هل يدفع المصريون ثمن الحرب على إيران؟.. إجراءات حكومية استثنائية

امتدت آثار الحرب على إيران دول المنطقة كاملة - جيتي
امتدت آثار الحرب على إيران دول المنطقة كاملة - جيتي
شارك الخبر
رغم عدم انخراط مصر أو تعرضها للعمليات العسكرية الجارية بين أمريكا وإسرائيل من جانب، وإيران من جانب آخر منذ السبت الماضي، إلا أنه يبدو أن المصريين على موعد مع تفاقم أكبر لأزماتهم الاقتصادية والمعيشية، وهو ما بدا في تصريحات رئيس النظام عبدالفتاح السيسي، ورئيس حكومته مصطفى مدبولي.

ومنذ السبت الماضي، تشن القوات العسكرية الأمريكية المتمركزة بالشرق الأوسط ومعها جيش الاحتلال الإسرائيلي هجمات موسعة على إيران، أودت بحياة المرشد الديني علي خامنئي، ما قابلته طهران بشن هجمات على إسرائيل والقواعد العسكرية الأمريكية بـ7 دول عربية، وغلق "مضيق هرمز".

تمهيد السيسي وتأكيد مدبولي


وخلال إفطار القوات المسلحة، الأحد الماضي، دعا السيسي، المصريين للتحمل، قائلا: "نتحسب من نتائج الحرب وغلق مضيق هرمز والتأثير على قناة السويس وتدفقات البترول والأسعار"، و"كنا حريصين على تدبير الاحتياطات اللازمة إلا أننا لا نعرف مدى استمرار الأزمة"، ملمحا إلى إجراءات محتملة بقوله: "وأهم شيء أن نظل متكاتفين، ونتحمل ونتفهم الظروف، وندرك أن بعض الأمور خارجة عن قدراتنا"، ما قرأ فيها محللون إشارة إلى إجراءات قاسية محتملة.

وعصر الثلاثاء، أعلن مدبولي، عن اتخاذ حكومته "إجراءات استثنائية وإعادة النظر في أسعار المنتجات البترولية حال استمرار ارتفاع أسعار النفط والغاز"، وذلك رغم تأكيده خلال ذات الحديث أن حكومته تحركت "بشكل استباقي لتأمين احتياجات الطاقة تحسبا لتصاعد الأحداث".

وأعاد مدبولي، التذكير بحديث سابق له قال فيه إن الدولة لن تزيد الأسعار إلا في حالة "حدوث حرب كبيرة"، مخاطبا 108.7 مليون مصري يعاني أكثر من ثلثيهم الفقر والفقر المدقع بقوله: "يجب أن نعرف جميعا أن هذه الأزمة إذا استمر أمدها وبدأت الأسعار في الزيادة، فبالتأكيد سنتخذ كدولة بعض الإجراءات الاستثنائية المؤقتة".

اظهار أخبار متعلقة



ويتزامن حديث السيسي، ومدبولي، مع تراجع سعر صرف الجنيه بنحو 3.8 بالمئة متجاوزا 50 جنيها مقابل الدولار في مسار نزولي استبق حرب إيران، التي تبعها بيوم واحد ومنذ الأحد الماضي وقف إسرائيل إمدادات الغاز لمصر بمعدل 1.1 مليار متر مكعب غاز يوميا، وسط أزمة ارتفاع أسعار الغاز والبترول عالميا.

الأزمات التي صاحبها تحويل مسارات شركات نقل بحري عالمية عن قناة السويس، واستمرار هروب الأموال الساخنة من السوق المحلية بنحو 1.6 مليار دولار خلال النصف الثاني من شباط/فبراير الماضي، من أذون الخزانة المحلية.

تضارب بالتصريحات الحكومية


وعلى النقيض وخلال ذات المؤتمر الحكومي الأسبوعي من مقر مجلس الوزراء الجديد بالعاصمة الجديدة، جاء حديث وزير المالية أحمد كجوك، مطمئنا ومغايرا لتلميحات السيسي، ولإعلان مدبولي عن إجراءات استثنائية، ما أثار التساؤلات حول وجود تضارب بين حديث رأس الدولة ورجلها الثاني، وبين تصريح المسؤول الأول عن المالية بها.

