إن الإيمان بالقدر هو أحد أعظم أركان
العقيدة الإسلامية وأعمقها أثراً في بناء شخصية المسلم وتشكيل رؤيته للكون والحياة
والإنسان. وقد ظل هذا الركن عبر التاريخ الإسلامي ميداناً لجدل واسع بين الفرق
الكلامية والمدارس الفلسفية، حتى غلب في بعض المراحل الطابع النظري على حساب
المقصد الإيماني والتربوي الذي أراده القرآن الكريم والسنة النبوية.
ومن هنا تأتي أهمية
كتاب "الإيمان بالقدر" للدكتور علي محمد الصلابي ضمن سلسلة أركان الإيمان، فهو يسعى إلى إعادة هذا الركن
إلى منبعه الأول، وتحريره من التعقيدات الكلامية، وربطه بوظيفته الأصلية في صناعة
اليقين والسكينة والعمل بما يرضي الله عز وجل. وإن هذا الكتاب في جوهره هو مشروع
نهضوي يربط الإيمان بالقدر بحركة الإنسان في الحياة وبمسؤوليته أمام الله والتاريخ.
ولعل أبرز ما يميز هذا الكتاب أنه يعالج
إشكالية قديمة ومتجددة في آن واحد: كيف يجمع المسلم بين إيمانه الكامل بأن الله
قدّر كل شيء وكتبه، وبين مسؤوليته الكاملة عن اختياراته وأفعاله؟ وكيف يتحول
الإيمان بالقدر من مسبب للجمود والفشل عند البعض إلى حافز للعمل والنهوض والعطاء؟
أولاً ـ القدر بين صفاء الوحي وتعقيدات
الجدل الكلامي
1 ـ جذور الإشكال الكلامي
لم تكن مسألة
القضاء والقدر في صدر الإسلام
موضعَ جدل، فقد كان الصحابة الكرام رضوان الله عليهم يفهمون القدر فهماً فطرياً
سليماً قوامه الجمع بين التوكل والعمل. غير أن دخول الفلسفة اليونانية وامتزاجها
بالفكر الإسلامي في القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي أفضى إلى نشوء مدارس
كلامية تتنازع في هذا الباب، فظهرت المعتزلة، فوسّعت دائرة الاختيار الإنساني إلى
حدٍّ أخرجت معه أفعال العباد عن عموم خلق الله ومشيئته الكونية، وفي الجهة الأخرى،
ظهرت الجبرية، فنفت عن الإنسان حقيقة الاختيار، وردّت أفعاله كلَّها إلى الجبر المحض،
حتى كاد الإنسان عندها يفقد معنى التكليف والمسؤولية.
مما يُحسَب للكتاب أنه لا يكتفي بالتنظير، وإنما يُلحّ على ربط كل مبدأ عقدي بسياقه الحياتي العملي، وهو منهج يُذكّر بنهج الإمام ابن القيم في كتبه، الذي كان يجمع في كل مسألة بين الدليل والتنزيل والحكمة والتربية.
وقد رصد الشيخ الدكتور علي محمد الصلابي هذا
المسار بعينٍ ناقدة، فرأى أن الخلل لم يكن في النصوص الشرعية، بل في محاولة إخضاع
مسائل الغيب والقدر لقوالب المنطق الفلسفي؛ إذ إن العقل البشري محدود بطبيعته،
والغيب أوسع من أن تحيط به المقدمات القياسية وحدها.
2 ـ شهادات كبار علماء الكلام
من أبرز ما يستوقف القارئ في الكتاب أن
المؤلف يستحضر شهادات عدد من كبار أئمة علم الكلام أنفسهم، الذين انتهوا في أواخر
حياتهم إلى الاعتراف بقصور مناهجهم. فالإمام أبو المعالي الجويني، الذي خاض في
المتاهات الكلامية عقودًا، قال في آخر حياته: "لقد خضت البحر الخضم، وتركت
أهل الإسلام وعلومهم وخضت في الذي نهوني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته
فالويل لفلان، وها أنا أموت على عقيدة أمي".
