إعجاز مضمون القرآن.. رؤية جديدة لبناء المسلم والأمة والدولة.. قراءة في كتاب

جاء الرسول صلى الله عليه وسلم خاتماً للأنبياء، وجاءت رسالته كخاتمة لكل الرسالات لتعطي البشرية العلاج والدواء والشفاء، وقد تجسدت هذه الرسالة الخاتمة بهذا "المضمون القرآني"..
جاء الرسول صلى الله عليه وسلم خاتماً للأنبياء، وجاءت رسالته كخاتمة لكل الرسالات لتعطي البشرية العلاج والدواء والشفاء، وقد تجسدت هذه الرسالة الخاتمة بهذا "المضمون القرآني"..
شارك الخبر
الكتاب "إعجاز مضمون القرآن: بناء معجز للمسلم والأمة والدولة"
المؤلف: الدكتور غازي التوبة
الناشر: دار الأصول العلمية ـ 2026


في كتابه الجديد "إعجاز مضمون القرآن: بناء معجز للمسلم والأمة والدولة"، يقدم الدكتور غازي التوبة رؤية مبتكرة لإعجاز القرآن الكريم، تتجاوز الإعجاز البياني التقليدي لتصل إلى جوهر الرسالة الإلهية، أي مضمون السورة نفسه. يرى المؤلف أن القرآن لا يقتصر إعجازه على ألفاظه وصوره ولغته، بل يمتد ليشكل الإنسان المؤمن، ويؤسس الأمة المسلمة، ويضع أسس الدولة المبنية على العدل والشورى والمساواة.

يتناول الكتاب هذا الإعجاز في ثلاثة أبعاد مترابطة: بناء المسلم المعجز من خلال العلم الإلهي بالإنسان ومراعاة حاجاته النفسية والفطرية؛ الأمة المسلمة المعجزة القائمة على الوحدة الثقافية والتضامن الاجتماعي والعدالة؛ والدولة المسلمة المعجزة التي تميزت بالدستور الإلهي، واختيار الحاكم بالرضا، وعدم تقديس السلطة، وإرساء قيم الشورى والمساواة.

من خلال عرض الأمثلة القرآنية والسيرة النبوية، والمقارنة مع تجارب الأمم والدول الأخرى، يظهر الكتاب أن "المضمون القرآني" ليس مجرد نصوص، بل منظومة حية، قادرة على إصلاح الإنسان والمجتمع والدولة، وتقديم نموذج حضاري متكامل يستحق التأمل والدراسة. إنه دعوة فكرية لاستيعاب العمق القرآني، وتفعيل أثره في الحياة الفردية والجماعية والسياسية.

إعجاز مضمون القرآن

تحدث هذا الكتاب عن إعجاز جديد في القرآن الكريم، أبرزه المؤلف وهو "إعجاز مضمون القرآن"، وهو إعجاز لم يتم الحديث عنه من قبل، وقد بنى هذا الإعجاز ثلاثة أمور، هي: المسلم والأمة والدولة.

وقد تحدث الكاتب في بداية الفصل الأول من الكتاب عن "الإعجاز البياني اللغوي" واعترف بأنه إعجاز حق، لأنه يليق بالقرآن الكريم  ـ كلام الله ـ أن يكون مبيناً ميسراً معجزاً في ألفاظه وجمله وصوره وبيانه ولغته وفواصله إلخ..، لكي لا يكون هناك لبس في فهم آياته، ولا تنازع فيما أمر الله به ونهى عنه، وأحلّه وحرّمه، ووعد به وأوعد عليه إلخ..

وبيّن الكاتب أيضاً السبب في اكتشاف العرب والمسلمين لهذا "الإعجاز البياني اللغوي" وذكر سببين، هما:

1 ـ أن العرب أهل لغة وبيان ودليل ذلك أشعارهم وأسواقهم.

2 ـ فرقة المعتزلة التي عظمت اللغة العربية، لذلك كان معظم الذين كتبوا في الإعجاز البياني مرتبطين بفرقة المعتزلة بصورة من الصور: كالباقلاني، وعبد القاهر الجرجاني، والزمخشري إلخ...

