اعتراف حكومي بمؤامرة رفع أسعار الدواجن.. من يفتعل أزمات المصريين قبل رمضان؟

سعر كيلو الفراخ البيضاء بلغ 86 جنيها، و94 جنيها للمستهلك - عربي 21
سعر كيلو الفراخ البيضاء بلغ 86 جنيها، و94 جنيها للمستهلك - عربي 21
شارك الخبر
في الوقت الذي جاء معدل التضخم في مصر عن شهر كانون الأول/ ديسمبر الماضي مسجلا 10.3 دون تغيير عن تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، إلا أنه ومع اقتراب شهر رمضان (18 أو 19 شباط/ فبراير المقبل) الذي يمثل لأكثر من 108 ملايين مصري في الداخل خصوصية في الاستهلاك، تفجرت أزمة ارتفاع أسعار الدواجن بشكل غير مبرر، وفق بيان وزارة الزراعة، ما يشير لتلاعب في موسم الاستهلاك السنوي الأكبر.

وارتفعت أسعار "كتاكيت" الدواجن للتربية (التسمين) إلى معدل 35 جنيها بنسبة تصل 300 بالمئة خلال نحو أسبوعين، ما مثل صدمة لدى صغار المربين وأصحاب المزارع الصغيرة والتجار والمستهلكين ليرتفع سعر الدواجن من نحو 65 جنيها إلى معدل 95 جنيها مع توقع زيادته، وفق مطلعين على الملف.



ملامح الأزمة ورد الفعل الرسمي

ويؤكد منتجون، وتجار، أنها أزمة مفتعلة نتيجة مضاربات وتلاعب جهات وتجار وسماسرة وشركات بالسوق المحلي في وقائع تحدث قبيل رمضان والأعياد بهدف رفع أسعار الدواجن، وتستغلها كل عام مافيا الاستيراد للتربح من الأزمة، فيما يشير متحدثون لـ"عربي21"، إلى تحريك (جهاز حماية المنافسة) دعاوى جنائية ضد 162 شركة من منتجي كتاكيت التسمين بسبب تلاعبها بالأسعار، شباط/ فبراير الماضي.

زاد من حجم الأزمة وفق البعض تزامنها مع رغبة المربين الصغار الحصول على دورة تسمين تكفيهم استهلاك شهر رمضان، ما تزامن مع إفطار المسيحيين في مصر وتوجههم لشراء الدواجن بعد نحو شهر ونصف صيام، وذلك إلى جانب تأثير موجة البرد الشديد على إنتاج العنابر للكتاكيت، ونفوق نسبة كبيرة منها.

تقول "أم علي": "لأني أعلم جيدا أنه ستحدث الأزمة قبل رمضان، قررت مبكرا ومنذ تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، شراء ضعف كمية ما أربيه في كل دورة (50 بدلا من 25) حتى يكفي أسرتي حاجة رمضان، وبالفعل زادت الأسعار كما توقعت وجيراني"، مؤكدة أن "التلاعب ليس فقط في الكتاكيت بل في الأعلاف والأمصال".

وفي رد فعل حكومي، زاد تصريح لوزير الزراعة علاء فاروق، السوق ارتباكا بالهجوم على المنتجين وتهديدهم بأنه "في حال استمرار ارتفاع أسعار الدواجن الحية ستلجأ الدولة إلى استيراد الدواجن المجمدة"، ما فاقم مخاوف المربين من خسائر قد لا يتحملونها، وفجر الجدل حول تدخل مافيا الاستيراد في الأزمة.

وفي بيان لمنتجي الدواجن، قال عضو الاتحاد أحمد نبيل، إن خسائر الشركات بلغت ٨ مليارات جنيه بالربع الأخير من ٢٠٢٥، مؤكدا أن القطاع يواجه ضغوطا غير مسبوقة بسبب السياسات الحكومية وتهديدات بفتح باب الاستيراد، والتي أثرت على خطط التوسع الداخلي لبعض الشركات الكبرى، ملمحا إلى أن ٣ شركات كبرى كانت تسعى للتوسع داخليا قررت تحويل استثماراتها لدول عربية بعد تهديدات وزير الزراعة.

