هكذا تمول الإمارات الانتهاكات في السودان.. دخان الفاشر يطغى على بريق أبوظبي
لندن- عربي21- وقاص القاضي25-Dec-2511:32 AM
منظمة العفو الدولية تؤكد أن الصراع في السودان يتفاقم بسبب تدفق الأسلحة إلى هناك من دول عدة بينها الإمارات – ميدل إيست آي
شارك الخبر
رغم إنفاق الإمارات ملايين الدولارات سنويًا لتلميع صورتها في العالم، وإعطاء انطباع بأنها الوجهة الآمنة لمن يرغب في السفر إليها والاستثمار لديها وإدخار أمواله في بنوكها، وقدمت نفسها بمثابة "الأرض الموعودة"، حتى أن الإمارات تعد الدولة العربية الأولى التي تعلن عن إنشاء وزارة للتسامح، إلا أنها في الوقت نفسه هي الدولة العربية الأولى التي تُقدَّم ضدها قضية بدعم إبادة جماعية.
أبو ظبي التي لطالما دعت لترسيخ الوحدة الداخلية بين إماراتها المتحدة السبع، لكن سياستها الخارجية أتت على النقيض تمامًا، حيث عملت على إثارة الانقسامات لدى الدول العربية التي تشهد صراعات، في محاولة لترسيم مجال تأثير لها بدعم ميليشيات بعينها بحسب تقرير لمجلة "إيكونوميست" نُشر مؤخرًا.
دعم الإمارات للمارقين في العالم العربي
وسلط تقرير المجلة الضوء على ما قامت به أبو ظبي، الأكثر ثراءًا بين باقي الإمارات التي تشكل الدولة، وكيف ساندت حركات وجماعات مسلحة بدءاً من ليبيا، وتحالفها مع أمير الحرب خليفة حفتر، ومروراً بالانفصاليين في الجنوب اليمني الذين رأت فيهم حليفاً مناسباً، وصولاً إلى إعادة فتح سفارتها في دمشق عام 2018، وضغطها على الدول الأخرى لتطبيع علاقاتها مع نظام بشار الأسد، وانتهاءً بالسودان وتورطها في حرب إبادة تنفذها قوات الدعم السريع بأسلحة حديثة دفعت الإمارات ثمنها، وفق توثيق أممي ربط بين صادرات السلاح البريطانية إلى الإمارات وبين وصول معدات عسكرية متطورة إلى ساحات القتال في السودان، في انتهاك للحظر الدولي وتغذية مباشرة لصراع دموي مستمر منذ أكثر من ثلاث سنوات، بحسب ما كشف عنه تقرير مطول لصحيفة الغارديان البريطانية.
لوحة إعلانية عملاقة وسط لندن.. تفضح دور الإمارات
ظهرت في الأيام القليلة الماضية، وسط العاصمة البريطانية لندن، لوحة إعلانية ضخمة أثارت تساؤلات واسعة، وتضع اللوحة، التي تبث تقريبا كل 80 ثانية على مدار اليوم والليل، تحت المجهر دور الإمارات في الحرب الدامية في السودان، المستمرة منذ نيسان/أبريل 2023.
تظهر اللوحة صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لشابة في مسبح، تلتقط صورة "سيلفي" أمام أفق ناطحات السحاب في دبي، وإلى جانب هذا المشهد، تظهر على هاتفها نتيجة السيلفي الحقيقية، حيث تتحول الخلفية من مناظر دبي الشاهقة إلى الدمار والدخان المتناثر، نتيجة القصف في مدن كالفاشر، ويحمل الإعلان عبارة: "سيلفيك لن يبدو جميلا بعد أن تعرف ما يفعلونه في السودان"، كما يتم عرض نفس اللوحة على جانبي سيارة متنقلة في وسط العاصمة البريطانية.
اظهار أخبار متعلقة
يتضمن الإعلان أيضا رمز استجابة سريعة (QR CODE) يتيح للمتابعين الوصول إلى مقالات حول دور الإمارات في السودان الذي يعاني من أكبر أزمة إنسانية في العالم، بما في ذلك تقارير صحفية نشرتها صحف مثل "الغارديان" و"نيويورك تايمز" ومراكز بحوث دولية.
وبحسب إذاعة مونت كارلو الدولية، فإن هذا الإعلان يأتي ضمن حملة أطلقتها منظمة "أفاز" (Avaaz) التي تعنى بالتعبئة العالمية لقضايا حقوق الإنسان والديمقراطية، بالتعاون مع مجموعة "لندن من أجل السودان" (London for Sudan)، تهدف إلى لفت انتباه الرأي العام إلى الدور الذي تلعبه الإمارات في السودان، حيث تشير التقارير إلى دعمها قوات الدعم السريع، المتهمة بارتكاب جرائم وانتهاكات واسعة.
