"منفصلة عن الواقع".. مقترحات وتصريحات البرلمان المصري تثير الجدل

مقترح فرض 30 جنيها على فواتير الكهرباء لملاجئ الكلاب فجر موجة غضب وسخرية واسعة- جيتي
مقترح فرض 30 جنيها على فواتير الكهرباء لملاجئ الكلاب فجر موجة غضب وسخرية واسعة- جيتي
شارك الخبر
أثارت مقترحات بقوانين وتعديلات على قوانين وتصريحات نواب ونائبات البرلمان المصري الجديد بشقيه "النواب" و"الشيوخ" سخط مصريين، ووصفوها بأنها منفصلة تماما عن واقع شعب يعاني أكثر من ثلثيه من الفقر، ودولة توشك حد الإفلاس مع استدانة داخلية وخارجية، وبيع أصول البلاد الاستراتيجية، لسداد خدمة الديون.

وتشكل فوائد الدين العبء الأكبر على مالية مصر خلال عهد رئيس النظام عبد الفتاح السيسي، خاصة بعد تسجيل الديون الخارجية والداخلية أرقاما تاريخية غير مسبوقة وبلوغ الدين العام المصري يبلغ نحو 377.8 مليار دولار.

ومنذ انعقاد مجلس الشيوخ (الغرفة الثانية 300 عضو) في ١٨ تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وبدء جلسات مجلس النواب (الغرفة الأولى 596 عضوا) يوم 12 كانون الثاني/ يناير الماضي، لم يتوقف الجدل بداية من عجز بعض النواب عن ترديد القسم الدستوري دون أخطاء، مع تصريحات تخالف الدستور المصري، وحتى تقديم مقترحات مثيرة للسخرية، أو تستهدف جيوب المصريين.

ومن مبنى البرلمان الجديد الأضخم بالشرق الأوسط في العاصمة الإدارية بمساحة 26 فدانا، وقاعة تسع 1000 عضو تعلوها قبة بقطر 57 مترا، تسيطر "أحزاب السلطة" على المشهد إثر انتخابات أثارت الجدل حول مدى نزاهتها، حصد فيها "مستقبل وطن" 227 مقعدا تلاه: "حماة الوطن" و"الشعب الجمهوري"،  و"الجبهة الوطنية"، جاءت مقترحات أغضبت المصريين.

30 جنيها لملاجئ الكلاب

2 شباط/ فبراير الجاري، اقترح وكيل لجنة الري والزراعة بمجلس الشيوخ النائب علاء عبد النبي، زيادة رسوم الكهرباء 30 جنيه على كل فاتورة لدعم ميزانية بناء ملاجئ للكلاب الضالة في27 محافظة، وذلك في ظل طلب هيئة الخدمات البيطرية 2.28 مليار جنيه لم توفر الدولة منها إلا 14 مليونا فقط.

ويأتي المقترح في ظل معاناة المصريين مع رفع أسعار الكهرباء 10 مرات بعهد السيسي، بداية من تموز/ يوليو 2014، و2015، وآب/ أغسطس 2016، ومنتصف 2017، و2018، و2019، و2020، وفي كانون الثاني/ يناير وآب/ أغسطس 2024، ومن المقرر رفعها في الربع الحالي من العام الجاري، ما ضاعف قيمة الفاتورة بنسب 1000 بالمئة مقارنة بأسعار ما قبل 2014.

5 آلاف دولار سنويا 

وفي 31 كانون الثاني/ يناير الماضي، تقدمت عضو مجلس النواب آمال عبد الحميد باقتراح إعفاء المصريين المغتربين من ضريبة القيمة المضافة والرسوم الجمركية على الهواتف المحمولة شريطة تحويل 5 آلاف دولار سنويا عبر القنوات المصرفية الرسمية، بهدف جمع 50 مليار دولار سنويا تعزز الاحتياطي النقدي لمصر.

