بين الأسطورة والأرشيف.. تفكيك الذاكرة الرسمية للثورة الجزائرية.. قراءة في كتاب

لا يتعامل المديني مع الثورة الجزائرية بوصفها سردية مغلقة أو ملحمة مكتملة، بل كحقل صراعي مفتوح بين التاريخ والذاكرة، بين ما كُتب وما أُريد له أن يُنسى..
لا يتعامل المديني مع الثورة الجزائرية بوصفها سردية مغلقة أو ملحمة مكتملة، بل كحقل صراعي مفتوح بين التاريخ والذاكرة، بين ما كُتب وما أُريد له أن يُنسى..
شارك الخبر
الكتاب: LE FLN DOCUMENTS ET HISTOIRE  1954-1962
الكاتب:MOHAMMED HARBI     GILBERT MEYNIER
الناشر: EDITIONS   FAYARD   2004


تصل هذه القراءة، في جزئها الثالث والأخير، إلى ذروتها النقدية، ضمن السلسلة الخاصة التي تنشرها "عربي21" حول كتابٍ إشكالي ومفصلي في كتابة تاريخ الثورة الجزائرية، LE FLN DOCUMENTS ET HISTOIRE  1954-1962 أنجزه المؤرخان محمد حربي وجلبار ماينيير، ويتوقف عنده بالتحليل والتفكيك الكاتب والباحث التونسي توفيق المديني. فإذا كان الجزآن السابقان قد انشغلا بإطار الكتاب ومنهجه وأسئلته الكبرى، فإن هذا الجزء الختامي يغوص عميقاً في صلب الرهان الفكري للتأريخ: رهان الحقيقة في مواجهة الذاكرة الرسمية، ورهان الأرشيف في مواجهة الأسطورة المؤسسة.

لا يتعامل المديني مع الثورة الجزائرية بوصفها سردية مغلقة أو ملحمة مكتملة، بل كحقل صراعي مفتوح بين التاريخ والذاكرة، بين ما كُتب وما أُريد له أن يُنسى. ومن خلال قراءة دقيقة في عمل حربي وماينيير، تنكشف التناقضات الداخلية لجبهة التحرير الوطني، وحدود المشروع التحرري حين ينقلب إلى منطق قمع، كما تتعرّى آليات العنف الكولونيالي والوطني معاً، بعيداً عن التقديس أو الشيطنة.

إن أهمية هذا الجزء الأخير تكمن في كونه لا يكتفي بإعادة سرد الوقائع، بل يضعها في سياقها الفكري والسياسي، رابطاً الماضي بالحاضر، ومظهراً كيف أن حروب الذاكرة، في الجزائر كما في فرنسا، لا تقل شراسة عن الحروب العسكرية نفسها. هكذا تصبح إعادة كتابة تاريخ الثورة، كما يقدمها هذا الكتاب وكما يقرأها توفيق المديني، فعلاً نقدياً ضرورياً، لا لمساءلة الماضي فحسب، بل لفهم المآزق التي ما تزال تطبع الحاضر، وتلقي بظلالها الثقيلة على أسئلة الدولة، والديمقراطية، والعنف، والمواطنة في العالم العربي.

المؤرخون وإعادة كتابة تاريخ الثورة الجزائرية

كم عدد الشهداء الذين سقطوا في الثورة الجزائرية ما بين اعوام 1954 1962؟ ما بين 250 الفا و375 الفا وهو رقم ضخم بالنسبة لعدد سكان الجزائر في ذلك الوقت (حوالى 9 ملايين نسمة) لكنه يظل بعيدا عن الرقم الرسمي (مليون ونصف مليون شهيد) والذي فرضته السلطات الجزائرية منذ حينئذ من خلال اعادة كتابتها للتاريخ.

إنَّ الممارسة المنهجية للتعذيب لم تكن من فعل الجنود المظليين في الجبال فقط، بل إن رجال الشرطة المتروبوليين لم يتوانوا عن ممارسته، الى درجة ان رئيس الحكومة الفرنسية في عهد الجنرال ديغول ميشال دوبريه استدعى للنظام عام 1961، مدير شرطة باريس، موريس بابون، لكي يضع حدا لممارسة التعذيب.  وفي الواقع، متى كتب فرنسوا مورياك بدقة يجب منع الشرطة من ممارسة التعذيب مهما كلف الأمر ؟ الجواب: بعيد انطلاقة الثورة الجزائرية في 1 نوفمبر 1954.

