سيرة قلم شاهد.. حين تروي الخيبةُ تاريخ الإصلاح والثورة.. قراءة في كتاب

إن الكتاب يرسم سيرة جيل عربي كامل تربى على مفردات "الهزيمة" و"النكسة" و"الاحتلال" و" الخيبة". غير أن ما يجعل الخيبة أقل أثرا هو أن الكتاب يظيف لها الوعي بها.
الكتاب من منشورات دار العلوي للنشر والتوزيع، الطبعة الاولى سنة 2025 ويقع في 245 صفحة، أما الكاتب فأبرزُ ما يُعرّفُ به نفسه كونه "من جيل الخيبة"، ذلك الجيل العربي الذي لم تكن صدفة ميلاده بعيدة على هزيمة 1967 وهو الذي أنفق شبابه في مصارعة الاستبداد ومشاهدة الحروب العبثية واعتناق الأيديولوجيات الطوباوية ولم يبلغ الستين حتى شاهد الثورات العربية تُحاصر وتُدمّر ويُنقلبُ عليها ويُرمى بأهلها في السجون، ثم جاء الطوفان وشاهدوه يُتركُ وحيدا في مواجهة آلة الإبادة التي وقودها دماء وجماجم النساء والصبيان.

الكتاب كما يقدمه صاحبه قراءة في سيرة الفعل الوطني الديمقراطي المعارض كما عاشها وفهمها وحللها الكاتب. إنه سيرة العشرية السابقة للثورة التونسية والعشرية اللاحقة للربيع العربي. هو كتاب إذن  في سيرة المعارضة التونسية بين الإصلاح والثورة. لو كان للكُتب طُعُوم وروائح لقلنا بأن لهذا الكتاب رائحة الثورة والإصلاح وله طعم الانكسار والخيبة.

يُقسّمُ المُؤلفُ كتابه إلى فصلين، ينقسم الأول الذي يُعنونه "سيرة ثوار بلا أفكار" إلى تسعة أقسام، وينقسم الثاني إلى خمسة. يُحلّلُ في الفصل الأول مسارات الصراع بين السلطة والمعارضة قبل الثورة وكذلك مسارات الصراع بين القوى السياسية بعد الثورة إلى أن يصل إلى لحظة إيقاف الانتقال الديمقراطية في 25 تموز / يوليو 2021.

بعد اغتيال صالح بن يوسف وانتصار الشق البورقيبي المدعوم من المستعمر القديم تحولت الخصومة الهووية إلى شرخ أصاب السلطة بأزمة شرعية. سوف يكون ميلاد "الحركة الإسلامية" علامة على "ثأر تاريخي" ودليل على أن صراع الخمسينيات الهووي الذي تحول إلى انقسام جهوي وكذلك التموقع الجيوجستراتيجي لتونس هي مسائل لا تزال تُطِلُّ برأسها لأنها لم تُحسم بعدُ.
أما الفصل الثاني فيستعرض أهم الاشكاليات الفكرية والسياسية التي واجهتها الطبقة السياسية التونسية طيلة عقدين من الزمن.

يُؤرّخ الكاتبُ في أقسام الفصل الأول إلى الخصومة القديمة المتعلقة بهوية البلاد القومية والثقافية، وهي خصومة  قد بدأت، حسب المؤلِّف، بالصراع بين صالح بن يوسف والحبيب بورقيبة. رأى الأول تونس جزءا لا ينفصل عن المغرب والجزائر وربط استقلالها الكامل باستقلال كامل للمغرب العربي، أما الثاني فقد رآها أمة على حِدة  ورضي باستقلال تدريجي عن المستعمِر.

بعد اغتيال صالح بن يوسف وانتصار الشق البورقيبي المدعوم من المستعمر القديم تحولت الخصومة الهووية إلى شرخ أصاب السلطة بأزمة شرعية. سوف يكون ميلاد "الحركة الإسلامية" علامة على "ثأر تاريخي" ودليل على أن صراع الخمسينيات الهووي الذي تحول إلى انقسام جهوي وكذلك التموقع الجيوجستراتيجي لتونس هي مسائل لا تزال تُطِلُّ برأسها لأنها لم تُحسم بعدُ.

