الكتاب: الأمة التونسية بين الأمس واليوم
الكاتب: الهادي البكوش
الناشر:مركز الناشر الجامعي تونس 2006
هذا هو الجزء الثاني والأخير من القراءة
الخاصة التي يكتبها الكاتب والباحث التونسي توفيق المديني لكتاب "الأمة
التونسية بين الأمس واليوم" للوزير الأول الأسبق الهادي البكوش، الصادر عن
مركز النشر الجامعي بتونس سنة 2006.
وفي هذا الجزء، ينتقل النقاش من التأسيس
النظري لمفهوم الأمة التونسية إلى تفكيك جذورها التاريخية، ومحدداتها الجغرافية،
ومكوناتها البشرية والثقافية، وصولًا إلى الدفاع الصريح عن الدولة الوطنية
(القطرية) بوصفها الإطار الواقعي والشرعي لتجسيد الأمة في زمن ما بعد الإخفاقات
القومية.
ينطلق البكوش من سؤال مركزي: ما هي الجذور
التاريخية للأمة التونسية؟، ليقدّم إجابة تقوم على الاستمرارية التاريخية لا
القطيعة، وعلى التراكم الحضاري لا النقاء العرقي. فالأمة التونسية، في تصوره، ليست
اختراعًا حديثًا ولا نتاجًا استعماريًا عابرًا، بل ثمرة تاريخ طويل تعاقبت فيه
عواصم كبرى ـ قرطاج، القيروان، المهدية، تونس ـ لعبت أدوارًا إقليمية وحضارية
وكونية في المتوسط والعالم الإسلامي.
كما يبرز هذا الجزء كيف تشكّلت حدود تونس
عبر التاريخ، تمدّدًا وانكماشًا، إلى أن استقرت في صيغتها الحديثة، مبيّنًا أن
تغيّر الحدود لا ينفي وجود الأمة، بل يؤكّد حيويتها، وأن شرط الأمة الحديثة لا
يقوم على الثبات الجغرافي المطلق، بل على وجود مجال ترابي معلوم، وسكان مندمجين،
ولغة جامعة، ودين موحِّد، ودولة راعية.
وفي مواجهة الخطابات القومية العربية
والإسلامية التي شيطنت الدولة الوطنية وعدّتها كيانًا مصطنعًا، يدافع البكوش ـ
ويعيد المديني إبراز ذلك دفاعًا نقديًا ـ عن الدولة التونسية بوصفها مكسبًا
تاريخيًا وملاذًا سياسيًا واجتماعيًا في عالم مضطرب، لا يمكن تجاوزه بالقفز
الإيديولوجي نحو وحدة متخيلة لم تنضج شروطها الواقعية بعد. فالوحدة، كما يخلص
النص، لا تُبنى على إنكار الأوطان، بل على ترسيخها، ولا تتحقق دون دول قوية،
مستقرة، ديمقراطية، قادرة على الاندماج الطوعي في أطر أوسع.
إن هذا الجزء الختامي لا يكتفي بقراءة
الماضي، بل يفتح أفق التفكير في مستقبل الأمة التونسية داخل سياق العولمة،
وضغوطها، وتحولاتها، ويطرح سؤالًا حاسمًا: كيف نحافظ على الدولة الوطنية ونطوّرها
دون الانغلاق، وكيف ننفتح على العالم دون الذوبان فيه؟
وهو سؤال يجعل من كتاب البكوش، ومن قراءة
المديني له، مساهمة فكرية بالغة الأهمية في النقاش العربي المعاصر حول الأمة،
والدولة، والهوية، والمصير.
ما هي الجذور التاريخية للأمة التونسية؟
تستمد الأمة التي تسكن تونس جذورها من ماض
بعيد، وهي، منذ القدم عامرة تزخر بمعالم يرجع عهدها إلى ما قبل التاريخ، تتوزع على
مواقع كثيرة من أرضها في حدودها الحالية.وقرطاج التي أسست سنة 814 قبل الميلاد،
سيطرت على غرب البحر الأبيض المتوسط، وحكمت الجزء الأكبر من سواحل شمال إفريقيا،
وامتد نفوذها إلى إسبانيا، وجنوب فرنسا، وإيطاليا، وقبرص، كانت دولة قوية، من أكبر
دول العالم في عصرها، ذات تجارة واسعة، وحضارة متقدمة، ولها سفن كثيرة، وجيش عتيد.