والإمام الفخر الرازي الذي ملأ الدنيا
بالمباحث العقلية يقول في آخر كتبه: " لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج
الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلًا ولا تروي غليلًا، ووجدت أقرب الطرق طريقة القرآن،
اقرأ في الإثبات ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5] ﴿إِلَيْهِ
يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: 10] وأقرأ في النفي ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ
عِلْمًا﴾ [طه: 110] ومن جرّب مثل تجريبتي
عرف مثل معرفتي".
ومثل هذه الشهادات العلمائية هي نتيجة تجربة
فكرية طويلة دلّت على أن المنهج القرآني في الجمع بين الإيمان بالقدر وإثبات
المسؤولية الإنسانية هو الطريق الأسلم والأحكم. ولهذا يستند الشيخ الدكتور علي
الصلابي إلى هذه الشهادات لتأكيد أن الرجوع إلى القرآن هو أعلى مراتب المنطق
والعقلانية.
3 ـ منهج السلف: العقل في موضعه الصحيح
يؤكد الكتاب أن منهج السلف الصالح في باب
القدر لم يكن إلغاءً للعقل، وإنما وضعاً له في موضعه الصحيح. فالعقل في التصور
الإسلامي أداة للفهم والاستدلال، ولا حاكمٌ على الغيب ومشرّع له. وقد كان السلف
يؤمنون بالقدر من غير تكلف في تفسير كيفيته، ويمتنعون عن الخوض في أسئلة يعلمون أن
جوابها لا يُدرك في هذه الدنيا. قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ
بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ
عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: 36)
ثانياً ـ القدر بوصفه امتدادًا للتوحيد
1 ـ القدر ركيزة في بناء التوحيد
من أعمق الأفكار التي يقدمها الكتاب أن
الإيمان بالقدر ليس بابًا مستقلًا معزولًا في العقيدة، بل هو الامتداد الطبيعي
للإيمان بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى. فحين يقول المسلم: الله عليم، فلا بد أن
يؤمن بأن علمه محيط بكل شيء كان وسيكون. وحين يقول: الله قدير، فلا بد أن يؤمن بأن
قدرته نافذة في الكون كله. وحين يقول: الله حكيم، فلا بد أن يؤمن بأن ما يجري في
الكون لا يخلو من حكمة بالغة وإن خفيت عليه. وقد عبّر ابن القيم رحمه الله عن هذه
الصلة العضوية بقوله: "الإيمان بالقدر نظام التوحيد، فمن لم يؤمن بالقدر فقد
قدح في توحيده". وإن هذا المعنى العميق يجعل الإيمان بالقدر شرطًا لاكتمال
التوحيد. فالمسلم الذي لا يؤمن بأن الله يعلم كل شيء ويُدبّر أمر الكون، إيمانه
بربوبية الله ناقص في الحقيقة.
2 ـ مراتب القدر الأربع وعلاقتها بالتوحيد
يشرح الكتاب أن الإيمان بالقدر يقوم على
أربع مراتب متلازمة، وكل مرتبة تُعمّق صلة العبد بربه:
ـ المرتبة الأولى: الإيمان بعلم الله المحيط
بكل شيء، ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون. وهذا مدعوم بقوله تعالى:
﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي
الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (الأنعام: 59)
ـ المرتبة
الثانية: الإيمان بأن الله كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء قبل خلق السموات
والأرض بخمسين ألف سنة، كما أخبر النبي ﷺ: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن
يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة" (رواه مسلم)
ـ المرتبة الثالثة: الإيمان بأن مشيئة الله
نافذة لا يكون في ملكه ما لا يريد، وأن كل ما في الكون واقع بإرادته سبحانه.
ـ المرتبة الرابعة: الإيمان بأن الله خالق كل شيء، وأن
أفعال العباد وإن كانت باختيارهم إلا أن الله خلقها وأوجدها. وهذه المرتبة تقطع
شجرة الشرك من جذورها، إذ لا خالق إلا الله.