كوجك، الذي جرى تعيينه بمنصبه تموز/ يوليو 2024، وتم تجديد الثقة فيه بالتشكيل الوزاري الأخير منتصف الشهر الماضي، أوضح أن "موقف مصر الاقتصادي قوي ويشهد تحسنا مستمرا"، مقللا من أزمة هروب الأموال الساخنة من أدوات الدين الحكومي، بقوله إنه "أمر طبيعي في ظل حالة عدم اليقين الراهنة".

بل ذهب للتأكيد على أن "تأثير التوترات الإقليمية الراهنة على البورصة وأداء السندات الدولية المصرية لا يزال في نطاقه المتوقع في ظل تداعيات الحرب".

وفي حين، أكد رئيس الوزراء على احتمالات رفع أسعار الوقود، كشف وزير ماليته عن وضع أفضل لمصر في ملفي الغاز والنفط، قد لا يضطرها وفق تأكيده لعدم اتخاذ إجراءات استثنائية.

اظهار أخبار متعلقة



وقال كوجاك: "لدينا تأمين ضد مخاطر ارتفاع أسعار نحو 50 بالمئة من احتياجاتنا من المواد البترولية، منذ 3 سنوات ومستمر هذا العام"، مبينا أن مصر تشتري "عقود التحوّط لتأمين الإمدادات والتسعير"، معربا عن أمنيته ألا نضطر لاستخدام هذه العقود.

في ذات الإطار، أكد وزير الكهرباء المصري محمود عصمت، أنه رغم انقطاع الغاز من إسرائيل، إلا أن الأوضاع بالشبكة الكهربائية في مصر مطمئنة، مبينا أنه لدى وزارته سيناريوهات للحفاظ على استقرار الشبكة وتوفير التغذية الكهربائية.

وإزاء نقص إمدادات الغاز تم رفع كميات المازوت المستخدم في تشغيل محطات الكهرباء بنحو 333 بالمئة السبت الماضي، إلى 26 ألف طن يوميا، من 6 آلاف طن.

ويدعم تصريحات وزير الكهرباء بعدم وجود أزمة، قرار الحكومة المصرية الاثنين الماضي، برفع صادراتها من الكهرباء إلى الأردن بنحو 29 بالمئة لتصل إلى 225 ميغاواط يوميا بدلا من 175 ميغاواط، إثر وقف إسرائيل تدفق الغاز إلى عمان، فيما أكد مسؤول مصري أن هذا الإجراء "لن يكون له تأثير على الاحتياجات أو الأحمال المحلية".

الاستفادة من الأزمة


ذلك التضارب بين حديث السيسي وإعلان مدبولي من جانب وبين تصريحات كجوك وعصمت من جانب آخر، دفع البعض للتكهن بأن رأس النظام، ورئيس حكومته، يسعيان للاستفادة من أزمة الحرب الإيرانية كعادتهما في أزمات مماثلة مثل "كورونا" (2020-2022) وحرب غزة (2023-2025) وحرب الـ12 يوما بين إسرائيل وإيران، الصيف الماضي.

وفي الشهر التالي لعملية طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، رفعت الحكومة أسعار البنزين بأنواعه 14بالمئة، تلا ذلك زيادة في أسعار الغاز خلال 2024 بنحو 1.5 جنيه للمتر المكعب، مع رفع لأسعار تذاكر المترو والسكك الحديدية لـ20 بالمئة.

وفي أيار/مايو 2024، رفعت سعر رغيف الخبز المدعم لأول مرة منذ عقود من 5 قروش إلى 20 قرشا (بزيادة 300 بالمئة)، ما تبعه زيادة أسعار السولار والبنزين في تموز/يوليو إلى 15 بالمئة، كما تم إقرار زيادات بأسعار الكهرباء بين 30 و40 بالمئة.