خاضت حروباً عدة ضد روما، وفي النهاية غلبت ودمرت، وأحرقت. ولكنها استرجعت إشعاعها،
وأصبحت قطباً متميزاً في الإمبراطورية الرومانية. خرج منها الحكام، والقديسون،
والأدباء.
القيروان التي اتخذها المسلمون عاصمتهم وقاعدتهم الأولى، خرج منها المجاهدون لنشر الدين الجديد في المغرب، وفي إسبانيا. وقد عرفت في عهد الأغالبة، من بداية القرن التاسع إلى أوائل القرن العاشر، توسعاً ترابياً كبيراً، واستقراراً سياسياً نادراً وإشعاعاً علمياً وحضارياً متميزاً، شمل نفوذها إفريقية، وبلاد الساحل أو مازق (Byzacene)، ونوميديا
والقيروان التي اتخذها المسلمون عاصمتهم
وقاعدتهم الأولى، خرج منها المجاهدون لنشر الدين الجديد في المغرب، وفي إسبانيا.
وقد عرفت في عهد الأغالبة، من بداية القرن التاسع إلى أوائل القرن العاشر، توسعاً
ترابياً كبيراً، واستقراراً سياسياً نادراً وإشعاعاً علمياً وحضارياً متميزاً، شمل
نفوذها إفريقية، وبلاد الساحل أو مازق (Byzacene)، ونوميديا،
وقد أوضح حدّها الدكتور محمد الطالبي في كتابة عن الدولة الأغلبية قال إنه:
"ينطلق من البحر، غرب جبل كتامة أي بلاد القبائل الصغرى، وينحدر أولاً إلى
الجنوب، ثمّ إنه يمرّ غرب سطيف، ويصل إلى أربة في الزاب ثم يمتد الحد إلى ناحية
الشواطئ، وينعرج بعد ذلك نحو الشرق، ويحيط به فيشمل بسكرة، وتهودة في اتجاه الساحل
المسائر له، ويكون ممشى يختلف اتساعاً على طريق البحر، ويميل إلى الإنحناء جنوباً،
والإحاطة ببلاد نفوسة، ويبلغ نهايته مبدئياً على بعد أربعة فراسخ من برقة - الواقع
أن لبدة كانت آخر ما يملك الأغالبة، وأبعد حصن يحمي الإمارة شرقاً". وسيطرت
الإمارة الأغلبية على البحر، وفتحت صقليّة، ومالطا، وسردانيا ولنبدوشا، (Pantelleria) وقوصرة (Lampedouse) انطلاقاً من
سوسة على يد أسد بن الفرات سنة 827.
والمهديّة التي اختارها الفاطميون عاصمة،
انطلقوا منها نحو تصدير الدولة الشيعية إلى الشرق لمواجهة العباسيين، ففتحوا مصر،
وأسسوا القاهرة، ووصلوا إلى الشام، وامتد سلطانهم غرباً إلى المغرب الأقصى، وبقي
بها الصنهاجيون، بعدهم، إلى أن ضعفوا وتلاشت مملكتهم باحتلال النورمان أجزاء منها
وانشقاق بعض من رعاياهم في أجزاء أخرى. وفي سنة 1160 نقل الموحدون العاصمة إلى
تونس، وبقوا فيها، وخلفهم فيها الحفصيون.
قرطاج، والقيروان، والمهديّة، وتونس، كلها
عواصم تألقت على أرض تونس منذ ثلاثة آلاف سنة، وأشعّت على الحوض الغربي للبحر
الأبيض المتوسط شمالاً وجنوباً، امتدت حدودها إلى ليبيا، والجزائر، ووصلت إلى
المغرب، ولم تتقلّص مساحتها إلا في أواخر القرن السابع عشر عندما سقط الحفصيون،
وحلّ العثمانيون محلهم، وهم الذين خطوا حدودها الحالية.