ثم بين الكاتب أن هناك إعجازاً آخر تناول "مضمون السورة" إلى جانب الإعجاز السابق الذي تناول "مبنى السورة"، ووضح الكاتب إلى أن هناك إشارات إلى إعجاز "مضمون السورة" في القرآن الكريم والسنة المشرفة، وأبرز ذلك من خلال الآيات التي تحدى الله فيها العرب آنذاك حيث قال الله تعالى: "أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ" (يونس، 38)، فوضح أن الآية التي قبلها، والآيات التي بعدها تشير إلى دور مضمون آيات القرآن في بناء التحدي مع المشركين، وأن سبب تكذيبهم هو عدم إحاطتهم بالعلم الذي ورد في آيات القرآن الكريم، وأنهم تعجلوا في حكمهم ولم ينتظروا حتى تجلي تحقيق مضمون الآيات القرآنية في تقوى الصحابة والمجتمع الصحابي، فقد قال تعالى: "بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ" (يونس، 39) وقد وضح الكاتب -أيضاً- إشارة السيرة إلى "مضمون القرآن"  من خلال عدة وقائع في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن خلال أقوال كبار العرب الجاهليين كالوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة من خلال أقوالهم التي وصفوا بها القرآن الكريم، والتي تجنح إلى وصف المضمون وليس بلاغة الآيات فقط.

حرص المسلمون على حفظ اللغة العربية من اللحن والتحريف لارتباطها بالقرآن الكريم، فابتكروا علوماً متعددة لتحقيق هذا الغرض، منها: المعاجم والنحو والصرف والبلاغة، والبيان والبديع إلخ ..
ثم انتقل الكاتب في الفصل الثاني من الكتاب إلى الحديث عن "المضمون القرآني المعجز" فذكر أنه يقوم على أمرين: الأول: الحق الكامل، الثاني: العلم الشامل.

ووضح الكاتب أن تفصيلات كثيرة تنضوي تحت العنوانين الكبيرين السابقين، فيأتي تحت عنوان "العلم الشامل"، العلم بالله وصفاته وأسمائه وأفعاله، والعلم بالآخرة، والعلم بخلق الكون والإنسان، والعلم بقصص الأنبياء إلخ..

ثم ذكر المؤلف الصفات التي وصف الله بها القرآن الكريم، وكيفية التعامل مع مضمون هذا القرآن الكريم، وعن آثار مضمون القرآن الكريم، والهدف من هذا الحديث عن القرآن الكريم هو جعلنا مهتمين بهذا القرآن الكريم، وتحصيل أكبر قدر من العناية والحفظ والتلاوة والتطبيق والعمل به والمحافظة عليه، لأنه سيكون النور والهداية والبركة والموعظة في الدنيا والفوز بالجنة يوم الآخرة.

ثم انتقل المؤلف إلى الحديث عن "بناء المسلم المعجز" فبين أن الإعجاز وكان نتيجة توافق أمرين، هما: الأول: العلم الإلهي بكينونة الإنسان وماهية وتفاصيل وجوده، الثاني: إنزال الله ـ تعالى ـ هذا "المضمون القرآني" المطابق لهذا العلم الإلهي بكينونة الإنسان من أجل تلبية غرائزه وحاجاته وعواطفه وبناء عقله وقلبه، وإرادته وخلقه.

ثم فصل الكاتب كيفية بناء "المضمون القرآني" لكل الأمور السابقة من غرائر وحاجات وقلب وعقل وجسد وإرادة وخلق وضرب الأمثلة على ذلك إلى أن يصل إلى بناء "المسلم المعجز".

ثم تحدث الكاتب عن صور خاطئة ومشوهة من بناء الإنسان لدى الأمم والشعوب الأخرى، وأولها: الدعوة إلى قمع الشهوات والرغبات الفطرية، وثانيها: الانغماس في اشباع الشهوات والرغبات الفطرية، وثالثها: عدم الاعتراف بنزعة التملك الفطرية، ورابعها التقلب بين النزعتين الفردية والجماعية، وخامسها: إلغاء نزعة العبادة والتقديس من النفس الإنسانية، والفشل في ذلك.

