في وقت تتسابق فيه شركات الصحة والطب
التجميلي والتكنولوجيا الحيوية لبيع وعود بإطالة العمر ومقاومة الشيخوخة، يأتي
كتاب الباحث في معهد الشيخوخة بجامعة أكسفورد شاول جاستن نيومان ليقلب الكثير من
المسلمات الشائعة حول أسرار طول العمر.
ففي كتابه "مُشَوِّه: تفنيد علم طول
العمر الحديث" "Morbid: Debunking Modern Longevity Science" يذهب نيومان
إلى أن جزءا كبيرا من العلم المتداول حول الشيخوخة والعيش لمئات السنين قائم على
بيانات مضللة وأخطاء في التوثيق، محذرا من صناعة ضخمة تستغل خوف الإنسان من الموت
والضعف الجسدي لتحقيق الأرباح.
ويناقش الكتاب، الذي وصف بأنه تفكيك جريء
لما يسمى "علوم طول العمر"، الروايات المنتشرة حول وجود تجمعات
استثنائية من المعمرين، وعلى رأسها أسطورة "المناطق الزرقاء" التي يقال
إنها مناطق جغرافية يعيش سكانها أعمارا أطول من المعدل العالمي بفضل أنماط حياة
خاصة.
ويشير نيومان إلى أن العديد من القصص
الشهيرة عن أطول البشر عمرا في العالم انهارت عند التدقيق في السجلات الرسمية،
مستشهدا بحالات لأشخاص أعلنت أعمارهم القياسية قبل أن تظهر لاحقا تناقضات في
وثائقهم أو معلوماتهم الشخصية.
ومن أبرز الأمثلة التي يناقشها حالة
الياباني جيرويمون كيمورا، الذي توفي عام 2013 عن عمر معلن بلغ 116 عاما، حيث أثار
الباحث تساؤلات حول دقة بعض سجلاته الشخصية، مشيرا إلى وجود اختلافات في الأسماء
وتواريخ الميلاد والبيانات العائلية. كما يتطرق إلى فضيحة الياباني سوجين كاتو،
الذي كان مسجلا على أنه تجاوز المئة عام، قبل أن يُكتشف أنه توفي منذ عقود وبقي
جثمانه في منزل عائلته بينما استمرت المطالبات المالية المرتبطة باسمه.
ويرى الكتاب أن المشكلة لا تقتصر على
الحالات الفردية، بل تمتد إلى قواعد البيانات السكانية نفسها، إذ يكشف عن وجود
آلاف الأشخاص المسجلين كمعمرين في بعض الدول رغم وفاتهم أو اختفائهم، ما يجعل بعض
الإحصاءات التي تقوم عليها أبحاث الشيخوخة محل شك.
كما يوجه نيومان نقدا حادا إلى صناعة
"المناطق الزرقاء"، التي تحولت من فكرة بحثية حول أنماط الحياة في مناطق
مثل أوكيناوا اليابانية وجزيرة إيكاريا اليونانية إلى علامة تجارية تبيع كتبا
وأنظمة غذائية ونمط حياة بوصفها مفاتيح سرية للخلود. ويعتبر أن هذه السوق تمثل
امتدادا لظاهرة أوسع تشمل شركات المكملات الغذائية والعلاجات التجريبية التي
تستثمر في رغبة البشر بالهروب من الشيخوخة.
ولا يقتصر نقد الكتاب، على رجال الأعمال، بل
يشمل أيضا بعض الممارسات داخل الأوساط العلمية، حيث يدعو إلى إعادة التركيز على
المنهج العلمي والتحقق من البيانات بدلا من الانسياق وراء القصص الجذابة والوعود
السريعة.
وفي خلاصته، لا يقدم نيومان وصفة سحرية
لإطالة العمر، بل يعود إلى توصيات أكثر بساطة: تجنب التدخين، تحسين الغذاء، الحركة
والنشاط، ودعم الأبحاث القابلة للتكرار. ويؤكد أن مواجهة الشيخوخة لا تكون عبر
أوهام "إكسير الشباب"، بل عبر علم أكثر صرامة وأقل خضوعا للتسويق
والخرافة.