تُمثّل التجربة التونسية، التي دشّنت ما
عُرف بثورات الربيع العربي، لحظة كاشفة في التاريخ السياسي العربي الحديث؛ لا
لأنها كانت الشرارة الأولى التي كسرت جدار الخوف وأسقطت منظومة استبداد مترسخة
فحسب، بل لأنها فتحت المجال أمام اختبار عملي نادر لإجابات القوى السياسية عن سؤال
الدولة والديمقراطية والتنمية. غير أن هذا القوس سرعان ما أُغلق، حين استعادت
القوة الصلبة زمام المبادرة، ليعود قطار النضال الديمقراطي لا إلى نقطة الصفر فقط،
بل إلى ما قبلها، كاشفًا هشاشة البناء السياسي والاجتماعي الذي قامت عليه لحظة
الثورة.
في هذا السياق، اكتسبت
الكتابات التي تناولت
التجربة التونسية أهمية خاصة، بوصفها محاولات لفهم ما جرى، وتفسير أسباب الإخفاق،
واستشراف الممكن في ظل الردة. وكان كتاب الرئيس التونسي الأسبق منصف المرزوقي، "الرحلة"،
أشبه بسيرة ذاتية ـ جماعية، تنطق بحلم الحرية والكرامة الذي سكن جيلًا كاملًا. ثم
تلت ذلك أعمال أخرى جمعت بين التوثيق والتحليل النقدي، من بينها كتاب عزالدين عبد
المولى "الانتقال الديمقراطي في تونس (2011 ـ 2021)"، الذي قدّم تفكيكًا
منهجيًا لمسار الانتقال وأدوار الفاعلين فيه.
ضمن هذا المسار الفكري، يبرز كتابان صدرا في
توقيت متقارب، لكنهما يختزلان رؤيتين مختلفتين: "تونس الممكنة" لعماد
الدايمي، و"الأمة الممكنة" لمحسن مرزوق. وإذا كان هذا النص ينشغل بقراءة
كتاب الدايمي بالأساس، بوصفه شهادة من داخل السلطة ومحاولة استشراف للمستقبل، فإن
الفارق الدلالي بين العنوانين يشي باختلاف عميق في المقاربة. فالدايمي ينطلق من
واقعية سياسية صلبة، ترى تونس ككيان وطني محدد، يمكن نقد تجربته وتقويمها وبناء
بديل عملي داخل شروطه التاريخية والاجتماعية. في المقابل، يستحضر مرزوق أفقًا
رمزيًا أوسع، يستلهم خطاب بورقيبة حين كان يصف تونس بـ"الأمة"، ليؤطر
المشروع الوطني ضمن سردية فلسفية–تاريخية تتجاوز الوقائع اليومية إلى الطموح
الجمعي.
كتاب "تونس الممكنة"، الصادر عن
دار العودة في بيروت في 440 صفحة، ليس مجرد سرد لتجربة سياسية، بل محاولة فكرية
لإعادة طرح سؤال الدولة والانتقال والتنمية. يضع الدايمي لعمله عنوانًا فرعيًا
بالغ الدلالة: "جسر من الأمل فوق نهر من اليأس"، في إحالة واضحة إلى
مأزق تونسي عميق، لا يمكن تجاوزه بالشعارات أو الحنين، بل بالتشخيص الجريء وبناء
البدائل الواقعية.
يقسم المؤلف كتابه إلى سبعة أبواب، تسبقها
مقدمة تحليلية، وتليها خاتمة على هيئة نداء وطني. في الباب الأول، "عقدة
التأسيس"، يعود إلى جذور فشل النموذج التنموي منذ الاستقلال، معتبرًا أن
النخب الحاكمة عجزت عن تحويل التحرر الوطني إلى دولة منتجة، وانزلقت مبكرًا إلى
استبدال سؤال التنمية الشاملة بجدل الهوية. ويتوقف عند تحالف السياسة والمال
والإدارة العليا في بناء ما يُعرف بـ"الدولة العميقة"، التي عطلت أي
إصلاح بنيوي.