أولا ـ محمد حربي وبنجامين ستورا

إنَّنا نتعلم الكثير من خلال قراءتنا لهذه الحرب الجزائرية، التي يؤرخها محمد حربي وبنجامين ستورا، خاصة عندما نتساءل، ونطرح للبحث ثانية، ما كنا نعتقد معرفته، وباختصار شديد نحن نتفهم اكثر مما نتعلم، ما دام الكتاب يكثر من مفاتيح التحليل، طورا متوافقة، وطورا آخر مختلفة، حول ما سمته فرنسا بخبث الاحداث لمدة طويلة.

لنقل، بداية أنَّ الكتاب يتوجه إلى القراء المتنبهين. فهو يدير ظهره للمعالجة الحدثية، ويتخلى عمداً عن نشر الأحداث السياسية والعسكرية للحرب، ويكنس في الغالب الأعم ومن زاوية التحليل السلالي التاريخي عدداً من الأفكار الرئيسة: الكولونيالية ونزع الكولونيالية، القمع، الانشقاقات الداخلية في صفوف الحركة الوطنية الجزائرية، النساء، القبائل، الاقدام السود (سكان الجزائر من اصل اوروبي)، اليهود، الحركيين، منظمة الجيش الفرنسي السرية، وذاكرة الحرب. وهو بذلك يتجاوز المعالجة الادبية والسينماتوغرافية. وبما أنه كتاب مشترك، فإن الباحثين المساهمين فيه يتمسكون في الجوهر بتفكيك بواكير الصراع الخاصة، لإضاءة الأحداث اللاحقة. بحيث أن المجموع، من خلال الصعود ثانية، غالباً بعيداً في الزمن، يشكل مكثفاً من المعطيات، السلالية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، في آن واحد، لذلك الاستعمار الفظ والمهين، وللمكونات الخاصة بالمجتمع المستعمر بفتح الميم، وهي المعطيات التي سبقت اندلاع الثورة.

إن مأساة الثورة الجزائرية، هي أنها بحكم انشطارها بين المستعمرين الأوروبيين بكسر الميم، والمستعمرين الجزائريين بفتح الميم، المنفصلين بالقانون، والحلم بجزائر متعددة الإثنية كان يمكن أن يتعايش فيها الشيوعيون والبروليتاريون خاصة في وهران. ولكن، بشكل أساسي، كانت الثورة تعبيراً عن تمرد طائفي أكثر منها عن نزعة مواطنية مثلها هي الحال في ثورة 1789.
الشيء المذهل يكمن في ميل عدد من الباحثين إلى ربط النظرة النزاعة إلى الحرب لـ البراديغم الحالية. إن دراسة عمر كارليير المعنونة العنف، التي تذكر بالمقلوب مقولة كلاوزفيتس الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى، لها علاقة بهذا الاتجاه الحديث، الذي يدخل الحرب الأهلية الحالية (أكثر من ألف قتيل) الدائرة بين الجيش والإسلاميين في الجزائر منذ اثنتي عشرة سنة، في إطار العنف الكولونيالي الذي مورس طوال سنوات 1954 ـ 1962، حيث استخدم مقاتلو جبهة التحرير الوطني أنفسهم أيضاً عنفاً دموياً قل نظيره.

ويذكرنا الباحث محمد حربي منذ مقدمته، ماضي/ حاضر: بشعبوية مصالي الحاج أب الوطنية الجزائرية العرقية الثقافية (...) شديدة الارتباط بالتراث، حيث يشكل الإسلام واللغة العربية ركائزه. فهو لم يحكم لأحد الخصمين: المثقفين الذين يعملون لمصلحة النهابين الحاليين المسيطرين على السلطة في الجزائر، والإسلاميين الذين يمثلون العكس المجرد. ويضيف حربي أن الإثنين يختلقان فكرة عن الجزائر قبل مجيء الكولونيالية من دون تناقضات داخلية، منورة بالأبهة التي تذكرنا بغرناطة، طامسين بذلك واقع الانكفاء وعدم المساواة.

