شكلت
المضائق والممرات البحرية على مدار التاريخ شريان التجارة والطاقة، وكانت محور الصراع بين القوى الكبرى، سواء للاستيلاء على طرق التجارة أو لضمان أمن الطاقة.
يواجه العالم اليوم تحديات مماثلة، مع تصاعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على
إيران والتهديدات المباشرة للممرات البحرية الحيوية وبالتحديد مضيق
هرمز، ما يعكس مخاطر حقيقية على حركة التجارة العالمية وأسعار النفط.
ولم يقتصر التهديد على المضيق الذي يمر منه 20 بالمئة من مصادر الطاقة العالمية٬ بل باتت مضائق آخرى قاب قوسين من الدخول في قلب الصراع.
يشتهر مضيق باب المندب بـ«بوابة الدموع»، ويقع في الطرف الجنوبي للبحر الأحمر، بين اليمن من جهة، وجيبوتي وإريتريا في القرن الإفريقي من جهة أخرى، بطول نحو 100 كيلومتر وعرض 30 كيلومتراً.
ويعتبر حلقة وصل استراتيجية بين أوروبا وآسيا، حيث تمر ناقلات النفط وسفن الشحن القادمة من الخليج إلى قناة السويس، ومن ثم البحر المتوسط.
أعلن قيادي في جماعة الحوثي اليمنية الموالية لإيران٬ لوكالة "رويترز" الجمعة٬ أن "نحن في أتم الجاهزية العسكرية وبكافة الخيارات، أما التفاصيل المتعلقة بتحديد ساعة الصفر فهي متروكة للقيادة". في إشارة إلى عودة استهداف السفن الأمريكية والإسرائيلية والدول الداعمة لهم.
وأضاف: "حتى الآن، إيران تبلي بلاء حسناً ولا تزال تنكّل بالعدو كل يوم والمعركة تسير في مصلحة إيران. وإذا استجد شيء بعكس هذا عندها يمكن تقدير الموقف".
تؤكد هذه التصريحات استعداد الحوثيين لأي تحرك عسكري بالتنسيق مع طهران، ما يزيد تعقيد الأزمة في قطاعي النفط والاقتصاد العالمي.
تشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن 12% من شحنات النفط العالمية عبرت المضيق في النصف الأول من عام 2023، لكن هذا الرقم انخفض إلى أقل من نصفه في النصف الأول من 2025 بعد هجمات الحوثيين٬ على السفن الإسرائيلية والدول التي تدعمها في إطار حرب الإسناد للمقاومة الفلسطينية في غزة٬ بعد حرب الإبادة التي مارسها الاحتلال بعد تشرين الأول/أكتوبر 2023.
ومع إغلاق مضيق هرمز جزئيا، تضاعفت الصادرات النفطية عبر ميناء ينبع السعودي لتصل إلى نحو أربعة ملايين برميل يومياً وفق مجموعة ريستاد إنرجي للأبحاث.
ويذكر أن الولايات المتحدة وفرنسا تمتلكان قواعد عسكرية في جيبوتي، فيما افتتحت الصين عام 2017 أول قاعدة لها هناك.
مضيق هرمز.. لب الصراع العالمي
يمثل مضيق هرمز شريانا حيويا للطاقة العالمية، حيث يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي٬ وقد أعلنت طهران السيطرة عليه والتحكم فيه ردا على العدوان الأمريكي الإسرائيلي.
وفي الخميس٬ أعلن رئيس لجنة الإعمار في البرلمان الإيراني محمد رضا رضائي كوجي٬ أن البرلمان يبحث مشروع قانون "يرسّخ السيادة والإشراف الإيرانيين على مضيق هرمز بشكل قانوني، مع فرض رسوم على السفن مقابل مرورها الآمن، واستفادة إيران من ذلك كمصدر دخل جديد".
وأكد أن مسودة المشروع أعدت بالتعاون مع النائبة عن طهران سمية رفيعي، وسيتم عرضها على مركز أبحاث البرلمان لاستكمال الجوانب القانونية قبل تقديمها رسميًا.
في المقابل، نقلت وكالة "أسوشييتد برس" الخميس٬ عن الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم محمد البديوي اتهام إيران بفرض رسوم على السفن مقابل مرور آمن، في خطوة غير مسبوقة، ما يعكس تصاعد التوتر السياسي والاقتصادي في المنطقة.
قناة السويس.. شريان التجارة
تُعد قناة السويس من أهم الممرات المائية العالمية، فهي الرابط الحيوي بين البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، وما يجعلها محورية أنها تقصّر المسافة بين أوروبا وآسيا بما يزيد على 7 آلاف كيلومتر مقارنة بالمسار حول رأس الرجاء الصالح في أفريقيا.
مرّت عبر القناة نحو 26 ألف سفينة عام 2023، وفق بيانات الهيئة الرسمية، قبل أن يتراجع الرقم إلى نحو 12,700 سفينة بحلول عام 2025 نتيجة الهجمات الحوثية على السفن التابعة للاحتلال الإسرائيلي في البحر الأحمر وبباب المندب، ما انعكس مباشرة على حركة الملاحة في قناة السويس وأدى إلى تأخيرات كبيرة في مرور السفن وتراجع حجم الشحنات العابرة.