3 ـ من الجدل حول الإرادة إلى حقيقة
العبودية
يُبيّن الصلابي أن النقلة الحقيقية التي
يُحدثها الإيمان الصحيح بالقدر هي تحويل السؤال من: هل أنا حر أم مجبر؟ إلى سؤال
أعمق وأجدى: كيف أكون عبدًا كاملًا لله؟ فالعبودية لله هي القيمة العليا في التصور
الإسلامي، وهي لا تتحقق إلا بالجمع بين الإذعان لقضائه والنهوض بأمانة التكليف.
ثالثاً ـ القصص القرآني وبناء الوعي بالقدر
1 ـ القصة القرآنية: أداة تربوية لا مجرد
سرد تاريخي
يُميز الكتاب بين طريقتين في فهم القصص
القرآني: طريقة الاستمتاع بالسرد التاريخي، وطريقة استخلاص الدروس والسنن.
والطريقة الثانية هي التي يدعو إليها القرآن ذاته: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي
قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ (يوسف: 111)
ويستثمر الشيخ الدكتور علي الصلابي في بحر
القصص القرآني استثماراً عقدياً نادراً، إذ يُقرأ كل قصة بوصفها نموذجاً حياً
لكيفية عمل القدر في حياة البشر.
2 ـ يوسف عليه السلام: القدر يُحوّل المحنة
إلى منحة
سيرة يوسف عليه السلام من أكثر السير إثارةً
لتساؤلات حول القدر والحكمة. فهو طفل يُلقيه إخوته في غيابة الجب، ثم يُباع عبداً،
ثم يُسجن ظلماً عدة سنوات، ومن ثم يخرج ليصبح عزيز مصر. ولو أن أحداً رصد مسيرته
في أيٍّ من محطاتها المؤلمة لقال: هذا إنسان نهايته الهلاك. ولكن القدر الإلهي كان
يرسم بالمحن طريق المجد. وقد عبّر يوسف عليه السلام عن هذا الفهم العميق بعد أن
جمعه الله بأهله: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ
أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (يوسف: 90)
ويُلفت الكتاب الانتباه إلى تفصيل دقيق، وهو
أن يوسف عليه السلام في كل مرحلة من محنه كان يأخذ بالأسباب ولا يستسلم؛ طلب من
رفيقه في السجن أن يذكره عند الملك، وتعلّم تأويل الأحلام، وعرض خطة إنقاذ مصر من
المجاعة. فالتوكل على القدر لم يمنعه من الحركة والاجتهاد.
3 ـ موسى عليه السلام: القدر يصنع الأحداث
من الأسباب الصغيرة
قصة موسى عليه السلام مليئة بالمفارقات
العجيبة: طفل مهدَّد بالقتل يُنجيه الله على يد فرعون نفسه الذي أصدر أمر القتل،
وأم خائفة تُلهَم بإلقاء وليدها في النهر فيكون في ذلك نجاته. وهنا يُبرز الكتاب
درسًا محوريًا: أن أقدار الله كثيرًا ما تعمل عبر أسباب تبدو عادية أو حتى مخيفة.
وقد قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا
خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا
رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (القصص: 7)
ويُنبّه الصلابي إلى أن وعد الله في هذه
الآية جاء مع الأمر بالسبب؛ فالله لم يقل لأم موسى: لا تفعلي شيئًا وسأحفظه. بل
أمرها بفعل إيجابي مخيف ظاهرًا، ثم أعقبه بالوعد. وهذا النموذج يمثل في أعلى صوره
الجمع بين التوكل على الله والأخذ بالأسباب.
4 ـ مريم عليها السلام: القدر يعمل خارج
حدود المألوف
قصة مريم عليها السلام تكشف أن القدر الإلهي
غير محدود بالأسباب المادية المعتادة؛ فولادة عيسى عليه السلام من غير أب خرق صريح
لسنة كونية مادية، لكنه خضوع تام لسنة إلهية أعلى: أن الله إذا أراد أمرًا قال له
كن فيكون. وقد قال تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ
يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ (آل عمران:
47). ولهذا يُؤكد الكتاب أن الإيمان بالقدر يُربّي في المسلم سعة الأفق وعدم
الاستعجال، لأن المؤمن يعلم أن الله قادر على تغيير الأحوال بأسباب لا يتصورها
البشر.