لا يقدّم كتاب "تونس الممكنة" مجرد قراءة للماضي، بل يضع اليد على سؤال المستقبل: كيف يمكن لتونس، بعد عقد من الانتقال المتعثر، أن تستعيد السياسة، وتعيد بناء الدولة، وتحوّل اليأس المتراكم إلى أفق ممكن؟
وفي هذا السياق، يدمج الدايمي الخاص بالعام،
مستحضرًا نشأته في عائلة متوسطة، واحتكاكه المبكر بتهميش الداخل التونسي، حيث حُرم
ملايين من أبسط مقومات الحياة لعقود. ويعرض تطور الخيارات الاقتصادية من غياب
التخطيط، إلى تجربة التعاضديات، ثم الارتداد إلى اقتصاد تابع قائم على السياحة
والصناعات الخفيفة، استفادت منه المدن الساحلية مثل سوسة والمنستير وصفاقس، بينما
ظل الداخل رهينة الفقر والبطالة.
ويبيّن كيف أسهمت برامج الإصلاح بإشراف
البنك الدولي، وأزمة 2008 ـ 2009، في تعميق الاختلالات، وصولًا إلى انفجار ثورة
2010 بوصفها نتيجة مباشرة لفشل النموذج التنموي، وتفاقم البطالة، خاصة بين
الخريجين.
أما الباب المتعلق بالنخب السياسية والدولة
العميقة، فيقدّم قراءة نقدية للدور الفردي للحبيب بورقيبة، وسياساته الانفرادية،
وصراعاته الداخلية، ولا سيما الصراع البورقيبي ـ اليوسفي، الذي كلف البلاد دمًا
وكفاءات. كما يناقش دور الاتحاد العام التونسي للشغل، من شريك في التأسيس إلى كيان
جرى احتواؤه وتوظيفه سياسيًا.
في "عقدة الانتقال"، يحلل الدايمي
ثورة 2011 باعتبارها فرصة تاريخية ضيّعتها النخب، بفعل الفساد البنيوي، وضعف
الخبرة السياسية، والضغط الإقليمي والدولي المعادي لأي تحول ديمقراطي حقيقي. ثم
ينتقل في باب "الردة الشعبوية" إلى تفكيك التحالف الضمني بين الدولة
العميقة والشعبوية، الذي أدى إلى هدم السياسة وإفراغ الديمقراطية من مضمونها.
وفي مقابل هذا الانسداد، يخصص بابًا لإحياء
السياسة، واضعًا شروط الانبعاث عبر تعاقد وطني جديد، وتجديد القيادة، وبناء سردية
بديلة، مستشهدًا بتجارب قيادية عالمية مثل مانديلا ومهاتير محمد وميركل. ثم يطرح
في باب لاحق منطقًا جديدًا للتغيير يقوم على الإصلاح مع الدولة لا ضدها، وينتقد
بجرأة خيارات شخصيات مركزية في المشهد التونسي، معتبرًا أن أخطاء التقدير السياسي
أسهمت في تعميق الأزمة.
ويستعرض الدايمي في باب التجارب الدولية
نماذج مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية وماليزيا ورواندا وإستونيا وتشيلي وإيرلندا
والسويد وتركيا، لا بوصفها وصفات جاهزة، بل كمختبرات تاريخية يمكن لتونس أن تستلهم
منها ما يناسب سياقها. ويُختتم الكتاب بباب "من ضفاف اليأس إلى شواطئ الأمل"،
حيث يقدّم "تونس الممكنة" كمانيفستو لبديل وطني واقعي، تعقبه خاتمة
بعنوان "نداء المستقبل"، تدعو إلى ميثاق جديد يعيد بناء الدولة ومعنى
السياسة.
ويوازي هذا الطرح الفكري والتاريخي والسياسي لتونس المعاصرة، سردٌ لمسار الدايمي
الشخصي: من إسلامي في مقتبل عمره في صفوف حركة الاتجاه الإسلامي، إلى سجين ومنفي، ثم إلى
سياسي مستقل ثم قيادي في حزب المؤتمر من أجل الجمهورية شارك في تجميع المعارضة، وكان
جزءًا من لحظة 18 أكتوبر، قبل أن يعود بعد الثورة ليشغل أدوارًا تشريعية وتنفيذية في قصر الرئاسة، ثم يعود مجددا إلى المعارضة، وينتهي به المطاف إلى قناعة مركزية مفادها أن التغيير الحقيقي لا يكون بهدم
الدولة، بل بإصلاحها من الداخل.