ويأتي مقترح النائبة، في وقت تتصاعد فيه دعوات مصريي الخارج لمنع التحويلات المالية عبر البنوك المصرية، لما تتخذه الحكومة من قرارات قالوا إنها "جبائية"، والتي كان آخرها فرض ضريبة على هواتفهم بنحو 38 بالمئة، وما سبقه من إقرار مجلس النواب في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، زيادة رسوم تصديقات وزارة الخارجية، ما أغضب مصريي الخارج.

وبين كانون الثاني/ يناير وتشرين الثاني/ نوفمبر 2025، سجلت تحويلات المصريين في الخارج أعلى قيمة تاريخية بنحو 37.5 مليار دولار.

اظهار أخبار متعلقة



وشهدت قبة البرلمان القديم بالعاصمة القاهرة، مقترحات مماثلة انتقدها مصريون ووصفوها بـ"قوانين جباية"، وبينها مقترح النائب مجدي الوليلي، آب/ أغسطس 2022، جمع 25 مليار دولار من المصريين بالخارج، ومطالبة النائب بهاء أبو شقة آذار/ مارس 2023، بتحصيل نسبة مئوية من دخل المقيمين بالخارج.

بنك الأنسجة.. سخرية ومخاوف

وأثار اقتراح النائبة أميرة صابر، الخميس الماضي، بتأسيس "بنك وطني للأنسجة البشرية" وتيسير إجراءات التبرع بالأنسجة بعد الوفاة جدلا واسعا، بين سخرية البعض بترديد عبارة: "سلخ جلود المصريين"، ليثمن آخرون المقترح ويعلنوا استعدادهم التبرع، مطالبين بقانون يوضح آليات التنفيذ.



ويتخوف مصريون من استخدام النظام الفكرة للتربح منها لا لعلاج الفقراء ومصابي الحروق، مشيرين إلى مقترح سابق مماثل، حين دعا السيسي، وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2023، الشباب المصري للتبرع بالبلازما مرتين أسبوعيا بمقابل مالي يصل 1500 جنيه أسبوعيا، ما سبقه إصدار قانون يسمح بالتعويض المالي مقابل التبرع بالبلازما، بحد أقصى 104 مرات سنويا.

وبعيدا عن وزراتي الصحة والتعليم العالي والمراكز البحثية المصرية وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2021، افتتح الجيش المصري أول مركز بأفريقيا والشرق الأوسط لتجميع البلازما مع شركة غريفولز الإسبانية، وإنشاء 20 مركزا للتبرع، وسط حديث عن احتكار الجيش المشروع بتدشين شركة "غريفولز مصر".

طابور الصباح

وفي إطار المقترحات المثيرة للجدل، وإثر ضجة قوله: "لا نعترف بـ 25 يناير إلا عيدا للشرطة فقط"، دعا النائب المعين بين مائة يختارها السيسي، بمجلس الشيوخ، رئيس حزب "الجيل" ناجي الشهابي، في 19 كانون الثاني/ يناير الماضي، لمد طابور الصباح بالمدارس لمدة ساعة كاملة.

ما يتعارض وفق مراقبين مع أولويات أخرى لدى المدارس الحكومية التي تعاني عجزا بنحو 469 ألف معلم، وتكدس بالفصول يصل 50 طالبا، وفق تصريحات رسمية.

ذكاء اصطناعي ومغازلة السيسي

وتعرضت النائبة يارا شيبة لانتقادات واسعة، بسبب ما بدا خلال كلمتها بمجلس النواب أنها معدة من قبل الذكاء الاصطناعي، وحملت مصطلحات غير واضحة، وأخطاء لغوية، ما دفع المحامي طارق العوضي، لانتقاد القائمين على اختيارات أعضاء البرلمان من الجهات الأمنية.



وفي السياق، لاقى تصريح لنائب الشيوخ عن حزب التجمع أحمد شعبان، مطلع شباط/ فبراير الجاري، غضبا واسعا من قوله: "الحكومة والمجلسين أصبحا عبئا على الرئيس، فليس من المنطقي أن ينشغل بكل القضايا".