تلعب قناة السويس دورًا استراتيجيًا في نقل النفط والغاز والبضائع بين الشرق والغرب، إذ تعتمد عليها دول العالم لتصدير واستيراد احتياجاتها الحيوية. وفي ظل التوترات الإقليمية مثل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، يصبح المضيق البحري وخط الملاحة إلى القناة هدفًا استراتيجيًا للتهديدات، ما يجعل حماية الملاحة عبرها أولوية قصوى للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومصر على حد سواء.
القناة ليست مجرد ممر تجاري، بل أداة جيوسياسية؛ فهي قادرة على التأثير مباشرة في أسعار النفط العالمية وحركة التجارة البحرية، كما تظهر التجارب الأخيرة، حيث ساهمت الهجمات الحوثية على السفن في البحر الأحمر وباب المندب في تعطيل مرور شحنات الطاقة وتقليص أعداد السفن العابرة، ما يعكس مدى حساسيتها وتأثيرها المباشر على الاقتصاد العالمي.
مضيق ملقا.. خطر الاختناق البحري
يمثل مضيق ملقا الرابط بين المحيطين الهندي والهادئ، ويقع بين ماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة. يمر عبره نحو 94 ألف سفينة سنوياً، بما يمثل 30 بالمئة من حجم التجارة العالمية، وثلثي تجارة الصين و80 بالمئة من وارداتها النفطية.
لكن الطبيعة الجغرافية للمضيق تزيد من المخاطر، إذ يحتاج العبور إلى تباطؤ السفن، مما يسهل صعود القراصنة. وأفاد المكتب البحري الدولي في تقرير كانون الثاني/يناير- أيول/سبتمبر 2025 بتسجيل 79 حادثة قرصنة، 45 منها في جنوب شرقي آسيا. كشف رئيس وزراء تايلندا سريثا ثافيسين في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 عن وقوع أكثر من 60 حادثًا بحريًا سنوياً.
لمواجهة التحديات المستقبلية، تعتزم تايلندا إنشاء "جسر بري" بطول 100 كيلومتر في أضيق جزء من شبه جزيرة الملايو، لنقل البضائع بالسكك الحديدية والطرق، وتخفيف الاعتماد على المضيق، مع توقع توفير 15% من تكلفة الشحن وتقليص مدة الرحلة بمتوسط أربعة أيام.
البوسفور والدردنيل.. شريان الغذاء
تسيطر تركيا على مضيقي البوسفور والدردنيل، اللذين يشكلان الممر الوحيد بين البحر الأسود والمتوسط. قبل الحرب الروسية على أوكرانيا، كانت أوكرانيا تصدر نحو 10 بالمئة من القمح و15 بالمئة من الذرة والشعير و50 بالمئة من زيت عباد الشمس عالميا.
ومع اندلاع الحرب، انخفضت الصادرات أكثر من 90 بالمئة، ما دفع الأمم المتحدة لإطلاق مبادرة الحبوب برعاية تركية لتأمين مرور الإمدادات الغذائية. ومنذ ذلك الحين، تم تصدير أكثر من 32 مليون طن من 3 موانئ أوكرانية إلى 45 دولة عبر ثلاث قارات.
إلا أن التحديات تتصاعد بسبب التيارات القوية وحوادث السفن، كما حدث في 26 كانون الأول/ديسمبر 2025، حين أُغلق مضيق البوسفور لساعات بعد تعطل محرك ناقلة نفط، قبل إعادة فتحه، ما يسلط الضوء على هشاشة الممرات البحرية الحيوية.
قناة بنما.. حلم ترامب
قناة بنما، بطول 82 كيلومتراً، تربط بين المحيطين الأطلسي والهادئ، وتتعامل مع نحو 3% من حجم التجارة البحرية العالمية و46% من حاويات الشحن بين شمال شرق آسيا والساحل الشرقي للولايات المتحدة. تمر السفن عبر بحيرة غاتون التي ترتفع نحو 26 متراً عن سطح البحر، وتتطلب عبور كل سفينة نحو 200 مليون لتر من المياه العذبة.
وفي 20 آذار/مارس 2026، أكد رئيس القناة ريكورتي فاسكيز أن القناة تعمل بأقصى طاقتها الاستيعابية، بعبور يومي من 36 إلى 38 سفينة، مع ارتفاع الطلب على ناقلات الغاز الطبيعي المسال نتيجة الحرب في الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في وقت سابق بمحاولة إعادة السيطرة على القناة، في حين شدد الرئيس البنمي خوسيه راؤول مولينو على أن "كل متر مربع من قناة بنما ملك لبنما وسيبقى كذلك... سيادة بلادنا واستقلالها غير قابلين للتفاوض".
تؤكد هذه الوقائع أن المضائق والممرات البحرية لم تعد مجرد نقاط عبور تجارية، بل أصبحت أدوات ضغط سياسي وعسكري واقتصادي، تشكل محور صراعات النفوذ الدولي.
من باب المندب إلى هرمز، ومن ملقا إلى البوسفور وقناة بنما، كل مضيق يحمل في طياته مخاطر وتأثيرات مباشرة على الاقتصاد العالمي، ويعيد رسم موازين القوى بين الدول الكبرى، في وقت تحاول فيه كل قوة حماية مصالحها وحركة التجارة والطاقة في مواجهة التوترات المستمرة.