ويؤكد حربي أنه من خلال إخفاء عراقيل هذا الماضي، استدرجنا إلى إعادة إنتاجه (...) ومن خلال جعل الكولونيالية كتلة متجانسة، نعيد الى مزبلة التاريخ الاختلاق الديموقراطي الذي نخفضه إلى شكل من الأشكال التي يستخدمها الغرب لتأبيد سيطرته. في فرنسا، نسيان الحرب، وفي الجزائر نسيان التاريخ الحقيقي من أجل بناء ثقافة حرب. ذلك هو البيان المصون لمدة طويلة من الجانبين من قبل ذاكرة غير محسومة حسب تحليل بنجامين ستورا. والحال هذه، فهو يلاحظ منذ مدة قصيرة تسارعا لهذه الذاكرة، التي يعزوها إلى مرور الأجيال (يجب انتظار أربعين سنة للاعتراف بمأساة فيشي، وأربعين سنة ضرورية أيضاً للنظر قبلاً إلى حرب الجزائر) بقدر ما هي إعادة تفعيل وضع الماضي. ويضيف بنجامين ستورا، بأنه من الآن فصاعداً لا يبدو الخطاب حول حرب الجزائر محكوماً عليه بالصمت الثقيل. فالارتجاج المضاعف الذي أحدثته تراجيديا الجزائر الحالية والصعود القوي لليمين المتطرف في فرنسا يشجعان على التفكير في أصول العنف، أو في رفض الأجنبي.

ويشكل هذا الجمع بعنوانين سابقة. أولاً، لأنه للمرة الأولى يحاول باحثون من ضفتي المتوسط كتابة تاريخ مشترك للصراع، من خلال تقاطع مقارباتهم. وسوف لا نظل نركز على الاصالة هذه، ما دام من الجهتين، الرؤى المتمركزة على الذات، والأحادية الجانب، والمحصورة في المؤثرات الناجمة عن صراع هيّج الانفعالات، قد ضغطت حتى الآن، على العمل التاريخي المتسم بـ الفجوة في الذاكرة، وهو العنوان الفرعي الذي يحمله الكتاب.

إنه سابقة أيضاً، لأنه على عكس غالبية الأعمال الكبيرة السابقة، فإن معظم المساهمين في هذا العمل التاريخي لم يعرفوا الجزائر زمن الثورة. بكل تأكيد، المشرفان على هذا العمل يندرجان في إطار الجيل الموسوم، فمحمد حربي كان عضواً في جبهة التحرير الوطني الجزائرية قبل أن يصبح من ألمع محلليها، أما بنجامين ستورا فقد ولد في قسنطينة، وعرف لاحقاً المنفى. لكن ثلثي المساهمين ينتمون الى جيل جديد من الباحثين، الذين لم يعيشوا الاحداث التي يدرسونها. ومن وجهة النظر هذه تشكل حرب الجزائر واحداً من كل الكتب الأولى للتاريخ، المتحرر من المعاصرة.

وليس عجباً والحال هذه أن يكون الكتاب معتمداً على الأرشيف أكثر منه على الشهادات المباشرة. إنه يفيض بمصادر الوثائق العسكرية، والبوليسية على وجه الخصوص، التي يتم تفحصها للمرة الاولى. ويجب التذكير هنا، أن قضية الجنرال أوساريسيس عام 2000، المتساوقة مع دفاع الجنرال الفرنسي السابق (شهادتي حول التعذيب، بيرين للنشر 2001) كان لها تأثير على هذا العمل الضخم، لجهة مراجعة الارشيف الذي أصبح في متناول الباحثين وتفحصه، سواء من الجانب الفرنسي، أم من الجانب الجزائري.

ثانيًا ـ الباحث الفرنسي جلبار ماينيير

من جهته يقدم لنا الباحث الفرنسي الشهير جلبار ماينيير تحليلاً معمقاً لكتابه الجديد عن التاريخ الداخلي لـ جبهة التحرير الوطني ، بالاشتراك مع المؤرخ الجزائري محمد حربي. وإذا كان يوجد أرشيف لـ جبهة التحرير الوطني الجزائرية إلا أنه من غير المسموح الوصول إليه من جانب المؤرخين الجزائريين أو الفرنسيين، في الوقت الحاضر. أما هذا الكتاب الضخم الذي هو بين أيدي القارئ فهو نتاج عمل جماعي لفريق فرنسي جزائري. ويقدم محمد حربي نموذجاً نادراً جداً للمناضل، الذي كان كادراً قيادياً في جبهة التحرير الوطني، ثم أصبح رجل أبحاث ودراسات، وباختصار مؤرخاً رائعاً قادراً على ملاحظة ما عاشه بعين متبصرة.

