قالت صحيفة "وول ستريت جورنال" إن الأضرار الهائلة التي تعرض لها
الاقتصاد الإيراني بعد الحرب التي شنها الاحتلال وأمريكا ضده، قد تدفعه إلى التفاوض بهدف تخفيف الأعباء الخانقة مع إمكانية تفاقم الأزمة جراء الحصار البحري المفروض عليه منذ بداية الأسبوع.
ورغم فداحة الخسائر التي قدرها مسؤولون إيرانيون، والتي تستلزم لإعادة إعماره نحو 270 مليار دولار، إلا أن صحيفة "التايمز" أكدت أن نظام طهران أثبت قدرته على الصمود خلال عقود من
العقوبات، حيث نوع اقتصاده بعيداً عن صادرات النفط وعمق علاقاته التجارية مع الصين.
وأشارت إلى أنه حتى قبل اندلاع الحرب، كانت العقوبات ضد إيران قد أدت إلى تضخم متصاعد وبطالة مرتفعة واحتجاجات غير مسبوقة، وقالت الصحيفة "اقتصاد المقاومة يمكنه امتصاص الصدمة، لكن الحصار الفعلي لمضيق هرمز لربما سيضعف بشكل كبير فعاليته".
ويقول مدير برنامج إيران في مجموعة الأزمات الدولية، علي واعظ، إن المواجهة كسرت "عتبة نفسية" طالما قامت على الاعتقاد بأن إيران، رغم أزماتها الاقتصادية، تبقى بلداً آمناً نسبياً، ويضيف أن هذا التحوّل أثر سلباً على رواد الأعمال والمستثمرين، وعلى قرارات التخطيط للمستقبل داخل البلاد.
اقتصاد تآكل فيه دخل الإيرانيين
وفقاً لإحصائيات تداولتها
وكالات إخبارية، فإن مسار الأزمة الاقتصادية لدى إيران يظهر في سوق الصرافة؛ فقبل الاتفاق النووي عام 2015، كان الدولار عند نحو 32 ألف ريال، ثم ارتفع مع عودة العقوبات الأميركية عام 2018 إلى قرابة 55 ألف ريال للدولار.
ونهاية 2022 وصل إلى حدود 430 ألف ريال للدولار، وفي 2025 دخل الريال مرحلة مليونية؛ ففي بداية كانون الأول/ ديسمبر اقترب الدولار من مليون و250 ألف ريال، ومع اتساع الاحتجاجات أواخر الشهر نفسه، ارتفع إلى نحو مليون و400 ألف ريال للدولار الواحد.
كما انعكس الانهيار في سلة غذاء الإيرانيين، حيث ارتفع رغيف الخبز من 8 آلاف و500 ريال للقطعة إلى 46 ألف ريال، أي بزيادة تقارب 440 بالمئة، كما أن زيادة الأجور عجزت عن احتواء موجة الغلاء، إذ لم ترتفع الرواتب إلّا بنحو 20 بالمئة خلال الأعوام الأخيرة.
اقتصاد هائل تحت ركام العقوبات
كان الاقتصاد الإيراني يُعد الأسرع نمواً في العالم مع إنتاج نفطي بلغ 6 ملايين برميل يومياً عام 1974، وتُعد البلاد مخزناً هائلاً بالموارد؛ فهي تملك 209 مليار برميل نفط، وثاني أكبر احتياطي غاز طبيعي عالمي، و3.8 مليار طن خام حديد، وقاعدة بشرية شابة ومتعلمة تزيد عن 93 مليون نسمة.
وفي عام 1977، صعدت إيران إلى المرتبة الثامنة عشرة عالمياً من حيث الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بالمرتبة التاسعة والعشرين عام 1960، وعُد اقتصادها آنذاك أكبر من اقتصاد تركيا بنحو 26 بالمئة، وأكبر من اقتصاد كوريا الجنوبية بنحو 65 بالمئة، وفق بيانات البنك الدولي.