كما تسعى الحملة إلى لفت الانتباه إلى التناقض بين مكانة الإمارات العربية المتحدة كوجهة سياحية فاخرة ودورها في الحرب في السودان، حيث تشير دائرة الاقتصاد والسياحة في الإمارات إلى أن أكثر من 1.04 مليون شخص قادمين من المملكة المتحدة زاروا دبي خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025.
متحدث باسم منظمة "آفاز" صرح لموقع "ميدل إيست آي": "إذا أرادت الإمارات العربية المتحدة الحفاظ على سمعة دبي كوجهة سياحية فاخرة، فعليها إنهاء أي دعم للميليشيات المتورطة في الإبادة الجماعية التي ترتكب فظائع في السودان. إن الأدلة المتزايدة على دورها في إراقة الدماء لن تغيب عن أذهان المستهلكين إلى الأبد".
دبلوماسيون من مختلف أنحاء العالم قالوا لموقع "ميدل إيست آي" إن، تورط الإمارات العربية المتحدة في حرب السودان هو سر مكشوف، لكن جهود أبو ظبي البارعة في الضغط السياسي - وعلى حد تعبير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، "أموالها غير المحدودة" - ساعدت في حمايتها من أي توبيخ مباشر أو تداعيات مادية.
الإمارات تعترف بالخطأ.. وتندد بالحملات ضدها
وسط موجة غضب عارم إزاء دور الإمارات في مجازر السودان، لجأ أنور قرقاش، مستشار الرئيس الإماراتي، إلى منصة "إكس" للتنديد بما وصفها الحملات الـ"شرسة" التي تتعرض لها بلاده، قائلاً: "تابعتُ الحملات الشرسة على بلدي، بعضها من مصادر متوقعة، وأخرى من أطراف لم أتوقعها. حملاتٌ تجاهلت في غالبها الظروف الداخلية للحالات التي تتناولها، لتبرّر تقصيرها وهروبها إلى الأمام، فبقيت في مجملها معدومة النتائج"، حسب قوله.
وتابعتُ الحملات الشرسة على بلدي، بعضها من مصادر متوقعة، وأخرى من أطراف لم أتوقعها. حملاتٌ تجاهلت في غالبها الظروف الداخلية للحالات التي تتناولها، لتبرّر تقصيرها وهروبها إلى الأمام، فبقيت في مجملها معدومة النتائج.
ليست الإمارات من تحمل رغبة السودانيين في السلام والحكم المدني، بل…
وعلى ما يبدو، لم يُسعف قرقاش حراكه وظهوره المستمر على شاشات الفضائيات لنفي الاتهامات عن الإمارات، كما لم يشفع اعترافه علنًا بأخطاء سياسات بلاده تجاه السودان، بعد أن تضررت سمعتها الدولية نتيجة دعمها لقوات الدعم السريع، بحسب صحيفة الغارديان التي قالت في تقرير لها إنها المرة الأولى التي تعترف فيها دولة الإمارات بخطئها، ففي كلمة ألقاها في البحرين، قال أنور قرقاش، إن الإمارات ودولًا أخرى "أخطأت حين لم تفرض عقوبات على منفذي انقلاب 2021"، الذي أطاح بالحكومة المدنية الانتقالية في السودان وقاده كل من عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو (حميدتي)، قائلاً: "لقد ارتكبنا جميعًا خطأً عندما سمحنا للجنرالين المتحاربين اليوم بإسقاط الحكومة المدنية.
وأضاف قرقاش: "كان ذلك، بالنظر إلى الوراء، خطأً جوهريًا. كان ينبغي أن نقف بحزم ونصف ما حدث بالانقلاب، لكننا لم نفعل".
ماذا يفعلون في السودان؟
فيما تنفي الإمارات أي تورط لها في الصراع الدموي الجاري في السودان، قدمت عدة تقارير دولية وتحقيقات استخباراتية مفتوحة المصدر، استندت إلى بيانات متاحة، أدلة على دعم الدولة لقوات الدعم السريع، كما حققت لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة، في نيسان/أبريل من هذا العام، في كيفية وصول قذائف هاون بلغارية، شحنت إلى الإمارات، إلى قوات الدعم السريع السودانية.
وتبين أن هذه الذخائر، التي ضبطت في تشرين الثاني/نوفمبر بولاية شمال دارفور، تحمل الرقم التسلسلي نفسه الذي صدرته بلغاريا إلى الإمارات عام 2019، وفق ما أكده محققو الأمم المتحدة، وقد جرى توثيق ذلك عبر صور ومقاطع فيديو نشرها موالون للحكومة السودانية، وهو ما وثقته أيضا منظمة العفو الدولية.
ينبع دعم الإمارات لقوات الدعم السريع من رغبتها في استخراج المواد الخام، وتحديداً المحاصيل الزراعية والمعادن النفيسة، من الأراضي السودانية الخصبة.