وفيما يتعلق بالحدود مع الجزائر، ورد في
كتاب "الحلل السندسية في الأخبار التونسية" ما مفاده: أنه وقعت مشاحنة
بين العسكرين عسكر تونس، وعسكر الجزائر، وموجبه ضبط الحدادة بين العمالتين فاتفق
على أن الحدادة... وادي سراط، فما كان من غربيه فهو من عمالة الجزائر، وما كان
شرقي الوادي فهو لعمالة تونس.... ثم إن دشرة أرقو وفدت إليها نوبة من عسكر تونس
أنها لم تكن من قبل.... وتجددت المشاحنة بينهما وتم الصلح بالرجوع إلى اتفاق سنة
1628، وتأكيد أنّ قلعة النوبة التي وقع في شأنها هذا التشاحن يهدمونها ويبقونها
خراباً مؤبداً، وأنّ الحد الفاصل من ناحية القبلة وادي ملاق، والأحيرش، وقلوب
الثيران إلى رأس جبل الحفا إلى البحر كما جرت به العادة سابقاً، وأن رعايا كل
الجانبين إذا تجاوز الحد للعمالة الأخرى فلا يطالبه أهل العمالة المتنقل عنها
بخراج، بل يكون خراجه للعمالة الجديدة المنتقل اليها أياما كانت من العمالتين
المذكورتين.أما الحدود الصحراوية فقد سطرتها فرنسا عندما كانت تحكم كل بلاد
المغرب. وقد تميزت الجزائر على جيرانها باعتبارها جزءاً من فرنسا ولم تحسب فرنسا
آنذاك أنه سيستقل يوماً عنها.
وفي هذا الصدد، يذكر بالعرض المفاجئ الذي
قدمه الرئيس هواري بومدين في الكاف في ماي سنة 1973 إلى الرئيس الحبيب بورقيبة،
والمتمثل في إنجاز وحدة بين البلدين، وبالجواب الذي تلقاه، والذي مفاده
"يتعين قبل الحديث عن الوحدة، إرجاع قسنطينة إلى تونس حتى يصبح حجم البلدين
متقاربا، إذ لا نجاح لوحدة لا تكون أطرافها متعادلة".
يتبين من كل هذا، أن لتونس حدوداً تطول
وتقصر، تتوسع وتتقلص، حول محور ثابت هو إفريقية التي هي تونس اليوم، وهي بذلك
تستجيب لشرط أساسي من شروط الأمة، وهو أن تكون لها حدود معلومة. وتستجيب تونس لشرط
آخر من شروط الأمة الحديثة وهو الاندماج العرقي.
قرطاج، والقيروان، والمهديّة، وتونس، كلها عواصم تألقت على أرض تونس منذ ثلاثة آلاف سنة، وأشعّت على الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط شمالاً وجنوباً، امتدت حدودها إلى ليبيا، والجزائر، ووصلت إلى المغرب، ولم تتقلّص مساحتها إلا في أواخر القرن السابع عشر عندما سقط الحفصيون، وحلّ العثمانيون محلهم، وهم الذين خطوا حدودها الحالية.
الشعب التونسي أمازيغي الأصل، اختلط بشعوب
أخرى، وامتزج بها، وذلك شأن كل الأمم، تندمج في صلبها الأعراق، ولا يوجد اليوم أمة
في العالم ترجع إلى عرق واحد، فكل الأمم مزيج من أصول متعددة ومختلفة، وكان أول شعب اختلط في تونس بالبربر هم الفينيقيون
الذين أتوا من الشام، ثم الرومان، ثم البيزنطيون فالوندال ثم العرب. وسكنت تونس
جاليات أخرى بأعداد أقل: كالإسبان الذين مكثوا في بعض مواقع تونس طويلاً،
والإيطاليين، والأتراك، والفرنسيين.
إن الشعوب التي سكنت تونس متعددة مختلفة
ولكن بنسب متباينة، أقواها وأبقاها الشعب العربي. وهي اليوم مزيج من كل ذلك، ولها
تركيبتها السكانية الخاصة. نختلف في هذا مع الرئيس أحمد بن بلة الذي قال، في
الأيام الأولى لاستقلال الجزائر، والنزاع على الحكم في القيادة الجزائرية على
أشده: "نحن عرب. نحن عرب، نحن عرب" هو موقف سياسي يتناقض مع تاريخ
الجزائر الطويل الذي هو تاريخنا، ويتعارض مع واقع اليوم حيث بقيت في الجزائر خاصة
نسبة مهمة من الأمازيغ تعتز بأصولها.
