هل تفلت قناة السويس من تبعات الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران؟

تراجع نحو 1.7 مليار دولار من الأموال الساخنة في يوم واحد- الأناضول
بالرغم من أن مصر ليست طرفا في الصراع العسكري الجاري بين دولة الاحتلال وأمريكا من جانب، وإيران من جانب آخر، إلا أن القاهرة التي لم تستقبل أية ضربات عسكرية ضمن موجة طالت طهران، ودول الخليج العربي، السبت والأحد، تعرضت لعدة أزمات شديدة التأثير على اقتصادها الذي يعاني أزمات هيكلية مزمنة وبنيوية خطيرة.

وبعد مرور ساعات قليلة من توجيه الجيش الأمريكي والإسرائيلي من 8 مناطق أكثر من 1000 ضربة عسكرية إلى المدن والمنشآت الإيرانية تأثرت حركة مرور السفن وناقلات النفط العالمية من قناة السويس، وسط أنباء عن تحول كبريات شركات النقل البحري إلى طريق "رأس الرجاء الصالح"، ورفع شركات التأمين أسعارها، وارتفاع أسعار الشحن البحري، الوضع الذي تفاقم بغلق إيران "مضيق هرمز" الذي يمر منه خمس إنتاج النفط العالمي.

الأمر الذي مس قطاع السياحة المصري بتوقف حركة الطيران مع العواصم العربية الخليجية، إلى جانب توقف إمدادات الغاز من دولة الاحتلال إلى مصر، وزيادة معدل هروب الأموال الساخنة من سوق الدين الحكومي -نحو 1.7 مليار دولار السبت وحده- واستمرار تراجع قيمة الجنيه مقابل الدولار، ما يجعل زيادة أسعار السلع في السوق المحلي أمرا لا مفر منه، خاصة مع أجواء تشير لعدم انفراج الأزمة قريبا.

ويتوقع خبراء امتداد زمن الحرب مع مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي وقادة عسكريين وسياسيين بينهم أمين مجلس الدفاع علي شمخاني، وقائد "الحرس الثوري" محمد باكبور، واتخاذ إيران إجراءات مضادة بإطلاق 500 صاروخ السبت، على دولة الاحتلال والسعودية والبحرين وقطر والإمارات والكويت والأردن، وكردستان العراق، ما يقابله إصرار أمريكي على تغيير نظام طهران، ومنع برنامجها النووي.

الهروب إلى رأس الرجاء

وفجرت الضربات الأمريكية الإسرائيلية على طهران، والرد الإيراني الذي طال 7 دول عربية مخاوف شركات الشحن العالمية من المرور بقناة السويس، ودفع بها للعودة إلى مساراتها القديمة عبر طريق "رأس الرجاء الصالح" للتحرك من وإلى أوروبا والشرق الأقصى.

وبعد شهر واحد من عودة الملاحة عبر قناة السويس بعد توقفها لأكثر من عامين، واستباقا للمواجهات العسكرية قررت، الجمعة، "ميرسك" الدنماركية، -ثاني أكبر شركة شحن عالميا- تحويل مسار خدماتها (ME11) و(MECL) من قناة السويس لـ"رأس الرجاء الصالح" بعد مواجهتها قيودا –لم تذكرها- ناتجة عن بيئة التشغيل بالبحر الأحمر، وفق "رويترز".

والأحد، علقت شركة "سي إم إيه سي جي إم" الفرنسية، -ثالث أكبر شركة شحن حاويات بالعالم- مرور سفنها من قناة السويس حتى إشعار آخر، وتوجيهها عبر "رأس الرجاء الصالح"، مطالبة الموجودة منها بالخليج العربي الاحتماء من الضربات العسكرية.

مضيق هرمز.. وتعميق الأزمة


وفي مؤشر أعمق على تفاقم أزمة سفن الشحن العالمي وتأثر قناة السويس بالأزمة، يأتي إعلان إيران منع المرور من مضيق هرمز، والذي أكدته شركة الاستشارات الأمنية "إيوس ريسك" بتلقي سفنا تحذيرا لاسلكيا من الحرس الثوري الإيراني يفيد بإغلاق المضيق، ما سبقه تعديل 3 سفن مسارها السبت، بعيدا عن الممر البحري الضيق.

وفي سياق الضغوط، رفعت شركات التأمين البحري السبت، أسعار التغطية للسفن العابرة للخليج العربي، ومضيق هرمز، بنسب تصل إلى 50 بالمئة، وفق صحيفة "فاينانشال تايمز".

ويؤكد محللون أنه حتى لو توقفت الحرب الجارية في غضون أيام؛ فإنه لن يتثنى لشركات الشحن العالمية العودة إلى مساراتها السابقة عبر البحر الأحمر والخليج العربي وقناة السويس إلا بعد نحو 3 أشهر، ما يقوض آمال حكومة القاهرة في تعافي إيرادات القناة وتحقيق بين 8 و9.2 مليار دولار، بعد تراجع في 2024 و2025 بسبب حرب الإبادة الدموية الإسرائيلية على قطاع غزة.

ويلفت البعض إلى احتمالات تفاقم أزمة المرور من قناة السويس وهروب أغلب سفن الشحن العالمية مع استمرار أمد الحرب ومشاركة قوى إقليمية أخرى به وخاصة مع احتمال استهداف "جماعة الحوثي" اليمنية للسفن الإسرائيلية والأمريكية بالبحر الأحمر، دعما لإيران، على غرار دعمها السابق للمقاومة الفلسطينية في 2024 و2025.