وقد رفضت الحكومة السودانية الحالية، العديد من الاتفاقيات مع أبوظبي بسبب بنودها الاستغلالية وغير العادلة التي تُدرّ أرباحاً طائلة للحكومة الإماراتية في حين لا توفر سوى حماية ضئيلة للعمال المحليين وملاك الأراضي، وبذلك، تُمثل قوات الدعم السريع فرصة للإمارات لترسيخ نفوذها وتوسيع نطاق سيطرتها في المنطقة، وفق ما أكده تقرير لمركز أبحاث حقوق الإنسان (HRRC).
من الناحية الاستراتيجية، توفر المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الجيش السوداني مزايا الوصول إلى البحر الأحمر - وهو مركز نقل حيوي يمر عبره 12بالمئة من التجارة البحرية العالمية - فضلاً عن المركز الديموغرافي والإداري التاريخي للخرطوم، الواقع عند ملتقى النيل الأزرق والنيل الأبيض، وولاية كسلا الغنية بالثروة الحيوانية .
اظهار أخبار متعلقة
وبحسب تقديرات الباحث السوداني جهاد مشامون ، فإن القوات المسلحة السودانية كانت تسيطر على 60 بالمئة من البلاد حتى تشرين الثاني/نوفمبر 2025 قبل أن تعزز قوات الدعم السريع سيطرتها على دارفور - المنطقة الغربية الشاسعة التي كانت مركزاً لتعدين الذهب وطرق التهريب - والعاصمة الإقليمية الفاشر ، وهي مركز اقتصادي يربط الطرق المؤدية إلى ليبيا شمالاً، ونهر النيل شرقاً، وتشاد غرباً.
الباحث برافين أونديتي، أشار إلى أن سقوط الفاشر في يد قوات الدعم السريع في أواخر تشرين الأول/أكتوبر قضى على آخر معاقل القوات المسلحة السودانية في دارفور والتي كان بإمكانها من خلالها فرض سلطتها في غرب السودان، وخارج دارفور، تسيطر قوات الدعم السريع على معظم حقول النفط في البلاد، والعديد من حقول الذهب في وسط وجنوب غرب السودان.
مجازر بالوكالة.. دعم عبر المرتزقة
تؤكد منظمة هيومن رايتس ووتش، إنه ومنذ بداية النزاع الحالي في السودان، أفاد خبراء الأمم المتحدة، وكذلك وسائل الإعلام والمنظمات الدولية، أن قوات الدعم السريع تتلقى دعما عسكريا من الإمارات على الرغم من سجلها الحقوقي المروع.
ووثّقت "هيومن رايتس ووتش" و"فرانس 24" استخدام الدعم السريع أسلحة كانت بحوزة الجيش الإماراتي سابقا، وأفادت وسائل إعلام دولية وكولومبية بأن شركة مقرها الإمارات جنّدت ونشرت عسكريين كولومبيين سابقين في دارفور لتدريب مقاتلي قوات الدعم السريع والقتال في صفهم.
كما وتُظهر فيديوهات على وسائل التواصل الاجتماعي، تحقّقت منها هيومن رايتس ووتش وحدّدت مواقعها الجغرافية، مقاتلين أجانب يتحدثون بالإسبانية يشاركون في اشتباكات عنيفة بالأسلحة النارية في الفاشر.
من يدفع الثمن في السودان؟
وفقًا لبوابة البيانات التشغيلية التابعة لمفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، فقد تسببت الحرب في نزوح قسري لأكثر من 12 مليون شخص، ويعني النزوح في هذا السياق فقدان سبل الحصول على الغذاء والماء والرعاية الصحية التقليدية، فضلًا عن تدهور الأمن، لم يعد بإمكان سكان السودان التمتع بحياة طبيعية، حياة كريمة، بدلًا من العيش في حالة فرار دائم، إضافة لمقتل نحو 150 ألف شخص.
الأمم المتحدة: مع اقتراب الحرب الكابوسية في #السودان من يومها الألف هناك حاجة الآن أكثر من أي وقت مضى إلى جهود متجددة لوقف القتال، ووقف تدفقات الأسلحة التي تغذي الصراع، ودفع الأطراف نحو وقف إطلاق نار شامل ودائم على مستوى البلاد.https://t.co/6kI6YmDEFxpic.twitter.com/4Wj52JPoSE
أما من بقوا في السودان، فهم يواجهون دمارًا وكارثة شاملة، فأكثر من 26 مليون سوداني يعانون من جوع حاد، وقد يصبح السودان قريبًا أسوأ أزمة جوع في العالم وأوسعها انتشارًا في الذاكرة الحديثة، فيما تواصل الجماعات المسلحة شنّ هجماتها وقطع المساعدات الإنسانية عن مخيمي أبو شوك وزمزم للاجئين والنازحين داخليًا، اللذين كانا يُعتبران ملاذًا آمنًا للمدنيين الفارين، ويقطنهما حاليًا أكثر من مليون شخص.