لتونس مكون آخر يؤهلها لأن تكون أمة حديثة:
وهو اللغة.تختلف اللغة عن الجنس، فهما لا يتطابقان دائماً، فهناك أجناس متعددة
تتكلم لغة واحدة، ولا ينفرد واحد منها بلغة مشتركة، وقد يوجد جنس واحد يتكلم لغات
عدة.فلغة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا العظمى الإنكليزية وإن كانت أعراق
هذين البلدين مختلفة. ولسويسرا، وكندا، وروسيا، والهند، أكثر من لغة.
يتكلم اليوم التونسيون العربية التي دخلت
تونس مع الفتح الإسلامي، وتعززت لما غزا بنو هلال، وبنو سليم وحلفاؤهم البلاد
التونسية.المكون الرابع الذي يؤهل سكان تونس لأن يكونوا أمة، هو الدين الذي يجمع
بين أهلها، ويوحد بين أفرادها. كل التونسيين مسلمون ما عدا جالية يهودية قديمة
نشرت دينها بين البربر، وتعززت باليهود الذين أتوا مع المسلمين عندما طردهم
الإسبان الكاثوليك. وجالية ثانية أتت من ولاية طسكانيا، وعرفت بيهود قرنة (Livourne).
الدفاع عن الدولة الوطنية (القطرية) التي
اعتبرها القوميون المشارقة شرًّا
أصبحت تونس أمة بالفعل، أمة قطرية وطنية مثل
الأمم الأخرى المتقدمة في العالم، يوحد بين أبنائها رباط المواطنة، يتعايش فيها
الأفراد على قدم المساواة مهما تكن أعراقهم، ودياناتهم، ولغاتهم، وإن كان الإسلام
دينها، والعربية لغتها كما جاء في الدستور.
لم يشمل هذا التطور تونس وحدها، بل شمل كل
البلاد العربية والإسلامية، وهي اليوم جميعها تشكل كيانات قطرية وطنية، لها
حدودها، وخصوصياتها، ومصالحها، وتحالفاتها، وعصبياتها. لها ثرواتها تستغلها
لفائدتها وحدها، لا شريك لها، وتدافع عنها، بكل الوسائل، ولا تتردد في الدخول في
تحالفات خارجية للذود عليها.
الأمة العربية، والأمة الإسلامية، هما اليوم
مجموعة أقطار مستقلة، وأمم حرة، متعاونة طوراً، ومتعادية طوراً آخر لبعضها كيانات
قديمة، ولبعضها الآخر كيانات فرضتها مصالح إمبريالية، وتوازنات دولية. كلها تمجد
الوحدة وتتغنى بها بالكلام، وفي الخطب، ولكنها تغلب عليها، في الواقع، مصالحها
القطرية. يتحاشى البعض من النخب في البلاد العربية والإسلامية الاعتراف بالوطن
القطر، وبالدولة الوطنية ، وإن كانوا يعلمون أنه أمر واقع، ويأسفون له. فالثقافة
الغالبة عندنا لا تعترف بالنسبة إلى العرب بغير الأمة العربية، وبالنسبة إلى
المسلمين بغير الأمة الإسلامية اللتين لم تتجسما إلى الآن وهما اليوم حلم وتمن.
يُرجعون أسباب هذا الوضع المؤلم والمأسوي
إلى تقاعس الحكام، وتغليب المصالح الشخصية والأسروية، والتواطؤ مع ذوي القوة في
العالم من الاستعماريين والإمبرياليين، وعدم الأخذ بإرادة الشعوب التي وجهة نظرهم
متعلّقة بالوحدة.والحقيقة إنّ في إلقاء مسؤولية إخفاق الوحدة والتفرقة بين الشعوب،
وولاة الأمور على الحكومات إجحافاً، فكل الشعوب في العالمين العربي والإسلامي
متمسكة بمصالحها القطرية، ومعتزة بثروتها ولا تقبل من حكوماتها التفريط فيه ويرون
أنها نعمة من الله خصهم بها وحدهم.