ويأتي ضعف الأداء البرلماني في الوقت الذي جرى فيه الإعلان عن برنامج تدريبي  لـ391 نائبا بالبرلمان الجديد في الأكاديمية العسكرية بالعاصمة الإدارية، 21 كانون الثاني/ يناير الماضي، ولمدة 6 أيام.

تعديلات بالحبس والغرامة

كما دفع توجه مجلس الشيوخ في تعديلات القوانين في أيامه الأولى نحو معاقبة المصريين بـ"الحبس"، ومضاعفة قيم الغرامات في تعديل قوانين خاصة بالكهرباء وبأداء الخدمة العسكرية غضب الكثيرين.

ومطلع شباط/ فبراير الجاري، وافقت لجنتا "الدفاع والأمن القومي"، و"الشئون الدستورية والتشريعية"، على مشروع قانون بتعديل "قانون الخدمة العسكرية والوطنية"، يقر "الحبس" و"الغرامة المضاعفة" لمن تخلف عن أداء "الخدمة العسكرية" و"استدعاء" الاحتياط للخدمة.

وفي 28 كانون الثاني/ يناير الماضي، وافقت لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية على مشروع قانون لتعديل بعض أحكام قانون الكهرباء والذي يستهدف تغليظ عقوبات سرقة التيار الكهربائي بالحبس سنة وغرامة بين 100 ومليون جنيه.

اظهار أخبار متعلقة



وانتقد مراقبون تحرك النواب بتعليمات، مشيرين إلى أنه إثر حديث السيسي، 24 كانون الثاني/ يناير الماضي، عن تشريع يحد أو يمنع استخدام الهاتف المحمول للأطفال، تحركت غرفتا البرلمان باليوم التالي وأعلن مجلس النواب، مناقشة ضوابط استخدام الأطفال مواقع التواصل وتطبيقات الإنترنت.

وفي المقابل، لم يلق "طلب إحاطة" من عضو مجلس النواب عن محافظة بورسعيد أحمد فرغلي، لوزير الزراعة، في 28 كانون الثاني/ يناير الماضي، حول عمولات جهاز "مستقبل مصر" التابع للقوات الجوية بالجيش المصري، من استيراده الحصري لمستلزمات الحكومة من القمح وزيوت الطعام، ردا حكوميا.

وكشف النائب أن الجهاز العسكري يستورد طن القمح بـ270 دولارا، في حين يبلغ السعر العالمي 240 دولارا، بزيادة قدرها 30 دولارا؛ ويستورد زيوت الطعام بـ1250 دولارا، بفارق 150 دولارا في الطن الواحد عن السعر العالمي.

نتاج طبيعي لاختيار أمني

وفي حديثه لـ"عربي21"، حول ضعف أداء نواب البرلمان الجديد، قال صحفي مصري ومرشح سابق للبرلمان: "هذا نتاج طبيعي لما جرى بانتخابات البرلمان"، موجها انتقاداته لـ"عملية اختيار نواب مجلسي النواب والشيوخ"، مضيفا أنها "سببت حالة من الإحباط السياسي".

وأكد أنه "تم استبعاد كل صاحب رأي أو رؤية أو من يقدم خدمات للناس منذ سنوات وتم الاكتفاء بمن دفع مقابل الكرسي"، مشيرا إلى "مبالغ وصلت 50 مليون جنيه"، ومبينا أن "الرشا الانتخابية في دائرته تعدت 2000 جنيه مقابل الصوت الواحد، وأن المال السياسي اخترق حتى العائلات المقربة منه".

أداة جباية لا مستهدف رعاية

وفي رؤيته، قال السياسي والبرلماني المصري السابق، طارق مرسي: "لا يمكن تناول أي تشريعات تسعى إليها الحكومة إلا في ضوء حالة الجباية التي يمارسها النظام المصري الحالي والذي يتعامل مع المواطن كأنه أداة جباية وليس مستهدف رعاية".