رابعاً ـ الإيمان بالقدر وفقه الأخذ
بالأسباب
1 ـ الانحرافان التاريخيان وخطورتهما
يُشخّص الكتاب بدقة انحرافين تاريخيين أضرّا
بالأمة الإسلامية:
ـ الانحراف الأول، هو التواكل والاحتجاج
بالقدر على ترك العمل. وهذا الانحراف ظهر في صور متعددة: سياسية كالاستسلام
للهزيمة باسم القدر، وفردية كإهمال التداوي والسعي في الرزق بدعوى أن الرزق مقدّر.
وقد رد النبي ﷺ على من سأله: أنترك التداوي وندع القدر؟ قائلًا: " تداووا عباد الله، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له
دواءً، إلا داءً واحدًا: الهرم" (رواه أبو داود والترمذي)
ـ الانحراف الثاني، هو الاغترار بالأسباب وغفلة القلب عن
المسبّب. وظهر هذا الانحراف في صورة إيمان مادي بالقانون السببي المادي كافياً
بذاته، وكأن الطب يشفي لا الله، وكأن السلاح ينتصر لا إذن الله. وكلا الانحرافين
إفساد للتوحيد: الأول يلغي سنة الله في الأسباب، والثاني يُشرك الأسباب مع الله.
2 ـ النموذج القرآني: ذو القرنين
يُقدّم الكتاب ذا القرنين نموذجاً فريداً
للجمع بين التوكل والأخذ بالأسباب. فهو رجل مكّنه الله في الأرض، ومكّن له في كل
شيء. وفي بناء السد ضد يأجوج ومأجوج نجد صورة نادرة لقائد يجمع بين الإيمان المطلق
بالله والاستثمار الكامل لكل الموارد المتاحة: الحديد والنحاس والعمال والتنظيم.
وجاء في قول الله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي
بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ (الكهف: 95)
ولاحظ الشيخ الدكتور علي الصلابي دقة
التعبير القرآني، إذ قال ذو القرنين "ما مكنّي فيه ربي خير" قبل أن يطلب
المعاونة والأسباب، فالتوحيد أولًا ثم الأخذ بالأسباب. وبعد إتمام البناء قال: "هذا
رحمة من ربي"، فردّ الفضل كله لله لا للأسباب.
3 ـ التوكل الصحيح في السنة النبوية
ولعل أبرز ما يستشهد به الكتاب في هذا الباب
الحوار الشهير بين النبي ﷺ وصاحب الناقة حين قال له: "يا رسول الله، أأعقلها وأتوكل أم
أطلقها وأتوكل؟ قال: اعقلها وتوكل" (رواه الترمذي)
وهذا الحديث يُلخّص المنهج الإسلامي كله في
العلاقة بين الأسباب والتوكل: الأسباب واجبة الأخذ، والتوكل واجب القلب، ولا تناقض
بينهما.
خامساً ـ الهداية والضلال ومسؤولية الإنسان
1 ـ الحجة البالغة: الله لا يظلم أحداً
يعالج الكتاب إشكالًا عقديًا من أدق
الإشكالات: إذا كان الله قد قدّر الهداية لبعض وقدّر الضلال لآخرين، فكيف يكون
العذاب عادلًا؟ والجواب الذي يقدمه الكتاب مستندًا إلى القرآن الكريم قائم على
فكرة "الحجة البالغة"، أي أن الله أتمّ الحجة على الإنسان من كل وجه. قال
تعالى: ﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى
اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (النساء: 165). فالله تعالى بعث الرسل، وأنزل
الكتب، وفطر الإنسان على معرفة الحق، وبثّ في الكون آيات لا تُحصى تدل على الخالق.
فالمحتج يوم القيامة بالقدر لا يُقبَل منه، لأن الحجة قد بلغته من كل جهة.