هناك أسباب أخرى تعطل الأقطار العربية
والبلاد الإسلامية عن تحقيق الوحدة منها: اختياراتها السياسية والاقتصادية، ومنها
نزاعات حدودية تم حل بعضها، وبقي البعض الآخر مستعصياً إلى الآن. ومن أمثلة ذلك:
أن تونس بعد الاستقلال، لم تتردد في قبول مؤازرة فرنسا، والولايات المتحدة،
ومساندتها في خلافاتها مع الأشقاء، أو الجيران، عندما حاولوا التدخل في شؤون
تونس الداخلية، وإقامة وصاية عليها باسم
الوحدة العربية حينا، وباسم التوجهات الإيديولوجية الاشتراكية والمعادية للغرب
حيناً آخر..
وأن المغرب الأقصى شن حرباً على الجزائر،
غداة استقلالها، لجبرها على إعادة النظر في حدودهما، وأنه لم يسترجع لحد الآن
الصحراء الغربية التي يعتبرها جزءًا من بلاده، لأن الجزائر لا توافق على ذلك،
وتطالب بالأخذ بمبدأ تقرير المصير، وبتطبيقه على الصحراء.وأن مصر بعثت جيشها إلى
اليمن لنصرة شق من أهله على شق آخر، وهو تدخل في شؤون الغير. وأقامت وحدة مع سوريا
لم تعمر.وإن العراق احتل الكويت باعتباره جزءاً منه تاريخياً، وأعطى تعلة للولايات
المتحدة، وللعالم للتدخل في شؤونه واحتلاله.وأن سوريا أطالت إقامتها بلبنان على
أساس الحفاظ على وحدته، وعلى أساس أنه جزء من الشام حتى ضجر البعض من أهله،
واتخذوا من اغتيال الحريري تعلة للمطالبة بخروجها، وقد وجدوا في العالم، وفي الدول
الكبرى سنداً لهم.
إن الأقطار حقيقة، والعصبيات الوطنية واقع،
لا في تونس فحسب، بل في كل العالم العربي والإسلامي، وفي كل العالم، وأن أي سعي
وحدوى لا ينطلق من الأقطار، ولا يراعي عصبياتها مآله الفشل وأن أي وحدة لا تستقيم
ما لم تكن مكوناتها سليمة، ولا تحترم القانون، ولا يتوفر فيها النظام والاستقرار،
ولا تزدهر فيها التنمية والحرية.
الأمة العربية، والأمة الإسلامية، هما اليوم مجموعة أقطار مستقلة، وأمم حرة، متعاونة طوراً، ومتعادية طوراً آخر لبعضها كيانات قديمة، ولبعضها الآخر كيانات فرضتها مصالح إمبريالية، وتوازنات دولية. كلها تمجد الوحدة وتتغنى بها بالكلام، وفي الخطب، ولكنها تغلب عليها، في الواقع، مصالحها القطرية.
وإن "تطوير الدولة الوطنية في كل قطر
عربي إلى شكل أوسع من الوطنية العربية يحتاج إلى تغيير في الأدمغة العربية، وتقدم
حضاري، ونهضة اقتصادية، واجتماعية، وعلمية، إلى طول نفس على مدى بعيد"، كما
أوضح ذلك الزعيم الحبيب بورقيبة بالبالماريوم بتونس يوم 16 ديسمبر سنة 1972 عند
ردّه على خطاب ثوري مجد فيه العقيد معمر القذافي الوحدة العربية، ودعا الشباب إلى
أن يتخذ منها رسالة يتجند لها، ويضحى في سبيلها. وقد ألح، بتلك المناسبة، على
البدء بتوحيد أقطارنا. فهي الآن محتاجة إلى مدة لا بأس بها لتتم عملية الامتزاج
والانسجام بين متساكنيها.