إنتاجها النفطي نافس كبرى الدول
وفي منتصف السبعينيات، شهد قطاع النفط الإيراني ما يوصف بـ"عصره الذهبي"، حيث شكّل الإنتاج الإيراني نحو 10 بالمئة من الإمدادات العالمية. وبلغ الإنتاج ذروته عند نحو 6 ملايين برميل يومياً عام 1974.
وحينها، كان إنتاج إيران يعادل نحو 70 بالمئة من إنتاج السعودية، وهي أكبر منتجي أوبك، وكذلك أكثر من ثلاثة أضعاف إنتاج العراق، وفق منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، وهو ما ساهم في ترسيخ مكانتها كقوة نفطية عالمية قبل الثورة.
ورغم معاناة الاقتصاد الإيراني من بعض المشكلات الهيكلية قبل عام 1979، إلا أن طفرة النفط في سبعينيات القرن الماضي غطت على هذه الاختلالات، بحسب مهران كامرافا، أستاذ العلوم الحكومية في جامعة "جورجتاون – قطر".
"التقوقع نحو الداخل"
بحسب دراسة أجراها معهد "بروكنغز" الدولي، شهدت البنية الاقتصادية في إيران تحولاً جذرياً خلال الـ47 عاماً الماضية، فبينما اتسمت حقبة ما قبل عام 1979 بتطور صناعي سريع، إلا أن سياسات سلطة الثورة أدت إلى تغيير النموذج الاقتصادي "ليتقوقع نحو الداخل".
حيث قسم اقتصاد البلاد إلى 3 قطاعات، وهي "دولة، وخاص، وثالث تعاوني بين الاثنين"، مع هيمنة واضحة للدولة التي أممت المصارف والصناعات الكبرى وشركة النفط الوطنية الإيرانية،، فيما تراجعت حصة الفرد من عائدات النفط من 5000 دولار في السبعينيات إلى عُشر هذه القيمة بحلول عام 2018.
وعلى مر عقود، قيد الاقتصاد الإيراني جراء العقوبات والعزلة الدولية، كما أدت الحرب مع العراق (1980-1988) إلى خسائر اقتصادية قُدرت بنحو 500 مليار دولار، مما عمّق الارتهان لقطاع النفط الذي بات يشكل نحو 80 بالمئة من الدخل الحكومي في فترات معينة، بحسب الدراسة نفسها.
كبير محللي الاقتصادات الناشئة في "بلومبرغ إيكونوميكس" زياد داوود، أكد أن الاعتماد المفرط على النفط جعل الاقتصاد الإيراني شديد الحساسية للصدمات الخارجية، سواء كانت عقوبات أو اضطرابات جيوسياسية، وهو ما أضعف قدرته على بناء قاعدة إنتاجية متنوعة قادرة على امتصاص التقلبات.
كم خسرت إيران جراء العقوبات؟
كلفت العقوبات المفروضة على إيران خسائر باهضة، فبين 2012 و2013 انكمش الناتج المحلي بأكثر من 5 بالمئة، وتراجع الريال 48 بالمئة، كما وتجاوز التضخم 30 بالمئة. ومع تخفيف العقوبات بعد الاتفاق النووي، نما الاقتصاد 4.8 بالمئة بين 2015 و2018.
لكن بعد 2018 وحتى 2025 عاد الانكماش وارتفع التضخم إلى 36.2 بالمئة، فيما فقد الريال أكثر من 90 بالمئة من قيمته مقابل الدولار، حيث بلغت العقوبات ذروتها بعد انسحاب ترامب من الاتفاق النووي وإطلاق سياسة "الضغط القصوى".
ما مقومات إيران الاقتصادية للنهوض؟
عملت إيران على على مدى أكثر من أربعة عقود بناء ما تُسميه "اقتصاد المقاومة"، وهو نموذج صُمّم لتحمّل الصراعات والعقوبات والضغوط، حيث تزدهر لديها صناعة منتجات تكافح لاستيرادها، بما في ذلك الأدوية وقطع غيار السيارات والأجهزة المنزلية.