ويبلغ حجم الاستثمار في صناعة الدواجن وبيض المائدة 200 مليار جنيه، وفقا لتقارير وزارة الزراعة، التي تشير لإنتاج نحو 1.6 مليار دجاجة و16 مليار بيضة مائدة سنويا، وعمل نحو 3.6 مليون عامل بالصناعة.



والأحد، بلغ سعر كيلو الفراخ البيضاء ببورصة الدواجن 86 جنيها، و94 جنيها للمستهلك، فيما سجل سعر الدواجن البلدي 125 جنيها بالبورصة، و132 جنيها للمستهلك، لتتراوح أسعار البيض بين 155 و165 جنيها، و170 جنيها للبلدي، في الوقت الذي سجل فيه سعر طن العلف البادي 22 ألف جنيه، والنامي 21.800 جنيه، والناهي 21.600 جنيه.




وتمتلك الشركات 75 بالمئة
من إنتاج الكتاكيت، بينما تمتلك القطعان (صغار المربيين) 25 بالمئة، ما يشير إلى هيمنة الشركات الكبرى التي يختلف سعر الكتكوت فيما بينها، ويتراوح بين 15 جنيها من شركة مكة المكرمة، و24 للقصبي، و26 للقاهرة للدواجن، و27 للوطنية والوادي، و29 للعناني، و33 نيوهوب ايجيبت، و34 جنيها لشركة نيوجين.

وحول سبب الأزمة ورفع الأسعار دون مبرر قبل موسم الاستهلاك السنوي الأكبر، ومدى وجود منتفعين منها، ومخاطر تصريح الوزير حول فتح باب الاستيراد على الصناعة المحلية، وكيفية حدوث معادلة سعر عادل للمنتج ومناسب للمستهلك، تحدث مختصون لـ"عربي21".

الأمراض تأكل القطعان

مدير مجموعة من المزارع في محيط محافظتي القليوبية والشرقية يقول لـ"عربي21": "طوال 5 شهور وأكثر تراوحت أسعار الدواجن بين 55 و60 جنيها حتى أن أسعار الكتاكيت مرت بمرحلة وصل فيها سعر الكتكوت 2 جنيه فقط"، موضحا أن "الأزمة الحالية تتكرر سنويا قبل دورة إنتاج رمضان التي تسبقه بنحو 40 يوما".


ويرجع سبب أزمة العام الحالي إلى: "البرد الشديد وانتشار الأمراض بين القطعان التي تأكلها أمراض مثل: يوكاسل، وآي بي، واتش 8، ومتحوراتها، وهي فيروسات تؤثر على الجهاز التنفسي والهضمي"، ملمحا إلى أنه "في مزرعة واحدة لم يخرج من بين 6 آلاف كتكوت تسمين إلا 2500"، مبينا أن "خسارته تتراوح بين 300 و400 ألف جنيه بهذه الدورة".

ويضيف: "هناك جوانب أخرى، منها وصول درجة الحرارة ليلا إلى نحو 8 درجات مئوية بينما تحتاج الدواجن بين 30 و33 مع تهوية جيدة، وهو أمر مكلف مع وصول سعر اسطوانة الغاز الصغيرة إلى 260 جنيها ما يزيد التكلفة".

اظهار أخبار متعلقة


ويؤكد أن "المشكلة الثالثة: عدم وجود رقابة على أسعار الأعلاف، التي يصل سعر الطن منها بين 21 و22 ألف جنيه بينما الخامات مثل فول الصويا 18 ألف جنيه والذرة الصفراء 12 ألف جنيه"، كاشفا عن "وجود فجوة سعرية تقدر بـ5 آلاف جنيه بالطن الواحد".