فتونس مثلاً، رغم خمسين سنة من العمل، سعت
خلالها إلى توحيد صفوفها شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً، سواء منهم من يقطنون
الصحاري، أو البوادي، أو القرى، أو المدن، ما زالت للقبلية بها آثار تظهر أثناء
الانتخابات، فتتحيز بعض التكتلات إلى جانب هذا، أو ذاك، من المترشحين. فهؤلاء
همامة، وأولائك فراشيش، وهذا من السند والآخر من المرازيق، أو من أولاد دباب الذين
يحتقرون المرازيق، باعتبارهم أشجع، وأصحاب سيف، بينما المرازيق أصحاب قلم، وفتاوى،
وشؤون دينية. ومن باب أولى ليبيا، وهي محتاجة إلى توحيد صفوف رجالها، وإلى رابطة
قوية بين طرابلس وبرقة، وفزان التي تفصل بينها صحراء شاسعة.
إن أغلب الأقطار العربية الآن تساوي صفراً،
أو تقترب منه، ولا نجاح لوحدة بين بلاد قيمة الواحد منها صفر فالصفر مع الصفر
يساويان صفراً كما يقول أهل الحساب، وكما كان يردد، في أوائل القرن العشرين،
الزعيم المصري سعد زغلول.وخلاصة القول إن البناء الداخلي للقطر، وللوطن، وللأمة،
هو الأساس، وهو المنطلق، وهو البداية.
ختام هذا الكتاب
في نظر البكوش الأمة التونسية مرتبطة
ارتباطًا وثيقًا بل عضويًا بالدولة الوطنية التي كانت تصنفها الإيديولوجيات
القومية بالدولة القطرية، بوصفها شرًّا مطلقًا، غير أنَّها في ظل الهزائم العربية
المتكرِّرة، أصبحتْ الملاذ في عالم متقلب
لا يجد فيه مكانه من لا يثبت في أرضه، ولم يتشبث بكيانه، هي مكسب عظيم لنا نحافظ
عليها، ونذود عنها. وانطلاقاً من هذه الثوابت، وعلى أساسها نتفتح على العالم،
ونأخذ بمقتضيات العولمة، ونخضع لقوانين المنظمة العالمية للتجارة ونتعامل مع صندوق
النقد العالمي، والبنك العالمي للتعمير والتنمية، ونحتل في الاتحاد الأوروبي مكانة
متميزة، ولا تتأخر عن إقامة علاقات تبادل حر مع الولايات المتحدة ثنائياً، أو مع
البلاد الشقيقة والمجاورة في الشرق الأوسط.
من الناحية التاريخية، اضْطَلَعَتْ الدول
الأوربية، المستعمرة، أو المحتلة، أو المنتدبة، بالدور المحوري في تحديد توقيت
الاستقلال الرسمي للدول العربية القطرية التي خَضَعَتْ للاحتلالِ أو الانتدابِ،
واتَفَقَتْ فيما بينها على ترسيمِ الحُدُودِ بين الدول العربية وبعضها بعضًا، أو
بينها وبين الدول المجاورة غير العربية، ولا يُعَدُّ هذا استثناءً خاصًا بالدول
العربية، بل لقد حدث هذا في معظمِ دولِ العالم في إفريقيا، وآسيا، وأمريكا
اللاتينية بل وفي وسط وشرق أوروبا، ولم يتوقف أحدٌ طويلاً عند هذه الظاهرة في باقي
دول العالم، على النقيض من المحللين الأيديولوجيين القوميين العرب، من منطلق الحرص
على رفض هذه "الدولة القطرية المصطنعة".
وفي ضوء الهزائم التاريخية التي مُنِيَتْ
بها الحركات القومية العربية التي وصلت إلى السلطة في بعض البلدان العربية، وفي
ضوء التحدِّياتِ التي واجهت معظم الدول العربية القطرية، كان من أكثرها أهمية
الحروب الأهلية الطاحنة، كان من شأنها القضاء على هذه الدول القطرية الفتية، وتوقع
البعض أن تُؤَدِّيَ بعض هذه الحروب، -إن لم يكن كلها، بهذه الدول العربية المصطنعة
وبالرغم من فداحة الخسائر البشرية والمادية، لاسيما في كل من الحرب الأهلية
الأردنية (1970 ـ، 1971) واللبنانية (1975 ـ 1989) ـ إلى الزوال، ومع ذلك تمكنتْ
كلتا الدولتين من البقاء بالحدود نفسها التي رسمها الاستعمار، واستمرت كذلك كل من
سلطنة عمان والعراق، حتى الآن، بحدودهما، بينما تمكن السودان من البقاء، بالرغم من
انفصال الجنوب.
