأن التهم الإرهابية وأحكام الإعدام استُخدمت بصورة غير متناسبة ضد المحتجزين"
 

دعوة لتقليص نطاق عقوبة الإعدام

كما أن النقاشات التي جرت في البرلمان بشأن العفو العام ارتبطت هي الأخرى بإعادة فتح قضايا استندت إلى اعترافات قسرية وأدلة شابتها عيوب جسيمة، ولهذا تكتسب مسؤولية المشرّعين أهمية خاصة.

وأشار المركز أيضاً إلى أنه: "كان ينبغي لأعضاء البرلمان أن يكرسوا جهودهم لمعالجة التعذيب، والاعترافات القسرية، وضعف حقوق الدفاع، والتوسع في قوانين مكافحة الإرهاب، والإخفاق المستمر في ضمان محاكمات عادلة.

كما كان ينبغي العمل على تقليص نطاق عقوبة الإعدام، لا على تسهيل تنفيذها. وفي ظل هذا السياق، فإن أي مقترح يهدف إلى تسريع تنفيذ الإعدامات يثير خطراً أشد يتمثل في تكريس الظلم غير القابل للإصلاح على أسس طائفية".

ودعا بيان مركز جنيف الدولي للعدالة مجلس النواب العراقي إلى رفض هذا المقترح بالكامل، كما يدعو السلطات العراقية إلى أن تقوم بدلاً من ذلك بجملة إجراءات منها: إقرار وقف فوري لتنفيذ أحكام الإعدام، وضمان الامتثال الكامل لمعايير المحاكمة العادلة بموجب العهد الدولي.

"اتهامات بقتل السجناء".. نائب يكشف التفاصيل

بدوره، كشف النائب عن محافظة نينوى، حسن علو، اليوم مطلع نيسان/أبريل الجاري، عما وصفها بالـ"ممارسات الخطيرة" داخل بعض السجون العراقية، مشيراً إلى تعرض عدد من النزلاء إلى التعذيب الذي أفضى إلى الوفاة، لا سيما ممن صدرت بحقهم موافقات لإعادة المحاكمة أو شمولهم بقانون العفو.

وأكد علو، في بيان له، أن "الموقف لا يندرج ضمن الدفاع عن الإرهاب أو المتورطين به، بل يستند إلى قناعة بضرورة تحقيق العدالة الحقيقية، عبر التمييز بين من ارتكب جرائم جسيمة تستوجب أقصى العقوبات، وبين من صدرت بحقهم أحكام قد تكون بنيت على شهادات زور أو بدوافع انتقامية".

Image1_420267111142465876880.jpg

وأشار إلى أن "هناك أعداداً ليست بالقليلة من المحكومين تعرضوا للظلم"، مبيناً أن "الإجراءات الحالية لشمولهم بالعفو العام ما تزال محدودة ومعقدة، ولا تحقق العدالة المنشودة".

وفي السياق ذاته، لفت إلى "تسجيل حالات تصفية جسدية داخل السجون، من بينها حالة المحكوم محمود إبراهيم حامد الجبوري من محافظة نينوى، الذي قال إنه تعرض للتعذيب حتى الموت داخل سجن الناصرية المركزي (سجن الحوت)، وفق ما وثقته صور ومقاطع فيديو، امتنع عن نشرها لبشاعتها واحتراماً لخصوصية الضحية".

وأوضح النائب أنه "بادر بتحريك شكوى رسمية، شملت مخاطبة رئاسة مجلس النواب، ومجلس القضاء الأعلى، والادعاء العام، بهدف إيقاف هذه الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها".

ما حقيقة تنفيذ إعدامات بدافع طائفي؟

من جهته، كشف الصحفي العراقي عثمان المختار عن تنفيذ إعدامات ذات طابع طائفي ضد المعتقلين، مشيراً إلى وجود مخالفات قانونية في تنفيذ تلك الأحكام، فضلاً عن أنها قد تكون في الأصل غير صحيحة؛ لأنها قد تعتمد على معلومات خاطئة قُيِّدت أثناء التحقيق.

وكتب المختار عبر حسابه بمنصة "إكس": "منذ بدء الحرب على إيران، عاودت وبشكل غير معلن عمليات الإعدام للمعتقلين في العراق"، مضيفاً أن الجهات المسؤولة عن السجون تبلغ عائلات الضحايا وذويهم بعبارة: "جيب بطانية وتعال استلم ابنك".


وأضاف المختار أن "الإعدامات في العراق لا تشمل المدانين بجرائم المخدرات والقتل والاغتصاب، ولكنها تشمل فقط المتهمين بالإرهاب، حيث يتم إعدامهم بتأصيل طائفي انتقامي"، مبيناً أن "كل قوانين الأرض تمنح الإنسان حق وداع أهله، وقبلها حق محاكمة عادلة، إلا في العراق".

"تصفية سجناء كانوا بانتظار الإفراج عنهم"

وفي سياق متصل، قال المرصد العراقي للحقوق والحريات إنه "تلقى معلومات موثقة عن عمليات إعدام وحصول وفيات مشبوهة لسجناء أمضوا مدة محكومياتهم وكانوا بانتظار الإفراج عنهم، إلا أن ذويهم تفاجؤوا باتصالات من سجن الناصرية تطلب منهم استلام أبنائهم مع تعهد بعدم إقامة عزاء لهم".

وأوضح مدير المرصد الحقوقي عادل الخزاعي أن "هذه الحالة متكررة منذ سنوات لسجناء أنهوا مددهم السجنية وبانتظار الإفراج ولكن يتم تصفيتهم داخل السجن، وعند الاستلام لا يحق لأحد الاعتراض أو طلب التحقيق رغم وجود آثار التعذيب التي تسببت بوفاتهم وهذا يعد تصفية وجريمة قتل موثقة".

اظهار أخبار متعلقة


وأضاف الخزاعي أن "النوع الآخر الذي تم توثيقه هو الإعدامات التي تجري لمحكومين بالإعدام مُنعوا من إعادة محاكماتهم وتقييم آثار التعذيب ومُنعوا من نقض الأحكام، كون حكم الإعدام جاء بظروف مشبوهة تحت التعذيب وعدم وجود محامٍ".

وتابع: "أغلب المحكومين لديهم أدلة تثبت براءتهم لكن لا يتم السماح لهم ولعائلاتهم وأهلهم ومحاميهم بالطعن بهذه الأحكام تحت الترهيب والابتزاز، فكثير من حالات الإعدام والتصفية الآن تتم بصورة سرية بدون إعلان وزارة العدل ودون إبلاغ الأهل أو المحامين".

الإعدامات تتبع محاكمات جائرة

وفي بيانات سابقة لمنظمة "هيومن رايتس ووتش"، أكدت فيها أن السلطات العراقية تنفذ ما سمته "القتل" - الإعدامات - بموافقة الدولة على نطاق مقلق، مشيرة إلى أن الإعدامات تتبع محاكمات جائرة تستند إلى أدلة يشوبها التعذيب.

وأضافت في بيانها أنه نظراً لانتهاكات الإجراءات القانونية الواجبة، والتي ترقى إلى الحرمان التعسفي من الحق في الحياة، ينبغي للعراق أن يوقف بشكل عاجل جميع الإعدامات المعلقة، ويعلن وقفاً مؤقتاً نحو الإلغاء الكامل لعقوبة الإعدام.
التعليقات (0)