كما وتنتشر مئات محطات توليد الطاقة التابعة لها في أنحاء البلاد، بهدف جعل تدمير الشبكة أكثر صعوبة. كذلك تعتمد طهران على نظام المقايضة للالتفاف على العقوبات، من خلال تصدير النفط مقابل الغذاء والآلات.
هذا النموذج، الذي ساهم في بقاء النظام فيما يواجه حالياً اختباراً حاسماً، بحسب صحيفة فايننشال تايمز، ورغم أعلان امريكا والاحتلال شن آلاف الضربات الجوية على إيران ذلك، يرى محللون أن هناك مؤشرات على أن "اقتصاد المقاومة" لا يزال يؤدي الأدوار التي صُمّم من أجلها.
ورغم الغارات العنيفة، حرصت السلطات الإيرانية على إظهار قدر من الاستقرار، مؤكدةً عدم وجود نقص في السلع الأساسية، ولا تزال رفوف المتاجر ممتلئة، مع توفر واسع للمنتجات الطازجة. كما ساهم تطبيق نظام تقنين البنزين لفترة محدودة في استقرار الإمدادات.
قاعدة صناعية ممتدة منذ عهد الشاه
وقال جواد صالحي-إصفهاني، الاقتصادي المولود في إيران لدى جامعة فيرغينيا تك، إن الصناعة الإيرانية قادرة على "التحول بمرونة من السلع المستوردة إلى المحلية، وأضاف لصحيفة فايننشال تايمز أن "ما يميز إيران عن جيرانها في الخليج هو امتلاكها قاعدة صناعية ممتدة منذ عهد الشاه".
من جهته، قال مؤسس مركز أبحاث "بورس آند بازار"، إسفنديار باتمانغليج إن الاقتصاد الإيراني لا يعتمد حصراً على النفط، ويمكنه تحقيق نحو ملياري دولاراً شهرياً من صادرات منتجات مثل المعادن والكيماويات والمواد الغذائية لتعويض جزء من العائدات.
وأضاف "شريان الحياة للاقتصاد الإيراني ليس صادرات النفط"، موضحاً أنه "حتى في حال توقف تجارة النفط بالكامل، يمكن لإيران بشكل حذر الحفاظ على صادراتها عبر المنافذ الجمركية الأخرى، طالما توفرت المخزونات اللازمة لاستمرار الإنتاج".
حتى اللحظة، واصلت الدولة دفع رواتب الموظفين الحكوميين والمكافآت السنوية، رغم بعض الاضطرابات الناجمة عن هجمات سيبرانية استهدفت النظام المصرفي الإيراني، كما لم تشهد أسعار الغذاء تقلبات حادة كما في الأشهر الماضية.
أكثر من 12 مليون وظيفة مهددة
رجح تقرير الـ"وول ستريت جورنال" أن يؤدي الحصار الأمريكي للموانئ الإيرانية إلى مزيد من الضغط على ميزانية البلاد، وسيكلف إيران نحو 435 مليون دولار يوميا، بما في ذلك 276 مليون دولار من خسائر الصادرات، معظمها من النفط الخام والبتروكيماويات.
كما أن النفط الإيراني الذي لا يمكن تصديره سيملأ خزانات التخزين في البلاد خلال أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، وهو ما قد يجبرها على إيقاف الإنتاج. وقال محللون إن توقف الإنتاج قد يضر الحقول النفطية ويقلل إنتاجها المستقبلي.
على صعيد آخر، سيصل عدد الوظائف المهددة إلى 12 مليون وظيفة، أي ما يقرب من نصف القوى العاملة في إيران. كما أن الاضطراب في قطاع الصلب وحده يهدد أكثر من 5.5 مليون وظيفة، إضافة إلى 1.2 مليون وظيفة أخرى في البتروكيماويات والأدوية.