الكتاب: المجلة الدولية للدراسات الكردية
العدد العاشر، تموز ـ يوليو ـ 2025
الكاتب: مؤلف جماعي يرأس تحريره رفيق سليمان
الناشر: المركز الديمقراطي العربي للدراسات
الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية / ألمانيا ـ برلين
عدد الصفحات: 250 صفحة
ـ 1 ـ
يعِد سياقنا الحضاري والسياسي الرّاهن، بعد
التحولات السياسية في سوريا ومراجعات حزب العمال الكردستاني لمبادئه في تركيا،
بمنعرج
تاريخي تشهده المسألة الكردية. فالتحولات السياسية العنيفة تتقاطع مع أسئلة
حضارية عميقة تتعلّق بالهوية الكردية والاعتراف بها دوليا وطبيعة العلاقات بين
الأقاليم المختلفة التي يعيش فيها الأكراد والموزعة بين دول عديدة لتتجاوز الأكراد
إلى الأنظمة الحاكمة في سوريا والعراق وإيران وتركيا. ويطرح عندئذ، سؤال مدى قدرة
الكيانات السياسية القائمة على استيعاب التعدّد القومي واللغوي والديني ضمن صيغ دستورية
عادلة ومستدامة.
يقدّم هذا العدد مادة علمية رصينة تفتح مسارات بحث جديدة، وتؤكد أن فهم القضية الكردية لا يتحقق عبر مقاربة أحادية. فالحاجة إلى تفكيك مستوياتها المتعدّدة التي تشد البنى القانونية، إلى السرديات التاريخية، إلى اللغات والطقوس، في آن واحد تظلّ ضرورية. ومن هذه القدرة بالذّات تكمن القيمة المعرفية الأساسية لهذا العمل.
ويتنزل العدد العاشر، تموز ـ يوليو 2025 من
المجلة الدولية للدراسات الكردية في هذا السياق. فيجمع بين التحليلات الدستورية
التي تبحث في شروط اللامركزية والاتحاد، والدراسات السياسية التي تفكك إمكانات
الحل في الحالة السورية، والأبحاث اللغوية التي تعيد بناء الجذور التاريخية للغة
الكردية، والمقاربات الأنثروبولوجية التي تستكشف التنوّع الديني بوصفه مكوّنًا
أصيلًا من النسيج الثقافي الكردستاني.
ويصادر هذا العدد على أنّ المسألة الكردية لا تُفهم إلا بوصفها ظاهرة
مركّبة، تتشابك فيها السلطة مع الذاكرة، والقانون مع اللغة، والدين مع التاريخ.
ومن هذا المنطلق كانت مختلف مباحثه تؤسّس أفقًا معرفيًا نقديًا، يسائل المسلّمات،
ويعيد طرح القضية الكردية بصفتها مسألة حضارية بقدر ما هي سياسية أكثر ممّا يقدّم
الإجابات النهائية. فيمنحنا زاوية للنظر إلى المسألة الكردية خارج المقاربات
الاختزالية التي اعتادت حصرها في بُعد سياسي مباشر أو في خطاب حقوقي مُجرّد. ويكشف
كل مبحث منها جانبًا من البنية العميقة للصراع على المعنى والسلطة والهوية.
ـ 2 ـ
تفكك دراسة رفيق سليمان حول "عناصر دعم
الاتحاد في الأنظمة اللامركزية والفيدرالية والكونفيدرالية" فكرة شائعة ترى
في الاتحاد مجرّد تسوية سياسية قابلة للنقض عند أول اختبار. يعيد الباحث تعريف
الاتحاد بوصفه نظامًا مركّبًا، يقوم على هندسة دستورية دقيقة توازن بين وحدة
الكيان السياسي وتعدّد مكوّناته. والمقصود بعبارة اتحاد في مقالته، اتحاد سوري
داخلي يعاد تأسيسه دستوريًا على قاعدة الاعتراف بالتعدد القومي واللغوي والتوزيع
الداخلي للصلاحيات على أقاليم أو وحدات ذاتية الحكم والاعتراف الدستوري بالحقوق
الكردية الثقافية والسياسية.