وكانت حكومة مدبولي، التي قلصت دعم المواد البترولية بنسبة 50 بالمئة بموازنة (2025-2026)، لـ75 مليار جنيه بدلا من 154 مليار جنيه في سابقتها؛ وعدت المصريين بعدم رفع أسعار الوقود لمدة عام، بعدما رفعت أسعاره في نيسان/أبريل وتشرين الأول/أكتوبر الماضيين.

تضارب التصريحات والإجراءات


ولفت مراقبون إلى ما اعتبروه تضارب آخر، بين تلميحات السيسي، وحديث مدبولي، صراحة عن إجراءات استثنائية برفع أسعار الوقود، وبين تحركات الحكومة في هذا الملف ومنها "تعزيز إمداداتها الداخلية، ووقف الضخ الخارجي، وإعادة تنظيم الشحنات"، ما يؤكد وفق رؤيتهم عدم حتمية الإجراءات الاستثنائية، ويشير بوضوح إلى رغبة حكومية في الاستفادة من الأزمة.

ومن الخطوات التي اتخذتها الحكومة لتأمين السوق المحلية وتؤكد عدم حتمية رفع أسعار الوقود حتى مع احتمال امتداد الحرب لمدة أطول، وقف القاهرة، الأحد الماضي، ضخ 100 مليون قدم مكعب من الغاز يوميا لسوريا ولبنان عبر "خط الغاز العربي".

وقرارها، الاثنين الماضي، وقف ضخ 350 مليون قدم مكعب من الغاز يوميا لشركتي "شل" الهولندية و"بتروناس" الماليزية، والتي كانت مخصصة للتصدير عبر مصنع "إدكو" المصري بساحل المتوسط للإسالة.

ومعها، تأتي خطط مصر لإضافة نحو 470 مليون قدم مكعب من الغاز يوميا إلى الإنتاج المحلي قبل نهاية حزيران/يونيو المقبل، بضخ 665 مليون دولار كاستثمارات في 30 بئرا جديدة، بينها بئرين ب حقل "ظهر" التابع لـ"إيني" الإيطالية، بحسب "الشرق مع بلومبيرغ".

وفي إطار دفعها شركات النفط الأجنبية لزيادة الإنتاج وتوسيع البحث والاستكشاف سددت مصر 500 مليون دولار من مستحقاتها المتأخرة نهاية شباط/فبراير.

اظهار أخبار متعلقة



وفي ذات السياق، حصلت البلاد، الاثنين والثلاثاء، على نحو 300 مليون قدم مكعب يوميا من سفينة تغويز العقبة بالأردن،  ما تمثل و4 سفن أخرى بديلا هاما، عن وقف إسرائيل إمدادات الغاز من حقلي "تمار" و"ليفياثان".

وتستأجر مصر 5 سفن لتغويز الغاز المسال، هي: النرويجية "هوج"، و"إنيرجوس باور" و"إنيرجوس إسكيمو" الألمانيتان، ببميناء العين السخنة بطاقة ملياري قدم مكعب يوميا، و"إنيرجوس وينتر"، بطاقة 450 مليون قدم بميناء دمياط؛ و"إنيرجوس فورس" بطاقة 750 مليون قدم بميناء العقبة الأردني.

وتعيد القاهرة جدولة شحنات الغاز المسال المتعاقد عليها دوليا لزيادة الكميات المستوردة؛ حيث تسعى الشركة المصرية للغازات الطبيعية، لتبكير مواعيد 3 شحنات من الغاز شهريا بدءا من آذار/مارس، كما تطرح مناقصة لشراء ما بين 19 و21 شحنة إضافية للشهور من حزيران/يونيو حتى أيلول/سبتمبر لتغطية احتياجات الصيف، بحسب "بلومبيرغ".

استوردت القاهرة ما بين 155 و160 شحنة غاز طبيعي مسال خلال 2025 لسد الفجوة بين الاستهلاك المحلي والإنتاج، البالغ نحو 4.1 مليار قدم مكعب يوميا، مقابل احتياجات يومية تبلغ 6.2، ترتفع إلى 7.2 بفصل الصيف.