ثم انتقل المؤلف إلى الفصل الرابع الذي حمل عنوان "الآثار التي تدل على إعجاز المسلم في مجال العقل والنفس والقلب" وبين الآثار التي تدل على إعجاز العقل المسلم في مجالين: الديني والدنيوي.

أما مظاهر الفاعلية العقلية في المجال الديني فبدأت بالاهتمام بالقرآن الكريم من ناحية جمعه واعتماد أرقى المعايير العالمية والموضوعية من أجل صحة الجمع، وهو اشتراط مسلمين عدلين من أجل تدوين أية آية في المصحف، ثم ابتكر المسلمون علوماً أخرى من أجل حفظه من التحريف واللحن ومن أجل فهمه وتفسيره فجاءت علوم التنقيط والتشكيل، والمكي والمدني، والمجمل والمفصل، والناسخ والمنسوخ إلخ..

وكذلك حرص المسلمون على تدوين السنة النبوية واتبعوا في ذلك أرقى المعايير العلمية والموضوعية وأدقها في الوصول إلى الصحيح من أقوال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأفعاله، فكانت علوم السند والمتن، والرواية والدراية، والجرح والتعديل، وكان الحديث الصحيح والحسن والضعيف والمعلل والمنقطع إلخ...، وكان حديث الآحاد والمتواتر والمشهور وغيرها إلخ...، لذلك وصلنا في النهاية صحيحا البخاري ومسلم وموطأ مالك ومسند ابن حنبل وسنن النسائي وأبي داوود وابن ماجة إلخ..

كما حرص المسلمون على حفظ اللغة العربية من اللحن والتحريف لارتباطها بالقرآن الكريم، فابتكروا علوماً متعددة لتحقيق هذا الغرض، منها: المعاجم والنحو والصرف والبلاغة، والبيان والبديع إلخ ..

وقد جاء الفقه جواباً من العلماء على تساؤلات المسلمين حول ما يواجههم من مشاكل في مختلف المناحي العبادية والاجتماعية والاقتصادية إلخ... ثم تشكلت المذاهب الفقهية من تراكم الأجوبة الفقهية، ودلت هذه المذاهب على جهد عقلي رائع ومتقدم، ثم ابتكر العقل الإسلامي علوم أصول الفقه وعلم المقاصد وتقسيم تصرفات الرسول -صلى الله عليه وسلم- لتساعد الفقيه والمفتي في إصدار الأحكام الفقهية.

لم يقف ابتكار العلوم عند المجال الديني فقط، إنما تعداه إلى المجال الدنيوي، فظهرت فاعلية العقل الإسلامي في المجال الدنيوي في عدة مظاهر، وهي:

المظهر الأول: علوم ابتكرها المسلمون، ومنها: علم العمران وأصبح فيما بعد علم الاجتماع، وعلم الكيمياء، وعلم الصيدلة، وعلم المثلثات وعلم الجبر إلخ..

المظهر الثاني: اكتشافات غيرت مجرى التاريخ، ومنها: الدورة الدموية، التخدير، خيوط الجراحة، النظارة إلخ..

المظهر الثالث: إنجازات علمية مبتكرة في مختلف مجالات العلوم: كالجغرافيا، والفيزياء والحساب.

المظهر الرابع: إبداعات في مجالات الفنون وأبرزها التفنن في كتابة الخط الذي يحقق متعة للعين ومتعة للفكر.

أما الآثار التي تدل على إعجاز المسلم في بناء النفس والقلب فتجلت في ظاهرتين، هما:

ـ الأولى: الإقدام على إنفاق الأموال والتصدق بها وتوليد الأوقاف المختلفة في مجال التعليم، وفي مجال الصحة، وفي مجال تنمية الاقتصاد في المجتمع الإسلامي.