يذكر رفيق سليمان، معترضًا على تصوّرات
تستخفّ بدور الدستور في إنتاج الاستقرار، وتختزله في وظيفة إجرائية أو رمزية، أن "العناصر الدستورية هي الأساس لاستمرارية الاتحاد" (ص.29). فيبرز أنّ النص
الدستوري يتحوّل إلى أداة فعّالة فقط حين ينجح في ضبط العلاقة بين المركز والوحدات
الفرعية عبر توزيع واضح للصلاحيات، وفي توفير ضمانات تمنع التعدّي المتبادل.
يوضّح
أن غياب هذا التحديد يفتح المجال أمام نزاعات مؤسسية تتحوّل سريعًا إلى أزمات
سياسية، لهذا يؤكد أن «توزيع الصلاحيات وفيض الضمانات يحددان نجاح اللامركزية»
(ص.29). فمثل هذه الضمانات تؤسس لثقة متبادلة تُبنى داخل النظام السياسي بعيدا عن
الالتباسات الدستورية المدمّرة. فكل غموض تشريعي يتحوّل إلى مجال تأويل، وكل تأويل
غير محكوم بآلية تحكيم مستقلة يصبح وقودًا لصراع مفتوح.
ـ 3 ـ
ويربط الباحث نجاح هذا الاتحاد المفترض
بوجود آليات مؤسسية لإدارة الخلاف، كالمحاكم الدستورية المستقلة، والإجراءات
السياسية المضبوطة، وقنوات التفاوض الدائمة. فمن شأن مثل هذه العناصر أن تمنع
تحوّل الخلافات الطبيعية داخل الأنظمة المتعددة إلى أزمات وجودية.
تزداد أهمية هذا الطرح حين ينتقل الباحث إلى
مسألة الموارد، فيفكّك "وهمًا" آخر يرى في اللامركزية مسألة إدارية
قابلة للتحقق دون استقلال مالي نسبي. فيبيّن أن الصلاحيات، حين تكون بلا موارد، لا
تنتج سوى إدارة محلية عاجزة، ويذكّر بأن التحكم المالي يشكّل إحدى أدوات الهيمنة
المركزية الأكثر فاعلية. لهذا يشدّد على أن توزيع الموارد المالية يمثل شرطًا
بنيويًا لاستدامة أي اتحاد. في هذا السياق، لا تُقرأ اللامركزية بكونها تنازلا من
المركز. والأسلم أن ينظر إليها باعتبارها إعادة تنظيم عقلاني للسلطة والثروة. يربط
سليمان بين التهميش المالي وتصاعد النزعات الانفصالية، مبيّنًا أن الشعور بالحرمان
الاقتصادي غالبًا ما يتقدّم على الخطاب الهوياتي في تشكيل الوعي الاحتجاجي.
يختتم رفيق سليمان تحليله بالانتقال إلى
الثقافة السياسية، معتبرًا أن النصوص والمؤسسات تفقد فعاليتها دون أرضية ثقافية
داعمة. يؤكد أن «الثقافة السياسية بين المكونات تقوّي أو تقوّض بنية الاتحاد»
(ص.29). يتعلّق الأمر هنا بأنماط التمثّل المتبادل، وبقدرة الفاعلين على قبول
الاختلاف ضمن إطار مشترك.
تتسم مقالة رفيق سليمان بدقة مفهومية وعمل
جادّ على استشراف المستقبل، ومع ذلك فهي تميل إلى التركيز على البنية الرسمية،
تجعل تحليل أنماط السلطة غير المعلنة، تلك التي تمارسها النخب، والشبكات
الاقتصادية، والتحالفات الزبائنية فاترا أو مغيّبا رغم مركزيتها في مشاريع
الفيدرالية واللامركزية. وهذا ما يحدّ من قدرتها على تفسير الفجوة بين النص
والممارسة ويجعلها في حاجة إلى مساءلة أكثر عمقًا لمسألة السيادة في سياقات النزاع
المسلّح، حين تتفتّت السلطة المركزية، وتظهر فواعل غير دولية تتحكّم فعليًا في
الموارد.