أما جلبير ماينيير فقد كان طالباً أثناء حرب الجزائر، ولكنه طالب ملتزم بكل تأكيد. فتعلم اللغة العربية، ودرس في الجزائر لمدة ثلاث سنوات وقد أراد أن يعرفها ويدرس فيها التاريخ الحديث. وكان حربي سجيناً سياسياً في عهد حكم العقيد هواري بومدين، بينما لم يعش ماينيير هذه التجربة، لكنه ليس معتبراً صديقاً للسلطات العسكرية. وكيف يمكنه أن يكون كذلك، وأحد أهدافه تكمن في شرح الأسباب التي قادت إلى عسكرة الثورة الجزائرية .

بكل تأكيد وضع مؤتمر الصمام لـ جبهة التحرير الوطني (آب 1956) برنامج دولة يعقوبية، وكان منظمها الرئيس رمضان عبان، الذي كان يشبه في خطبه روبسبير أكثر منه بونابرت. لقد كان عام 1957 عصيباً على جبهة التحرير الوطني، ليس فقط بسبب القمع الدموي للجيش الفرنسي الذي سلطه على مدينة الجزائر، فاستعاد السيطرة عليها، وإنما أيضاً بسبب تصريحات رمضان عبان التي أثارت غضب بن بيللا، حين قال يجب إعطاء أولوية العمل السياسي على العمل العسكري، ونادى بطريقته اليعقوبية، بجزائر تعددية. فلم يحقق أي نصر لطروحاته، وغادر بدوره إلى المنفى، حيث تمت تصفيته في الخارج من قبل الكولونيلات الثلاثة، كريم بلقاسم، والاخضر بن طوبال، وعبد الحفيظ بوسوف في نيسان 1958. وهذا لم يمنع جريدة المجاهد من إعلان موته الفخور في ساحة المعركة في 29 أيار. وتمثلت حنكة بومدين في تنفيذ الأعمال الكبيرة للكولونيلات الثلاثة، قبل أن يصبح الرجل القوي على رأس قيادة جيش محترف، لم يقاتل قط، حتى أزمة 1962 التي شهدت تمزق جبهة التحرير الوطني. وقدم أحمد بن بيللا غطاء مدنياً مناسباً، قبل أن تتم إزاحته من السلطة في حزيران 1965.

خاتمة

إنَّ كتاب حربي وماينيير الضخم غني بشكل مذهل. بكل تأكيد، يمكن أن نناقش هنا أو هناك شرحاً موجزاً حسب رأيي. ويمكن أن نناقش أيضاً مصلحة إقحام هذه الوثيقة أو تلك. هل يجب على سبيل المثال بشأن مجزرة 17 تشرين الأول 1961، إعادة إنتاج المنشور لـ البوليس الجمهوري (الأمر يتعلق بـ الشيوعيين)، من دون إحالته إلى أعمال جون لوك إينودي الذي وجد كاتبه، وعرف، كيف يميز الصحيح من المزور؟ وفي المقابل ما يبرزه الكتاب على الوجه الأكمل، التناقضات والالتباسات في خطاب جبهة التحرير الوطني، لأن الجبهة عينها كانت أداة تحرير وقمع في آن واحد.

لنعطِ بعض الأمثلة. لقد وقّع العقيد عميروش الذي خدعته أجهزة المخابرات الفرنسية عندما أرسلت إليه معلومات خاطئة عن عملائها في منطقة القبائل على أمر في 11 أيار 1958 ينص على: إعدام الاأرى فوراً ودفنهم بشكل سري. وبادئ ذي بدء، يجب تعذيبهم لانتزاع معلومات منهم. والحال هذه، وما يقارب سنة قبل هذا الأمر القاطع، كان الرائد في جيش التحرير الوطني قد فهم بمرونة كبيرة من هو المستهدف: عقب كل اشتباك مسلح، أو مداهمة وتفتيش، يترك العدو وثيقة يتهم فيها إخلاص شخص ما يريد التخلص منه. هذه الوثيقة تحصل عليها منظمتنا (...) وتستخدمها كحجة مقنعة ضد الشخص المستهدف الامر الذي يقود إلى إعدامه. وقد وقع عميروش في هذا الفخ الذي نصبته له أجهزة الاستخبارات السرية الفرنسية.