الإيمان بالقدر في نهاية المطاف ليس عذراً لمن أخفق، ولا مسكّناً لمن تعب، ولكنه يعتبر سلاح الشجاع الذي يمضي في طريقه وفي قلبه يقين أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الله معه ما استقام على أمره.
2 ـ الاستعداد الفطري: القلب ميدان الاختيار
يُقرّر الكتاب أن الإنسان يولد على الفطرة
السليمة المستعدة للقبول. ومن ثم يأتي دور الاختيار الحقيقي: هل يُزكّي الإنسان
نفسه ويُقبل على أسباب الهداية، أم يُدسّيها ويُعرض؟ ومن هنا يفهم القارئ أن القدر
الإلهي المتعلق بالهداية والضلال لا يعمل في فراغ، وإنما يعمل في تفاعل مستمر مع
اختيار الإنسان. فالله يهدي من يريد الهداية، ويُضل من يُعرض عنها ويختار الضلال.
وقد قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا - وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾
(الشمس: 9-10)
3 ـ أسباب الهداية: العلم وصدق الطلب
يُعدّد الكتاب أسباباً عملية للهداية
يُدركها كل ذي لب: الإقبال على القرآن تلاوةً وتدبرا، والدعاء الصادق بطلب
الهداية، ومجالسة الصالحين والعلماء، والتأمل في آيات الله الكونية، والعمل بما
عُلم فيُفتح له ما لم يعلم. ويُقابل ذلك أسباب الضلال: الغفلة والغرور والاستمرار
في المعصية والاستكبار عن الحق.
سادساً ـ الحكمة الإلهية والعدل الرباني في
حركة الحياة
1 ـ الشر النسبي وغياب الشر المطلق
يطرح الكتاب إحدى أعمق المسائل الفلسفية:
مسألة الشر. فكيف يكون الله حكيمًا عادلًا وفي الكون بلاء وألم وموت ومصائب؟
والجواب الذي يُقدمه الكتاب مستمَد من القرآن الكريم: أن الشر المطلق لا وجود له
في خلق الله، وإنما هناك شر نسبي يعود في أغلبه إلى فساد الإنسان وظلمه لنفسه. قال
تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي
النَّاسِ﴾ (الروم: 41)
2 ـ قصة صاحب الجنتين: أثر الغرور في هدم
النعمة
ومن النماذج القرآنية التي يستحضرها الكتاب
قصة صاحبَي الجنتين في سورة الكهف؛ إذ يُمثّل أحدهما صورة الإنسان الذي أسدل نعمة
الله بالغرور والجحود، فكان جزاؤه في الدنيا قبل الآخرة. والدرس هنا أن السنة
الإلهية ثابتة: النعمة مشروطة بالشكر، والكفر بالنعمة يُعجّل سلبها. قال تعالى:
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا
رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا
اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ (النحل: 112)
3 ـ حسن الظن بالله: ثمرة الإيمان بحكمته
ينتهي هذا المحور إلى فكرة جوهرية: أن
الإيمان بحكمة الله يُفضي بالضرورة إلى حسن الظن به، وحسن الظن بالله ليس ترفًا
روحيًا بل هو عبادة عظيمة وثمرة من أعظم ثمار الإيمان. يقول الله تعالى في الحديث
القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء» (متفق عليه)
سابعاً ـ الأثر التربوي والحضاري للإيمان
بالقدر
1 ـ القدر يصنع شخصية استثنائية
يُوضح الكتاب بأمثلة من السيرة النبوية وسير
الصحابة كيف أن الإيمان العميق بالقدر كان المحرك الحقيقي لشجاعتهم النادرة. فالذي
يؤمن حقًا بأن أجله محدد وأن الرزق مقسوم لا يتردد لحظة في المواجهة. وقد كان
سيدنا عمر رضي الله عنه يقول حين أُخبر بوباء الطاعون في الشام وسُئل أتفر من قدر
الله: "نفر من قدر الله إلى قدر الله".