ـ 4 ـ
يحوّل جوان حمو وخورشيد عليكا النقاشَ من
الإطار النظري العام إلى حالة مخصوصة في دراستهما المعنونة ب "مشروع حل القضية
الكردية في سوريا". فليست القضية الكردية عندهما ملفًا سياسيًا طارئًا. إنها نتاج
تاريخي لتراكم سياسات الإقصاء والإنكار. وعليه لا يمكن مقاربتها خارج الوعي بهذا
السياق وتأمل تبعاته. فينطلقان من مبدأ تقرير المصير، مؤكدين أنه "يحق للكُرد
في سوريا تقرير مصيرهم بنفسهم" (ص.46). ويعني هذا المبدأ ضرورة توفير إطار
قانوني تتفرّع عنه صيغ متعددة ولا يريدان أن يفهم طرحهما باعتباره دعوة مباشرة أو
حتمية إلى الانفصال.
يصادر هذا العدد على أنّ المسألة الكردية لا تُفهم إلا بوصفها ظاهرة مركّبة، تتشابك فيها السلطة مع الذاكرة، والقانون مع اللغة، والدين مع التاريخ. ومن هذا المنطلق كانت مختلف مباحثه تؤسّس أفقًا معرفيًا نقديًا، يسائل المسلّمات، ويعيد طرح القضية الكردية بصفتها مسألة حضارية بقدر ما هي سياسية أكثر ممّا يقدّم الإجابات النهائية.
يربط الباحثان هذا الحق بعناصر ثقافية
ولغوية وتاريخية، معتبرين أن «اللغة، الثقافة، والهوية التاريخية تشكّل مقومات
المطالبة بالحقوق» (ص.46). فيحاولان أن يقطعا مع المقاربات التي تفصل بين الحقوق
السياسية والحقوق الثقافية، وأن يعيدا الاعتبار للهوية بوصفها بنية مركّبة تتجسّد
في الممارسة اليومية. يتقدّم هذا التحليل خطوة إضافية حين يضعان الدستور في قلب
الحل المقترح، مشيرين إلى أن "حلًا عادلًا يتطلب دستورًا جديدًا يعترف
بالتنوع القومي والسياسي واللغوي" (ص.46). فيشتركان مع رفيق سليمان في النّظر
إلى الدستور باعتباره عاملا يعيد تأسيس العقد الاجتماعي بين مختلف القوميات
السورية أكثر ممّا هو مجرد وثيقة تنظيمية.
يقترح المقال مسارات انتقالية تشمل إعادة
الجنسية وإصلاح السجلات المدنية وحماية الممتلكات وضمان التمثيل السياسي. فيمنح
هذا الطرح الدراسة بعدًا عمليًا، غير أن طابعه الإجرائي يبقى عامًا. فتغيب تفاصيل
التنفيذ، وتتوارى أسئلة التوقيت، والقدرة المؤسسية، وإدارة الرفض الداخلي
والإقليمي. مع ذلك، يُحسب للمقال إدراكه أن أي حل لا يمر عبر البنية الدستورية
محكوم عليه بالهشاشة.
فضلا عن ذلك يتجلّى وعي الباحثين بتعقيد
الواقع حين يتوقفان عند الانقسامات داخل المجتمع الكردي، معتبرين أنها تُضعف
الموقف التفاوضي. فدعوتهما إلى مؤتمرات جامعة تعبّر عن إدراكهما لكون الحقوق
تُنتزع سلميا عبر النصوص، وعبر وحدة التمثيل السياسي والاجتماعي في الآن نفسه. غير
أن هذا الوعي يصطدم بغياب أدوات تحليلية تُفكّك طبيعة هذه الانقسامات، جذورها
الاجتماعية، امتداداتها الإقليمية.
ـ 5 ـ
وتطرح المسألة الكردية من زاوية لسانيات
تاريخية تتولاها دراسة مروان حمي في مقالته "تطور اللغة الكردية الأولى".
فنبتعد عن الأطروحات السياسية المباشرة وإن ظل البعد المعرفي واحدًا. فاللغة هنا
تتحوّل إلى حقل صراع رمزي على الجذور والشرعية. ذلك أنّ حمي يقدّم فرضية واضحة حين
يؤكد أن "الكردية الأولى تشكلت في منطقة زاغروس خلال الألفية الثانية قبل
الميلاد" (ص.113)، مستندا في هذا الطرح إلى المنهجية المقارنة التي تجمع
الأدلة الصوتية والصرفية، وتعيد بناء شجرة تطورية تُخرج الكردية من موقع التبعية.