إنَّ الاعتراف بواقع الدولة القطرية التي تمكنت خلال عقود من الزمن من إنشاء وتكريس بنى اجتماعية ونفسية داخل مجتمعها ليس انحرافاً أو تنازلاً كما يتوهم بعض القوميين، بل هو شرطٌ لمعرفة نشأة هذه الدولة وتكوّنها معرفة موضوعية، نعتقد أنَّ الفكر هو اليوم أحوج ما يكون إليها في مسعاه إلى صياغة البديل القومي المقنع والمقبول.
في ضوء كل هذه العوامل السلبية المدمرة،
إضافة إلى ندرة الموارد البشرية والطبيعية، وتكرار تغير النظم السياسية والنخب
الحاكمة، والمعارضة المسلحة، وأزمات التنمية السياسية (أزمات الهوية، وبناء الأمة،
وبناء الدولة، والشرعية والفاعلية)، التي كانت تُنْذِرُ بعدم قدرة هذه الدول
العربية القطرية على البقاء، فإنّ هذه الدول القطرية تمكنت من البقاء، وتقدم لنا
دول، مثل الأردن والبحرين، وعمان وقطر، والإمارات، لاسيما قبل طفرة النفط، أمثلة
بارزة في هذا الصدد. وإذا كان النفط قد تسَبَّبَ في زيادةٍ هائلةٍ في موارد كل من
قطر، والإمارات، وعمان بدرجة أقل، فقد تمكنت كل من الأردن، والبحرين، وتونس،
ولبنان من تحقيق معدلاتٍ مرتفعةٍ في مؤشرات التنمية البشرية، بالرغم من ندرة أو
انعدام الموارد النفطية.
من المؤكد، اليوم، بعد ما حصد الفكر القومي
خيباتٍ ونكساتٍ خطيرةٍ، أنَّه ما لم يعترفْ هذا الفكر بوجود الدولةِ القطريةِ، وما
لم يَعِدُّهَا من حقائق الواقع العربي، فإنَّه يَصْعُبُ عليه التوصل إلى بديلٍ
قوميٍّ ممكنِ التحققِ. و يطرح المحللون العرب الذين عايشوا إخفاق التجربة القومية
العربية في بناء دولة قومية مركزية، مجموعة من الأسئلة حول مكونات الواقع وأهمها
مسألة وجود الدولة القطرية ذاته من عدمه، بمعنى ما المقصود بالدولة القطرية من حيث
الشكل؟ وهل تحمل أصلاً صفة الدولة، ذلك أنَّ الواقع العربي يتسع حالياً ليشمل أكثر
من نموذج "دولة" بمعنى آخر، هل هناك دولة بالمعنى الحقوقي والمؤسساتي أم
لا؟ أم نحن أمام نماذج مختلفة؟..
إنَّ الاعتراف بواقع الدولة القطرية التي
تمكنت خلال عقود من الزمن من إنشاء وتكريس بنى اجتماعية ونفسية داخل مجتمعها ليس
انحرافاً أو تنازلاً كما يتوهم بعض القوميين، بل هو شرطٌ لمعرفة نشأة هذه الدولة
وتكوّنها معرفة موضوعية، نعتقد أنَّ الفكر هو اليوم أحوج ما يكون إليها في مسعاه
إلى صياغة البديل القومي المقنع والمقبول.
يقدم بعض النقاد العرب نقدًا لاذعًا للفكر
القومي، ولتجربة حزب البعث في كل من العراق وسورية، أنَّه ُبعد أكثر من نصفٍ قرنٍ
من إمكانياتٍ أُهْمِلَتْ وفُرَصٍ لم تُوَظَفْ، أنَّ الحلَّ الذي يستجيبُ لطموحاتِ
الجميعِ هو استعادة الدولة الوطنية (القطرية) والارتقاء بها إلى دولةٍ ديمقراطيةٍ،
أي إعادة إنتاج الدولة الوطنية الحديثة، دولة الحق والقانون المعبّرة عن الكلية
الاجتماعية والقائمة على مبدأ المواطنة، إعادة إنتاج هذه مقدمة ضرورية لمشروع
ديمقراطي.