وهذه الكلمة الموجزة تُلخّص فقهاً كاملًا:
أن الاحتراز والأخذ بالأسباب هو هو القدر الذي تسير فيه، لا الهروب منه.
2 ـ الصبر والرضا: تحويل الألم إلى طاقة
يُفصّل الكتاب الفرق بين ثلاث درجات في
التعامل مع المصائب: الصبر، والرضا، والشكر. فالصبر واجب، والرضا فضيلة، والشكر
على المصيبة كمال. وهذا التدرج يُنتج إنسانًا لا يُهزم نفسيًا بالمصائب، بل يتحوّل
المصاب عنده إلى رافع لدرجته ومكفّر لذنوبه. وإن السر في ذلك أن المؤمن بالقدر لا
ينظر إلى المصيبة بمعزل عن سياقها الإيماني الأشمل. فهو يعلم أن الله لا يُقدّر
على المؤمن إلا ما يصلحه، وأن صغار المصائب في الدنيا عظام النجاة في الآخرة.
3 ـ القدر والحضارة: فقه السنن مفتاح النهضة
يصل الكتاب في هذا المحور إلى قمته الفكرية:
ربط الإيمان بالقدر بفقه السنن الكونية والتاريخية. ويُبيّن المؤلف أن الأمم ترتفع
وتنهض ليس بالصدفة ولا بمجرد الدعاء، بل بفهم السنن الإلهية التي تحكم التاريخ
والحضارات. وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ
يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11)
فهذه الآية الكريمة تعبر قانون كوني ثابت:
السببية في التغيير الحضاري تبدأ من الداخل لا من الخارج. والأمة التي لا تُغيّر
ما بنفسها من قيم وعزم وعلم وتنظيم لن تتغير أحوالها وإن ملأت السماء دعاءً.
ويُقدّم الشيخ الدكتور علي محمد الصلابي
تحليلاً تاريخياً لسقوط الأندلس وصعود الحضارة الأوروبية، ليبيّن أن الغرب لم ينهض
بسبب تخليه عن
الدين، بل نهض حين طبّق جزءًا من سنن الله الكونية في العلم والنظام
والعمل، وإن بقي محرومًا من سنن الله في القيم والروح. وفي المقابل تراجعت الأمة
الإسلامية حين أعرضت عن السنن الكونية التي أمرها الله بها.
في المحصلة، يُقدّم كتاب «الإيمان بالقدر»
للشيخ الدكتور علي محمد الصلابي رؤيةً تكامليةً عميقة تُعيد للإيمان بالقدر مكانته
الحقيقية في بناء الإنسان المسلم. ويستند هذا الكتاب على منهجية قرآنية محكمة على
أشد الشبهات المتعلقة بهذا الباب، ويُقدّم الإيمان بالقدر بوصفه مُعيناً لا ينضب
للقوة والنهضة والثقة بالله.
ولعل الرسالة الأعمق في الكتاب تتلخص في
معادلة رباعية، وهي: التسليم لله في ما لا يُدرك، والثقة بحكمته في ما يؤلم،
والأخذ بالأسباب في ما يُطاق، وفقه السنن في ما يُراد من نهضة وإصلاح. وإن هذه
المعادلة إن استوعبتها أمة أنتجت حضارة، وإن استوعبها فرد صنع حياة بمعنى الكلمة.
ومما يُحسَب للكتاب أنه لا يكتفي بالتنظير،
وإنما يُلحّ على ربط كل مبدأ عقدي بسياقه الحياتي العملي، وهو منهج يُذكّر بنهج
الإمام ابن القيم في كتبه، الذي كان يجمع في كل مسألة بين الدليل والتنزيل والحكمة
والتربية. فالإيمان بالقدر في نهاية المطاف ليس عذراً لمن أخفق، ولا مسكّناً لمن
تعب، ولكنه يعتبر سلاح الشجاع الذي يمضي في طريقه وفي قلبه يقين أن ما أصابه لم
يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الله معه ما استقام على أمره. وخلاصة
القول في قول القادر سبحانه وتعالى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ
لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة:
51).