يعزّز الباحث فرضيته حين يشير إلى التأثيرات
المتبادلة مع اللغات الإيرانية القديمة، يؤكّد أن "الكردية تأثرت بالميدية
والپارثية والبُنى الإقليمية الأخرى" (ص.224). ولا يرمي من إبراز هذا التأثير
إلى انتقاص فكرة استقلالية اللغة الكردية. وإنما يقدّم الدليل على اندماجها في
فضاء لغوي تاريخي متفاعل. ويحاول أن يدحض الأطروحة التي تختزل اللغة الكردية في
كونها لهجة طارئة، ويعيد تقديمها بوصفها نظامًا لغويًا ذا تاريخ عميق.
يتحوّل التحليل من الماضي إلى الحاضر حين
يطرح حمي مسألة التباين اللهجي. فيحذر من اندثار بعض اللهجات، ويؤكد "ضرورة
توثيق اللهجات المهددة بالانقراض مثل الزازاكية". وهذا ما يحوّل اللغة إلى
قضية ثقافية وسياسية في آن واحد، ترتبط بالهوية، وبالاعتراف، وبالسياسات التعليمية.
ـ 6 ـ
وتشكل دراسة صافية زفنكي حول الأنثروبولوجيا
الدينية لدى الكرد واجهة ثانية لطرح المسألة التركية في بعدها الثقافي. فتنطلق
الكاتبة من مراجعة نقدية لحقل الدراسات الدينية في مثالتها المعنونة ب "إضاءة
على الدراسات الكردية في الأنثروبولوجيا الدينية لدى الكرد"، وتركّز خاصة على
الأيزيدية، مشيرة إلى "الدراسات الأيزيدية في أوائل القرن الحادي والعشرين"
(ص.191). تُظهر أن تصاعد الاهتمام الأكاديمي بهذا الحقل مرتبط بالتحوّلات السياسية
والاجتماعية، وبانتقال الموروث الديني من الشفهي إلى المكتوب. وتؤكد أن التحول من
الشفهي إلى المكتوب في التقاليد اليزيدية يؤثر على النقل المعرفي. فيفتح تحليلها
نقاشًا عميقًا حول أثر التدوين في إعادة تشكيل السلطة الرمزية، وتثبيت النصوص،
وتقليص التنوّع المحلي. فيُقدَّم التدوين هنا بوصفه عملية تحمل مكاسب ومخاطر في آن
واحد.
تدعو الكاتبة إلى مقاربة متعددة التخصصات،
معتبرة أن "التنوع الديني في كردستان يتطلب مناهج أنثروبولوجية متعددة
التخصصات" (ص.191). يترافق هذا الطرح مع تأكيد أخلاقي على مسؤولية الباحث،
وعلى ضرورة إشراك المجتمعات المدروسة في عمليات التوثيق.
ـ 7 ـ
يقترح العدد من المجلة الدولية للدراسات
الكردية أفقًا معرفيًا متكاملاً لفهم المسألة الكردية، من منظور داخلي. فتتقاطع
فيه الأسئلة الدستورية مع اللغوية، وتتجاور المطالب السياسية مع التحليلات
الأنثروبولوجية، في صورة تعكس تعقيد الواقع المدروس. غير أن هذا الغنى المعرفي يظل
مصحوبًا بتحديات منهجية تتعلّق بحدود التحليل التطبيقي، وبالفجوة القائمة بين
المعرفة الأكاديمية وصناعة القرار.
مع ذلك، يقدّم هذا العدد مادة علمية رصينة
تفتح مسارات بحث جديدة، وتؤكد أن فهم القضية الكردية لا يتحقق عبر مقاربة أحادية.
فالحاجة إلى تفكيك مستوياتها المتعدّدة التي تشد البنى القانونية، إلى السرديات
التاريخية، إلى اللغات والطقوس، في آن واحد تظلّ ضرورية. ومن هذه القدرة بالذّات
تكمن القيمة المعرفية الأساسية لهذا العمل.