سيستمر هذا الشرخ الهووي والجهوي في نخر الدولة ومنعها من تغطية كامل مجالها الاجتماعي والجغرافي وهو ما سيُجهضُ إحدى أهم مراحل التغيير في تونس: لقد رفض "الحرس القديم" الميثاق الوطني" ودخل في عملية استئصال للإسلاميين، ذلك الخصم السياسي القادر على منافسة الشق المُنتصر في الخصومة البورقيبية/اليوسفية. رفعت السلطة في صراعها مع الإسلاميين شعارات حداثوية كاذبة واستمالت خصوم الإسلاميين وحوّلتهم إلى قوى وظيفية أوكلت لهم مهمة "تجفيف المنابع" مقابل السماح لهم بالتقاط الفُتات الذي يسقط من مائدة السلطة. 

لم تستطع النخبة السياسية المعارضة أن تتجاوز هذا الاستقطاب إلا بفضل لحظة فارقة في تاريخ المعارضة التونسية وهي لحظة  18 أكتوبر 2005. لم تكن هذه اللحظة مجرد التقاء تكتيكي وإنما محاولة جادة لصياغة ملامح "عقد وطني جديد" يقبل فيه العلمانييون تضمين الهوية داخل الدولة ويقبل فيه الإسلامييون الفصل بين الدين والسياسة ويعترفون بحقوق الإنسان الكونية. لقد كانت لحظة فارقة نحو تسوية تاريخية بين الحداثة والهوية في تونس، غير أن آلة القمع كانت أقوى من قدرات المعارضة، وهي آلة لم تنكسر إلا حين خرج الشارع لتحرير نفسه وتحرير النخبة.

يقف الكاتب مُطوّلا أمام حدث الثورة وينظر لها استرجاعيا بعد عقد ونصف ليكشف عن أخطر عِللها: إنه "ضُمُور فادح في التنظير" وغلبة للاندفاع الشبابي "الشعبوي"، ولقد منعها هذان العاملان من بناء ما يسميه "الرؤية المُوجّهة" و"الرواية المشتركة" التي كان بالإمكان أن تُداوي الانقسامات الكبرى التي ظلّت تعتمل داخل المجتمع والدولة وتُنتج الاحتقان والتوتّرات الدورية والتنافي المتبادل. لقد كانت ثورة بدون  قيادة وبدون "نص ثوري مشترك"  وكان ذلك مقتلها الذي استغلته الثورة المضادة التي لعبت على الانقسامات وحولت الجميع إلى مجرد مكونات في مشهد لا تملك إرادة صنعه ولا القدرة على التحكم في مآلاته. يختم الكاتب هذا الفصل بنصين يرسمان سيرة ثورة يتيمة تاهت في طريقها وانتهت إلى حتفها في 25 تموز / يوليو 2021.

يرى الكاتب أن أكبر اختراقات قوى الالتِفاف كانت تمزيق أي إمكانية لوحدة مُفترضة للمعارضة وقبر ماحققه تحالف 18 أكتوبر و"تحالف المواطنة والمساواة".

يذكر الكاتب بخيبة ومرارة اكبر نجاحات الثورة المضادة وأخطرها على الإطلاق وهي إخراج "الزعامات الرمزية" من موقع الوفاق التاريخي الذي يتوسط الحداثيين والإسلاميين إلى موقع الانخراط في لعبة الاستقطابات الحادة. إنها السيرة المُرّة التي سوف تقود حتما إلى غلق قوس الانتقال الديمقراطي. يختم الكاتب هذا الفصل بنص يُفرِدُهُ لانقلاب 25 تموز / يوليو الذي كان هو من أوائل معارضيه وأبرز قادة "مواطنون ضد الانقلاب".