حرص المسلمون على تدوين السنة النبوية واتبعوا في ذلك أرقى المعايير العلمية والموضوعية وأدقها في الوصول إلى الصحيح من أقوال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأفعاله، فكانت علوم السند والمتن، والرواية والدراية، والجرح والتعديل، وكان الحديث الصحيح والحسن والضعيف والمعلل والمنقطع إلخ...، وكان حديث الآحاد والمتواتر والمشهور وغيرها إلخ...، لذلك وصلنا في النهاية صحيحا البخاري ومسلم وموطأ مالك ومسند ابن حنبل وسنن النسائي وأبي داوود وابن ماجة إلخ..
وإذا علمنا أن الأوقاف الإسلامية بلغت ثلث الثروة الإسلامية جميعها، أدركنا كم كان دور الوقف كثيراً في حياة المسلمين وأدركنا دوره في إغناء مختلف مناحي الحياة الإسلامية.

ـ الثانية: الإقدام على القتال والاستشهاد وحماية الأمة من الاعتداءات الخارجية، وقد تجلى ذلك في صد أكبر عدوانين تعرضت لهما الأمة الإسلامية، وهما: الأول: الغزو المغولي الذي قام به هولاكو وأسقط بغداد لكن المسلمين أوقفوه في عين جالوت عام 1260م، الثاني: الحروب الصليبية التي قامت بها جميع دول أوروبا واستمرت مائتي عام لكن صلاح الدين أنهاها واستعاد القدس بعد معركة حطين عام  1187م.

وانتقل الكاتب إلى فصل "الأمة المسلمة المعجزة" ووضح في البداية النظريات التي قامت عليها الأمة، وعدّد ثلاثة منها، هي: النظرية الألمانية، والنظرية الفرنسية، النظرية الستالينية، ثم وضح "الأمة" لغوياً فذكر أنها أتت من أصلين: إما " الأَم" بالفتح وهو القصد، وإما "الأُم" بالضم وهو المصدر، والأمة هي حصيلة العلاقة الجدلية بين القصد والاتجاه، والانحدار والصدور، ثم وضح الكاتب كيفية قيام الأمة المسلمة وأنها قامت على ثلاثة عوامل:

1 ـ الجماعة المسلمة.

2 ـ  الوحدة الثقافية.

3 ـ  وحدات أخرى.

أما العامل الأول وهو بناء الجماعة المسلمة فقد جاء تلبية لحاجة فطرية عند الإنسان، لذا دعا الرسول -صلى الله عليه وسلم- زوجته خديجة -رضي الله عنها- ثم دعا صاحبه أبا بكر الصديق رضي الله عنه، ثم دعا آخرين، وربطهم بقيادته، وكانوا يعيشون ظروفا واحدة مع بعضهم، فعاشوا مرحلة سرية، ثم جهرية ثم طلب الرسول صلى الله عليه وسلم الهجرة من بعضهم الهجرة الأولى إلى الحبشة إلخ..

وقد جاءت آيات القرآن الكريم والحديث الشريف تأمر بالجماعة وقد أورد المؤلف عدداً منها.
أما العامل الثاني في بناء الأمة فهو الوحدة الثقافية، وقد قام هذا العامل على ثلاثة أركان: القرآن الكريم، والسنة المشرفة، واللغة العربية، وقد أفرزت "الوحدة الثقافية "عدة وحدات أخرى وهي: الوحدة العقلية، الوحدة النفسية، الوحدة الاجتماعية، وحدة العادات والتقاليد، الوحدة السياسية، الوحدة الاقتصادية.

ثم تحدث الكاتب عن الصفات التي أطلقها القرآن الكريم على الأمة المسلمة، وهي: الأولى: صفة الخيرية من قوله سبحانه وتعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ (آل عمران، 110)،  والثانية صفة الوحدة من قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء، 93) والثالثة صفة الوسطية من قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة، 143).

ثم انتقل الكاتب إلى إبراز الصفات التي امتازت بها الأمة المسلمة على غيرها من الأمم الأخرى، ووضح بعضها، وهي:

1 ـ الانتماء إلى المجتمع-الأمة أمر فكري ثقافي.