وبناء على ذلك يمكن القول إنَّ الاعتراف
بالدولة القطرية هو من هذه الزاوية شرطٌ لتجاوزها وليس ارتدادًا إلى الموقع القطري
المناهض للقومية. أمَّا إنكار الدولة القطرية أو تجاهلها لأنَّها مجرّد كيانٌ
مصطنعٌ من عمل الاستعمار محكومٌ بالزوال..! فلن يغيِّرَ شيئاً من وجودها العيني
ولا من حقيقتها الواقعية، بل هو سيوفّرُ لها، على العكس من ذلك تماماً، الذريعة
للعداء مع القومية وتضخيم الخصوصية القطرية.
يطرح البكوش إعادة بناء الدولة الوطنية،
والمحافظة على مكاسبها، والذود عنها، رغم التهديدات المنذرة بإسقاطها، والأخطار
المحدقة بها، لا سيما من قبل العولمة الليبرالية الأمريكية المتوحشة، التي تزاحم الدول في صلاحياتها، وتقلص من
سلطانها، وتدمجها في مجموعات أكبر، وتتطور بها في الأمد الطويل إلى دولة واحدة،
وتنشئ بذلك المواطن العالمي الذي يتحرر مرحلة بعد مرحلة من قيود وطنه الأول.هو
تطور عالمي يمس كل الدول وكل الأمم ولكنه يمس أكثر الكيانات الصغيرة والمتوسطة. هل
هي نهاية الدول وزوال الأمم؟
الحكومات اليوم مقيدة بقرارات التجمعات التي
تنتسب إليها، وخاضعة لقوانين العولمة التي قبلتها، أو فرضت عليها. بلاد كثيرة في
البلقان، وإفريقيا خاصة، تدخلت فيها الدول الكبرى، والأمم المتحدة، والمحاكم
القضائية الدولية باسم قانون جديد، قانون التدخل، وألقت القبض على بعض المسؤولين
السابقين فيها، وقدمتهم إلى العدالة، عدالتها بالطبع!
دول عديدة معرضة لضغوط خارجية التغيير
سياستها الخارجية، ودستورها، ونظام حكمها، وبرامج تعليمها، باسم الديمقراطية وحقوق
الإنسان. إنها صامدة، متمسكة بخصوصياتها الثقافية والتاريخية، معتزة بهويتها،
محافظة على حقها في الحرية وتقرير المصير. فالدول، رغم هذا التطور، لم تنته،
والأمم باقية، وإننا نعمل في تونس على أن يكون من أنها الشعوب تمسكا بدولتنا،
وتعلقاً بأمنا.
للتفتح على العالم فوائد جمة، وله سلبيات
كثيرة، وقد نواجهها وحدنا، كما هو الشأن اليوم ونحد من آثارها، ونتقدم، ولكن
مواجهتها جماعة، كما نأمل، تأتي بنتائج أوفر، وتحقق تقدماً أكبر، وقد تكون
المجموعة المغاربية رغم ما نتعرض له من صعوبات وما عانينا من توترات، أقرب
المجموعات إلى التجسيم لأسباب تاريخية وجغرافية.
فالمغرب العربي الكبير "قطر واحد متميز
ببين الأقطار" كما كتب ابن خلدون في "مقدمته". إن بناء مغرب عربي
متحد هو المهمة الأولى لأممنا المغاربية ولا بد لها من إنجازها، لضمان استقلالها،
وللنجاح في إظهارها للعالم، وبالتالي لحماية استقلال كل منا، ودعم مناعتنا. هذا
جهادنا اليوم يواصل جهاد الأمس في سبيل استرجاع سيادتنا، والانتصار على الاستعمار
ويواصل جهادنا الأكبر في البناء والتشييد. فنتجنّد له، فالنصر أمامنا.
إقرأ أيضا: الأمة التونسية.. بين الهوية القطرية والانتماء العربي والإسلامي.. قراءة في كتاب