وأكد لـ"عربي21"، أن "كل القوانين والقرارات التي صدرت وتصدر في برلمانات مصر من 2015 وإلى الآن تسعى لتحقيق رغبة السلطة في تحصيل الموارد من الشعب ورفع أسعار الخدمات والسلع، ولم يحدث أن صدر قانون واحد يبحث عن صالح المواطن أو الشعب".

وتساءل: "ماذا ننتظر من نواب وحكومات السيسي المتعاقبة وهم يقررون بشكل دوري رفع الأسعار؟، وماذا ننتظر من البرلمان والحكومات الهزيلة التي تمثل سكرتارية للسيسي؟، ماذا يُنتظر من حكومة تقرر وبرلمانات تصدق على قوانين وهي تحت سيف صندوق النقد الدولي الذي يربط كل شيء بإلغاء الدعم؟".

ليسوا نوابا ولا يمثلون الشعب

مرسي، أكد أن "الإقرار بأنه برلمان حقيقي مغالطة كبيرة فهو تجمع بشري لا يمثل بالمعنى الحقيقي (برلمان) كونه يمثل السلطة لا الشعب، ولأنه من صنع السلطة وأجهزتها السيادية وليس باختيار شعبي، وأعتقد أن الجميع يعرف كيف تم هندسة هذه المجالس وطريقة اختيارها".

عضو لجنة القوى العاملة والصناعة بمجلس الشورى سابقا، أضاف أن "المغالطة الثانية في تعريف أعضاء هذه المجالس المزورة على أنهم نواب، فهؤلاء يمثلون النظام السياسي الحالي، فضلا عن أن أغلبهم اشترى مقعده المزور بعشرات الملايين من الجنيهات إما ليحمي به شبكة فساد قائمة أو ليمارس الفساد ويشارك في كعكة القرب من السلطة".

اظهار أخبار متعلقة



ولفت إلى أنه "لذلك فمن الطبيعي أن يعيش هؤلاء (النواب) هموم السلطة وليس هموم الشعب ويسارعون نحو رغبة السلطة نحو الجباية والقمع؛ فهذه الفئة تبحث عن السلطة والمال لتجد لأنفسها موطئ قدم في شبكة فساد سلطة السيسي والعسكر".

وأوضح أنها "لا تعيش في أوساط الشعب ولا تسمع حكاياته وأوجاعه إنما تعيش في كمبوندات الفساد، وسط طبقات المال والسلطة والإعلام والجنرالات والقضاء، ومن يعيش في هذه الطبقة طبيعي أن يجهل أوضاع المصريين بل يرتدي رداء السلطة ويتطبع بطباعها ورغبتها في معاداتهم وسحقهم".

هل يدفع المصريون نتيجة اختيارهم وصمتهم؟

لا يميل مرسي، إلى تحميل ذلك للمصريين، قائلا إن هؤلاء لم يختارهم المصريون، الذين لم يُمنحوا حق الاختيار إلا في انتخابات العام 2012، التي انقلب عليها السيسي والعسكر".

ويرى أنه "حتى جريمة الصمت على الواقع، لا أتهم بها الشعب لأنه يعيش تحت نير البغي والقهر ولا يملك القدرة على مواجهة جنازير العسكر وبطش الداخلية"، مضيفا: "يقيني أن الشعب رافض للنظام ولكن لا يجرؤ أن ينتفض في ظل حالة القهر والجبر المفروضة عليه".

وفي نهاية حديثه أكد أن "فرض مزيد من الضرائب وحالة الإفقار والظرف الاقتصادي الصعب الذي يعيشه الشعب ومع استفزازات السلطة وممثليها هؤلاء ربما تعجل بانفجار شعبي يعيد للشعب كلمته ويخرج المصريين من واقعهم الرديء لواقع محترم على غرار 2011".
التعليقات (0)