تعويض الخسائر على حساب من؟


ويلمح مراقبون إلى أن "حكومة مدبولي، تمهد الشارع المصري، لقراراتها الاستثنائية التي أعلنت عنها قبل ذلك برفع أسعار الكهرباء والوقود ثم تراجعت عنها تحسبا لغضب الشارع"، مؤكدين أن "توجهها الحالي يأتي كمحاولة منها لتعويض تراجع دخل قناة السويس، التي خسرت نحو 9 مليارات دولار خلال حرب غزة".

ويعتقدون أيضا أنه "محاولة منها لتعويض خسائر البلاد من تحويل ثاني وثالث أكبر شركتي شحن عالميا (ميرسك) الدنماركية، و(سي إم إيه سي جي إم) الفرنسية، إلى جانب (هاباغ لويد) الألمانية، مساراتها من قناة السويس لرأس الرجاء الصالح".

وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، انتقد سياسيون ومراقبون توجه الحكومة نحو رفع أسعار الوقود والسلع، وبينهم السياسي وليد مصطفي، ومجدي حمدان، الذي حذر من القادم على المصريين.





من جانبه، أشار الكاتب الاقتصادي مصطفى عبد السلام، إلى أن "أسعار النفط والغاز ارتفعت بمعظم أسواق العالم بسبب حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز، ومع ذلك لم تخرج حكومة أي دولة لتتحدث عن خطط لزيادة الأسعار ورفع أسعار الوقود، أو تلمح بزيادات في كلفة المعيشة".

وقال عبر "فيسبوك" إن "الحكومات دورها طمأنة المواطن، والتأكد من كفاءة الأسواق ومحاربة الاحتكارات وكفاية المخزون الاستراتيجي للسلع وتوافرها، وليس إثارة الذعر والحديث عن زيادات مرتقبة للأسعار بحجة ارتفاع أسعار الطاقة في الأسواق العالمية".

ارتباك شديد بالأسواق


يواجه السوق المحلي حالة من الارتباك الشديد، حيث شهد العديد من السلع الاستهلاكية ارتفاعات على خلفية تداعيات الحرب الإيرانية وتأثرا بتصريحات رئيس الوزراء حول الإجراءات الاستثنائية.

ورصدت "عربي21"، ارتفاع بشكل خاص في بعض أنواع زيت الطعام، والدقيق، والجبن، والفول واللحوم، كما رفع بعض تجار الوقود بمحال غير مرخصة على الطرق السريعة وبمناطق نائية سعر البنزين بجميع أنواعه، تحوطا لما قد يشهده من ارتفاعات محتملة.

وفي ذات الإطار، توقف مستوردو مكونات الأعلاف بالسوق المحلية، عن توريد البضاعة للمصانع، كما رفعوا أسعار جميع الخامات بنسبة 39 بالمئة التي تستورد مصر 95 بالمئة منها وهي: الذرة، والصويا، والكُسب، والجولتين، والردّة، بحسب صحيفة "الشروق"، المحلية، ما يمس قطاع غذائي حيوي في توقيت يمثل قمة الاستهلاك السنوي خلال شهر رمضان.

ورفعت شركة مطاحن ومخابز شمال القاهرة أسعار الدقيق الزيرو بنسبة 17.5 بالمئة، اليومين الماضيين، ليصل سعر الطن 21750 جنيه، مقابل 18500 جنيه السبت الماضي، وذلك قبل أيام من الموسم السنوي لصناعة كحك العيد.

وقررت شركة "هاير مصر"، العاملة في قطاع الأجهزة الكهربائية بالسوق المحلية، عدم تسليم الموزعين والتجار، حصتهم عن آذار/مارس بشكل كامل؛ لاحتمال رفع الأسعار.

وبينما أوقفت بعض شركات المحمول التي تصنع منتجاتها في مصر البيع بعد يوم من رفعها الأسعار بين 5 و10 بالمئة، طالبت شركات الأسمدة بعقد اجتماع عاجل مع وزارة البترول لمناقشة تأمين إمدادات الغاز الطبيعي للمصانع.
التعليقات (0)