ويرى أن "سعر 90 جنيه وحتى 100 جنيه لكيلو الدواجن لن يعوض خسارته، وفي المقابل وبينما السعر الآن قبل رمضان نحو 70 جنيها للكيلو فإن هناك ركود وعدم سحب نظرا لضعف قدرة الناس على الشراء، ما يفاقم الخسائر".


Image1_1202612122636757421956.jpg

ويعتقد أن "تهديد وزير الزراعة بفتح الاستيراد لحل الأزمة هو حل لأزمة عارضة لكنه يفاقم أزمة صناعة الدواجن ويضر بالمنتج الصغير، الذي سيتوقف لعدم قدرته على تحمل المنافسة، فتعود حلقة ارتفاع الأسعار مجددا بداية من الكتكوت والدواجن وحتى البيض الذي يصل سعره الآن بين 120 و130 جنيه ما يجعله يصل إلى 170 و180 جنيها، ويفاقم مشاكل مزمنة".

استغلال التجار والسماسرة

وفي حديثه لـ"عربي21"، يؤكد صحفي مصري مطلع على الملف، أن "الأزمة تأتي في ظل سحب الكتاكيت لأجل رمضان وتسكين دورات الموسم السنوي الأهم بصناعة الدواجن"، مبينا أن "ارتفاع السعر مرتبط بارتفاع نسب سحب المعروض من الكتاكيت"، ملمحا إلى تزامن أعياد المسيحيين مع استعداد السوق لقدوم رمضان".

ويوضح أن "رمضان يمثل الموسم الأهم خاصة في ظل ارتفاع بدائل الدواجن كاللحوم والأسماك، ويقوم اتحاد المنتجين بعملية التسعير ويسعى المنتج المحلي لتحقيق أكبر ربح موسمي"، مشيرا إلى أنه "سيناريو متكرر يبدأ الطلب بشدة ويبدأ معه استغلال التجار والسماسرة ما يرفع السلسلة المترابطة من الكتاكيت وحتى الخامات التي تصل نحو 70 بالمئة من الأعلاف، والأمصال، ومع تراجع السحب ستعود الأسعار للانخفاض".

ويلفت إلى أن "إعلان وزير الزراعة عن استيراد دواجن حال وصول السعر 80 جنيها، بعدما كان العام الماضي بـ55 جنيها، فجر أزمة، تبعها اجتماعه باتحاد منتجي الدواجن برئاسة محمود العناني، ورئيس شعبة بيض المائدة أحمد نبيل، لزيادة ضخ الدواجن وضبط الأسعار بما يحقق هامش ربح للمنتج ويراعي المستهلك".

وحول ما يثار عن وجود مافيا تتحكم في الأسعار وتفاقم الأزمة ومافيا أخرى تستغل الأزمة للاستيراد من الخارج يقول إن "الطرفين شركاء الأزمة وكلاهما يلقي اللوم على الآخر "، مؤكدا أنه "على الحكومة توفير سعر عادل للمواطن وقبله سعر خامات مناسب يقلل تكلفة إنتاج الكتكوت واللحم والبيض".

مضاربات وتلاعب متكررة

الباحث في الملف الاقتصادي والعمالي حسن بربري، يرى أن "قطاع الدواجن يعاني مشاكل بنيوية متراكمة منذ تحرير سعر الصرف عام 2016، توالت مع توالي الأزمات الاقتصادية وتكرار تعويم الجنيه، في وقت أصبحت الدواجن جزء أساسي من منظومة الأمن الغذائي خاصة بعد الارتفاع الكبير بأسعار اللحوم"، لافتا لاستهلاك المصري 15 كيلو دواجن سنويا بحسب الجهاز (المركزي للتعبئة والإحصاء).