إن الأهداف الاخيرة التي وقع نسيانها من طرف كل من حكموا وعارضوا بعد الثورة هي ما سوف يزرع بذور شجرة الزقوم الشعبوية التي ستتحالف مع أعداء الثورة والديمقراطية في الداخل والخارج وسوف توقف في أول انقلاب تشهده تونس مسار انتقال ديمقراطي متعثّر وعليل.
يرسم الكاتب في الفصل الثاني من الكتاب  ملامح ما يعتبره مشروع ورؤية متكاملة في تمثُّل السياسة. سيكون لقارئ هذا الفصل فرصة لاستعادة الحدث السياسي التونسي منذ خيبة انتخابات 1999 حتى خيبة إيقاف المسار الديمقراطي  في تموز / يوليو 2021.  ينتهي هذا الفصل بقسم حزين يرسم فيه الكاتب لوحة قاتمة لمآلات الثورة ويقرعُ فيه أجراسا تُنذرُ بإغلاق الفُسحة الديمقراطية. لقد كان التوافق المغشوش بين النهضة ونداء تونس، و بشروط النظام القديم، مجرد "رماد تسووِي" بلا مكاسب اجتماعية وبضرائب وطنية وأخلاقية باهضة.

يرى المؤلف أن راشد الغنوشي  الذي اختار التسوية مع هذه المنظومة المتصدّعة، أملا في إنجاز الانتقال الديمقراطي معها، قد خسر الكثير رمزيا مقابل مواصلة شقوق النظام  "القديم" جرجرته الي  ارضيتها. برغم أنه من الصعب الحديث عن "النظام" بنفس خصائصه التي كانت تميزه قبل 14 يناير 2011 إلا أن تحليل طبيعة  "نداء تونس" وطبيعة مشتقاته، بما في ذلك "مشروع تونس"، ومُموّليه وأذرعه الإعلامية والأكاديمية تجعلنا  نتأكّد من أنه "النظام" ولكن مُتصدّعا ومُرسكلا.

عجزت هذه البقايا والشقوق التي كانت تُؤلف نظام بن علي عن استيعاب وتقبّل الثقافة الديمقراطية وواصلت في سلوك الانغلاق والهيمنة والاقصاء. والاخطر من هذا هو ممارسة التكتيك المخاتل وذلك بركوب ظهر "الثورة" و"الدستور" و"الحريات المكتسبة".

يرى الكاتب  أن خطيئة  الطبقة السياسية التي عارضت بن علي  بعد الثورة هي  تحالف شق منها مع بقايا النظام على قاعدة العداء للاسلاميين او توافق الشق الآخر  مع نفس  البقايا أملا في انجاح الانتقال الديمقراطي. هكذا خسر المتحالف والمتوافق رصيده الرمزي دون أن يتخلص "القديم" من فساده وروحه الاستبدادية. يُلِحُّ الكاتب على أن نقده للتوافق المغشوش لا يعني أبدا أنه ضد التوافق، بل على العكس من ذلك، هو لا يرى مخرجا للبلاد إلا عبر توافقات وتسويات تاريخية حقيقية على أرضية القبول المشترك بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية وإنصاف الضحايا ومحاسبة المخطئين وضمان التنمية المتوازنة.

إن الأهداف الاخيرة التي وقع نسيانها من طرف كل من حكموا وعارضوا بعد الثورة هي ما سوف يزرع بذور شجرة الزقوم الشعبوية التي ستتحالف مع أعداء الثورة والديمقراطية في الداخل والخارج وسوف توقف في أول انقلاب تشهده تونس مسار انتقال ديمقراطي متعثّر وعليل.

إن الكتاب يرسم سيرة جيل عربي كامل تربى على مفردات "الهزيمة" و"النكسة" و"الاحتلال" و" الخيبة". غير أن  ما يجعل الخيبة أقل أثرا هو أن الكتاب يظيف لها الوعي بها.