2 ـ  الحرص على الوحدة الثقافية وإنمائها.

3 ـ الأمة المسلمة غير قابلة للاستبداد.

4 ـ  امتزاج مختلف الأجناس والأعراق في بوتقة الأمة بشكل لم تحققه أي أمة أخرى.

5 ـ  اتساع النطاق المدني عند الأمة المسلمة.

ثم استعرض المؤلف صوراً خاطئة ومشوهة لبناء الإنسان عند الأمم والمجتمعات، فذكر منها: صورة ألمانيا النازية التي قامت على أساس أن العرق الآري هو أرقى الأعراق، وبريطانيا وأمريكا التي قامت على أساس تفوق العرق الأبيض الأنجلوسكسوني، وروسيا التي قامت على ضرورة انتصار طبقة العمال على الطبقة الرأسمالية، والمجتمعات في حضارات الهند واليابان وأوروبا الوسطى قامت على أساس طبقي، ويولد الانسان وهو مرتبط بطبقته، ولا يستطيع الانتقال إلى طبقة أخرى، وليس من شك بأن هذا ظلم كبير للإنسان، لأن ولادته في طبقة معينة تجعله محصوراً في هذه الطبقة، ومقيداً بقيودها، في حين أنه يفترض أن نترك له الحرية في اختيار الأمة التي ينتمي إليها بإرادته وتفكيره.

وإن المقارنة بين الصفات التي قامت عليها "الأمة المسلمة" وصفات الأمم الأخرى تجعلنا نقول إن الأمة المسلمة "أمة معجزة.

ثم انتقل الكاتب إلى فصل "الدولة المسلمة المعجزة" فبين أن إقامة الدولة "واجب ديني وضرورة اجتماعية" وأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- سعى إلى إقامتها منذ اللحظة الأولى، وكان يستفيد من مواسم الحج فيقابل زعماء القبائل الذين يفدون إلى مكة للحج، ويطلب منهم أحد أمرين أو الأمرين معا، وهما: الأول: أن يمكّنوه من تبليغ رسالة ربه، الثاني: أن ينصروه، وأن يمنعوه مما يمنعون به نساءهم وأولادهم.

لكنه كان يلقى الصدود، إلى أن التقى بأفراد من قبيلتي الأوس والخزرج من أهل يثرب، ثم حدثت واقعة بيعة العقبة الأولى، وأرسل الرسول بعدها مصعب بن عمير سفيراً له وانتشر الإسلام في معظم بيوت أهل المدينة، ثم هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إليها وأقام دولة هناك.

ثم انتقل الكاتب إلى ذكر "صفات الدولة المسلمة"، وهي:

1 ـ دولة ذات دستور، وهو القرآن الكريم الذي أنزله الله تعالى، وهو الذي حدد واجبات وحقوق كل من الحاكم والمحكوم، ولم يأت هذا الدستور مرتبطاً بعائلة أو قبيلة أو طبقة أو عرق، كما هي دساتير الدول على مدار التاريخ.

2 ـ دولة يأتي الحاكم عن طريق الرضا والاختيار، لقد نصت كتب السياسة الشرعية والأحكام السلطانية أن الحاكم المسلم يأتي عن طريق رضا الناس وعن طريق الاختيار.

3 ـ الحاكم غير مقدس وسلطته غير مقدسة، وبالتالي تستطيع أن تراجعه وتناقشه في قراراته.