القيادي بحزب "التحالف الشعبي"، يؤكد لـ"عربي21" أن "أزمة تقلب سعر الدواجن الحالية تكررت العام الماضي ما دفع جهاز (حماية المنافسة) لتحريك جهات التفتيش وتحرير قضايا لـ162 شركة إنتاج كتاكيت ودواجن قبل رمضان الماضي، بتهم التواطؤ بينها لفرض سعر معين بالسوق ما سبب أزمة تقلبات حادة بالأسعار".

اظهار أخبار متعلقة


ويوضح أن "الموضوع ليس فقط زيادة في الطلب قبل دورة رمضان، ولكن هناك عاملين أساسيين هما: المضاربات، والتلاعبات بالسوق، بجانب مشكلة بنيوية متراكمة في سوق يعتمد عليه أغلب المصريين في الحصول على البروتين".


خطأ الدولة والحل


ويرى أن "حل وزارة الزراعة للمشكلة بالاستيراد هددت به العام الماضي، وهو حل مؤقت ومسكن ويؤثر على صغار المربين الذين يخرجون وفقا لبعض الإحصائيات نحو 40 بالمئة من إنتاج الكتاكيت بالسوق"، مخاطبا الوزارة: "مع فتح الاستيراد أنت تحاول ضبط السعر ولكنك تؤثر على الصناعة المحلية طويلة الأمد التي من المفروض أن تدعم فيها صغار المربين".

ويضيف: "وكأن الأمر مشكلة عابرة بين الوزارة وشركات الإنتاج الاحتكارية المتجمعة للتحكم في السعر في ظل عدم وجود قواعد يمكن الاحتكام لها تفصل في الأمر وتحدد سعر عادل للمنتج ومناسب للمستهلك"

ويعتقد أن "المشكلة الأساسية هي عدم وجود منظومة تسعير مستقر ولا شفافة ولا آليات واضحة تراعي تكلفة الإنتاج ولا الطلب الحقيقي المفروض الاستناد عليه في التسعير، مع ضعف الدور الرقابي وهو ما يكشفه ظهور المشكلة دون معرفة أسبابها، حيث لا يتابع السوق إلا عند حدوث الأزمة والتغيرات السعرية الكبيرة".

ويلفت إلى أن "هذه المشاكل البنيوية تحتاج خطة طويلة الأمد تدعم استقرار الأسعار، وحماية الصناعة الوطنية، وليس حلولا وقتية، مع ضرورة وجود دور استباقي للمؤسسات الرقابية في فضح التلاعب والاحتكار لمنع تكرار الأزمات".

ويختم مشيرا إلى "دور المستوردين ذلك التكتل الكبير من الشركات والمستفيدين من الأزمة الذين ينتظرون الأزمة، ما يصب لمصلحة شركات تتلاعب بالسوق وتريد فتح الاستيراد فتحتكر السوق، وشركات موجودة محتكرة بالفعل، وجميعه على حساب المستهلك، وصغار المربين"، مطالبا بـ"دعم الدولة وتدخل المؤسسات الرقابية".

وفي 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، انتشر تسريب لعضو لجنة المستوردين باتحاد الغرف التجارية المصرية أحمد شيحة، يتهم فيه شركات عربية وخليجية بالتلاعب وممارسة الاحتكار، ورفع الأسعار، والتسبب في خسارة المنتجين الوطنيين، مؤكدا أنها تستحوذ على 100 بالمئة من مستلزمات الصناعة، وهناك 8 "براندات" تابعة لها.


أهم تلك الشركات: "الوطنية للدواجن" (كب)، المملوكة للسعودي سليمان الراجحي، و"القاهرة للدواجن"، تأسست بمساهمة كويتية وعلامتيها التجارية (كوكي) و(أمريكانا)، و"العربية أمات الدواجن" المملوكة للسعودي حسين بن سعيد بحري، و"الوادي للاستثمار الداجني"، المملوكة للبناني موسى فريجي، وشقيقه توني فريجي.
التعليقات (0)