بهذا المعنى، لا يقدّم كتاب "تونس
الممكنة" مجرد قراءة للماضي، بل يضع اليد على سؤال المستقبل: كيف يمكن لتونس،
بعد عقد من الانتقال المتعثر، أن تستعيد السياسة، وتعيد بناء الدولة، وتحوّل اليأس
المتراكم إلى أفق ممكن؟
في خاتمة هذا المسار التحليلي، يمكن استخلاص
ثلاث أفكار رئيسية يقدّمها كتاب "تونس الممكنة" بوصفها إضافات نوعية إلى
النقاش السياسي والفكري حول التجربة التونسية:
يرسّخ "تونس الممكنة" موقعه كأحد أهم الكتب التي تناولت مرحلة مفصلية في تاريخ تونس، بل وفي التاريخ السياسي العربي المعاصر، إذ لم تكن الثورة التونسية حدثًا وطنيًا معزولًا، بل منعطفًا إقليميًا ما زالت ارتداداته السياسية والفكرية مفتوحة، ولم تندمل جراحه بعد.
أولًا ـ تفكيك مفهوم الدولة العميقة
يُحسب لعماد الدايمي أنه اقترب من أحد أكثر
المفاهيم تداولًا والتباسًا في الخطاب السياسي التونسي، وهو مفهوم "الدولة
العميقة". فبعد أن ظل هذا المفهوم لعقود هلاميًا، يُستعمل بوصفه توصيفًا
فضفاضًا أو شماعة تفسيرية لكل الإخفاقات، يسعى الدايمي إلى إضفاء قدر من التحديد
عليه، من خلال تتبع شبكات النفوذ المتداخلة بين السياسة والمال والإدارة العليا،
ووضع اليد ـ ولو جزئيًا ـ على أسماء ومسارات مرتبطة بهذا البناء غير المرئي
للسلطة. وبهذا، ينقل النقاش من مستوى الخطاب الانفعالي إلى محاولة الفهم البنيوي
لكيفية اشتغال الدولة من داخلها، ولماذا قاومت التغيير، وأفشلت مسارات الإصلاح.
ثانيًا ـ تجديد القيادات ومنطق الخروج من
الباب الكبير
يطرح الكتاب، بنبرة هادئة ولكن واضحة، ضرورة
تجديد القيادات السياسية، ليس بوصفها قطيعة مع التاريخ، بل باعتبارها شرطًا
لاستمرار الفكرة والمشروع. ويوجه الدايمي رسائل تقدير ووفاء لرموز مركزية في
المشهد السياسي، لكنه في الوقت نفسه يدعوها إلى تقديم نموذج عملي في التداول على
القيادة. ففي نقده الناعم لراشد الغنوشي، يشير إلى أن التمسك الطويل بالعمل
التنظيمي والقيادي حرم الحركة من فرصة انتقال رمزي سلس، كان من شأنه أن يكرّس
ثقافة التداول ويمنح زعيمها موقعًا أوسع في الشأن العام. وبالمثل، يرى أن مشاركة
الرئيس المنصف المرزوقي في انتخابات 2014 كان يفترض أن تشكّل خاتمة المنافسة على
المنصب الرئاسي، وبداية مرحلة جديدة من التأثير الفكري والسياسي من خارج السلطة،
بما يحفظ رمزية التجربة ويجنّبها الاستنزاف.
ثالثًا ـ المراجعات الذاتية ونقد القرارات
المستعجلة
الأهم ربما في كتاب "تونس الممكنة"
هو جرأة المراجعة الذاتية. فالدايمي لا يكتفي بنقد الآخرين، بل يوجّه النقد إلى
ذاته، معترفًا بأن بعض القرارات السياسية التي اتُخذت كانت وليدة العاطفة أو
الظرف، لا قناعة استراتيجية راسخة. ويذكر في هذا السياق مساندته للرئيس المرزوقي
في انتخابات 2019، بوصفها موقف وفاء ومحبة أكثر منها خيارًا سياسيًا مدروسًا،
إضافة إلى سهولة التعاطي مع المنابر الإعلامية دون تقدير كافٍ لكلفة ذلك في لحظات
الاستقطاب. هذه المراجعات الصريحة لا تقلل من قيمة التجربة، بل تمنحها عمقًا
إنسانيًا وسياسيًا، وتحوّل الكتاب إلى وثيقة نقد ذاتي نادرة في فضاء عربي يندر فيه
الاعتراف بالأخطاء.
بهذه الأفكار الثلاث، يرسّخ "تونس
الممكنة" موقعه كأحد أهم الكتب التي تناولت مرحلة مفصلية في تاريخ تونس، بل
وفي التاريخ السياسي العربي المعاصر، إذ لم تكن الثورة التونسية حدثًا وطنيًا
معزولًا، بل منعطفًا إقليميًا ما زالت ارتداداته السياسية والفكرية مفتوحة، ولم
تندمل جراحه بعد.