لم يكن هدف الدولة المسلمة من خروجها إلى قتال دولة الفرس والروم إنشاء إمبراطورية كغيرها من الإمبراطوريات، بل كان هدفها إزالة المستبدين الطغاة كي يحرروا الشعوب من المستبدين الطغاة ويعطوها فرصة اختيار الدين الذي تراه وتعتقد صوابه، وقد عبر عن ذلك ربعي بن عامر عندما قال لرستم: "الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام".
4 ـ دولة شورى ويعتقد الكاتب أن هذه الشورى كانت قائمة في كل العهود وقد ذكر مثالاً على ذلك كتاب "مجالس الشورى في عهد سلاطين المماليك" لمؤلفه عثمان علي عطا الذي أبرز فيه إقامة الشورى في عهد المماليك في مختلف المجالات المالية والدينية والعسكرية والثقافية والإدارية إلخ..، ويرجح المؤلف أن الشورى موجودة في كل العصور لكن تحتاج إلى تحقيق تاريخي لإبراز ذلك كما فعل الكاتب عثمان علي عطا بالنسبة لعصر المماليك.

5 ـ دولة مساواة: ومن أبرز الأدلة على ذلك أن جميع الأعراق والأجناس والقبائل شاركت في مختلف المجالات العلمية والسياسية والعسكرية والاقتصادية والعمرانية والتربوية إلخ...، فترى أن العلماء الذين أبدعوا في مختلف العلوم الدينية والدنيوية من مختلف الأجناس والأعراق والأصقاع، فمنهم العرب والفرس والهنود والبربر والترك إلخ..، وكذلك القادة العسكريون والسياسيون والاقتصاديون إلخ...

6 ـ  دولة إزالة المستبدين والطغاة: لم يكن هدف الدولة المسلمة من خروجها إلى قتال دولة الفرس والروم إنشاء إمبراطورية كغيرها من الإمبراطوريات، بل كان هدفها إزالة المستبدين الطغاة كي يحرروا الشعوب من المستبدين الطغاة ويعطوها فرصة اختيار الدين الذي تراه وتعتقد صوابه، وقد عبر عن ذلك ربعي بن عامر عندما قال لرستم: "الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام".

ثم أجرى الكاتب مقارنة بين الصفات التي قامت عليها الدولة المسلمة والدول الأخرى ليصل إلى عرض بعض الصور المشوهة والخاطئة لهذه الدول فنجد أن بعضها قامت على أساس عرقي وأباحت لنفسها إبادة الأعراق الأخرى مثل هتلر في ألمانيا النازية التي أباحت لنفسها إبادة أعراق أخرى كالغجر والسلاف واليهود والمعاقين بحجة أنها أعراق متدنية في خريطة الأعراق التي رسمتها.

ومن الصور الخاطئة والمشوهة اعتبار الحاكم مقدساً وسلطته مقدسة، وتمثل هذا الحكم في حكّام بلاد فارس الذين كانوا يعتبرون أنفسهم "ظل الله على الأرض" ويحكمون بتفويض إلهي، وكان الامبراطور البيزنطي يعتبر نفسه نائباً عن المسيح في الأرض ويحكم باسمه، وكذلك الإمبراطورية الرومانية المقدسة فكان الأباطرة يحكمون بتفويض إلهي من الكنيسة الكاثوليكية، وكان يتم ذلك بإذن البابا وموافقته، وعند المقارنة بين هذه الصور الخاطئة والمشوهة التي قامت على مدار التاريخ، وصورة الدولة المسلمة نستطيع أن نقول إن الدولة التي أقامها "المضمون القرآني" كانت "دولة معجزة".

وفي ختام هذا العرض نقول: إن البشرية اضطربت في بناء الإنسان والأمة والدولة أيما اضطراب، ودفعت ثمناً باهظاً لهذا الاضطراب من العذابات والآلام والشقاء والتعاسة والقتل والدمار إلخ..

لذلك جاء الرسول صلى الله عليه وسلم خاتماً للأنبياء، وجاءت رسالته كخاتمة لكل الرسالات لتعطي البشرية العلاج والدواء والشفاء، وقد تجسدت هذه الرسالة الخاتمة بهذا "المضمون القرآني" الذي بنى الإنسان والأمة والدولة بناء سليما ً معجزاً، وما زال هذا "المضمون القرآني" حياً طرياً جاهزاً ليبني مرة ثانية "مسلماً معجزاً" و"أمة معجزة"، و"دولة معجزة".
التعليقات (0)

خبر عاجل