إنَّ الممارسة المنهجية للتعذيب لم تكن من فعل الجنود المظليين في الجبال فقط، بل إن رجال الشرطة المتروبوليين لم يتوانوا عن ممارسته، الى درجة ان رئيس الحكومة الفرنسية في عهد الجنرال ديغول ميشال دوبريه استدعى للنظام عام 1961، مدير شرطة باريس، موريس بابون، لكي يضع حدا لممارسة التعذيب. وفي الواقع، متى كتب فرنسوا مورياك بدقة يجب منع الشرطة من ممارسة التعذيب مهما كلف الأمر ؟ الجواب: بعيد انطلاقة الثورة الجزائرية في 1 نوفمبر 1954.
ربما بصدد موضوع مكانة المرأة في الثورة الجزائرية، تبرز التناقضات بصورة جلية. بكل تأكيد، لا يخلو الخطاب من التأكيدات المبدئية الجميلة: شعب تعيش فيه المرأة على هامش النضال الوطني ليس إلا نصف نفسه. إنه مهزوم، وأخطر من ذلك أيضاً، فهو ينزلق ببطء وبلا ريب نحو موته المؤكد. ولكننا نقرأ أيضاً في نص يعود على الأرجح إلى عام 1957: في الجزائر المستقلة، تقف حرية المرأة الجزائرية عند عتبة بيتها. ولن تكون المرأة متساوية مع الرجل. ويمكن أن نعدد الاستشهادات.

إن مأساة الثورة الجزائرية، هي أنها بحكم انشطارها بين المستعمرين الأوروبيين بكسر الميم، والمستعمرين الجزائريين بفتح الميم، المنفصلين بالقانون، والحلم بجزائر متعددة الإثنية كان يمكن أن يتعايش فيها الشيوعيون والبروليتاريون خاصة في وهران. ولكن، بشكل أساسي، كانت الثورة تعبيراً عن تمرد طائفي أكثر منها عن نزعة مواطنية مثلها هي الحال في ثورة 1789. ويمكن أن نأسف لذلك. فالثورة الجزائرية غاب عنها برنامج الثورة الديمقراطية. ويمكن أن نتساءل بلا نهاية لماذا الذي كان في بعض الحدود ممكناً في افريقيا الجنوبية لم يكن كذلك في الجزائر؟ ويمكن أن يطرح السؤال ايضاً ما سيكون عليه الأمر بين إسرائيل وفلسطين؟

إن المنطق الذي كان في اصل الثورة الجزائرية، ووجود تراجع ممكن في المتروبول ايضاً، جعلا من الحلم بامكان جزائر مختلطة غير قابل للتحقق. فلا الاوروبيون ولا اليهود الذين اندمجوا مع الفرنسيين عام 1870 بحكم قانون كريميي، ظلوا. ونقرأ هذه الرسالة من قيادة الولاية الرابعة والمؤرخة في 19 شباط 1960 بنوع من الحنين: خلال الأيام الأخيرة، يدور الحديث عن مجزرة حلت بعائلة فرنسية بتيزي أوزو، إذا كان الأمر صحيحاً، فإنه يجب الانتباه للمرة المقبلة: إن قتل النساء والأطفال يسبب لنا ضرراً دائماً. وكان الموقع عليها المقدم سي صالح (محمد زمون)، هذا الذي جاء إلى باريس ليقابل شارل ديغول قتل بعد عودته.

إقرأ أيضا: الثورة الجزائرية خارج الأسطورة.. قراءة محمد حربي في بنية التحرر والسلطة (1)

إقرأ أيضا: من الثورة إلى السلطة.. جذور الصراع بين السياسي والعسكري في التجربة الجزائرية

التعليقات (0)
الأكثر قراءة اليوم