زيارة مودي.. وضغوط أعمق


وفي مقابل الضغوط التي تواجهها قناة السويس المصرية بسبب الصراع العسكري الإقليمي، جاءت زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، الأربعاء الماضي، إلى دولة الاحتلال، في حين كشفت تقارير عبرية عن خطط إسرائيلية لإنعاش "ممر بايدن" بين الهند ومرورا بالإمارات والسعودية والأردن وحتى دولة الاحتلال ومنها إلى أوروبا، كطريق بديل عن قناة السويس.


وكشف مقال بصحيفة "معاريف" الخميس الماضي، عن سعي أمريكي إسرائيلي لإرساء نظام إقليمي جديد بالشرق الأوسط، عبر خطة إنشاء "طريق حرير" جديد لمرور التجارة والطاقة والألياف وغيرها، الهند، بوابته الشرقية، ودولة الاحتلال بوابته الغربية إلى أوروبا، مؤكدا أن زيارة رئيس وزراء الهند لدولة الاحتلال، "بمثابة إعلان رسمي عن ترسيخ الجناح الشرقي للمحور"، الذي يأكل من رصيد قناة السويس من التجارة العالمية.

صدمة التصعيد وإعادة رسم خرائط التجارة

وحول تأثير الضربة الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران على قناة السويس، ووضعها في الملاحة البحرية العالمية، ومستقبلها في ظل توجهات إسرائيلية هندية إماراتية لتقديم البديل عن الممر المصري، تحدث الباحث في العلاقات الدولية محمد الصاوي، لـ"عربي21".

وقال: "لم تكن الضربات الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران حدثاً عسكرياً معزولاً، بل هزة ارتدادية مست أحد أهم أعصاب الاقتصاد العالمي: أمن الممرات البحرية، وفي القلب تقف قناة السويس، بوصفها شرياناً يمر عبره جزء معتبر من تجارة الحاويات والطاقة بين آسيا وأوروبا، وأي اضطراب في محيطها لا يُقرأ أمنياً فقط، بل يُقاس فوراً بلغة الأسواق والتأمين وسلاسل الإمداد".

ولفت إلى أن "تقارير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية عام 2024، تؤكد أن اضطرابات البحر الأحمر أدت لانخفاض كبير بعبور السفن وارتفاع تكاليف الشحن عالميا، مع تحوّل عدد من الخطوط الملاحية لطريق رأس الرجاء الصالح، كما أشار صندوق النقد الدولي في 2024، إلى أن الهجمات على الملاحة بالبحر الأحمر سببت تباطؤا ملموسا في التجارة العالمية".

وأشار إلى أن احتمال تكرار الأزمة مع "قيام شركات كبرى مثل ميرسك الدنماركية بتحويل مساراتها مؤقتاً تفادياً للمخاطر الأمنية"، ملمحا إلى تأثر إيرادات قناة السويس المصرية، مبينا أن "بيانات رسمية مصرية وتقارير وكالة (أسوشيتد برس) عام 2025، أظهرت تراجعاً حاداً في إيرادات القناة خلال فترات الاضطراب".

ويرى البحث المصري، أنه "في هذا الإطار، فإن أي تصعيد واسع مع إيران يرفع أقساط التأمين البحري، ويدفع الشركات إلى تغليب إدارة المخاطر على حساب الكفاءة الزمنية".

حدود البديل البحري

واستدرك: "غير أن التحويل عبر رأس الرجاء الصالح ليس حلاً اقتصادياً مستداماً؛ وتشير تحليلات البنك الدولي لعام 2024، إلى أن إطالة مسارات الشحن تؤثر سلباً على أداء الموانئ وسلاسل الإمداد، كما توضح بيانات وكالة الطاقة الدولية في 2024، أن اضطرابات البحر الأحمر أثرت على تدفقات النفط عبر قناة السويس وخط غاز (سوميد)، ما انعكس على أسواق الطاقة الأوروبية".

وألمح إلى ما نقلته "(لويدز ليست)، المجلة المتخصصة في شؤون الملاحة والنقل البحري في 2024، عن وكالة الطاقة الدولية من تقديرات بأن بعض تدفقات النفط عبر قناة السويس تراجعت بشكل ملحوظ خلال ذروة الهجمات، وهذه المؤشرات تعني أن استمرار التحويل مرتبط بمدى اتساع التصعيد زمنياً وجغرافياً، لا بوجود مسار بديل أكثر كفاءة".

تنافس الممرات لا إقصاء القناة

ويعتقد الصاوي، أن "التحول الأعمق يتمثل في اتجاه دولي نحو تنويع الممرات، فمشروع الممر الاقتصادي الهندي–الشرق أوسطي–الأوروبي الذي أُعلن عنه في قمة العشرين 2023 بدعم من البيت الأبيض يعكس سعياً لتقليل الاعتماد على نقاط الاختناق البحرية التقليدية".

وتابع: "لكن وفق تقديرات المؤسسات الدولية، فإن هذه المشاريع لا تزال في طور التأسيس، وتحتاج إلى استثمارات ضخمة واستقرار سياسي طويل الأمد، كما أنها لا تملك حتى الآن القدرة الاستيعابية أو الجاهزية اللوجستية التي تضاهي قناة السويس".


وخلص للقول: "الضربة  العسكرية ضد إيران قد تُحدث ضغطاً تكتيكياً على قناة السويس، لكنها لا تنزع عنها مركزيتها الجيوسياسية؛ فالمسألة ليست استبدال ممر بآخر، بل إعادة توزيع المخاطر ضمن نظام تجاري عالمي أكثر هشاشة، وعليه، تدخل قناة السويس مرحلة (تنافس الممرات) في سياق اقتصاد سياسي عالمي يسعى إلى تنويع الطرق، دون أن يجد حتى الآن بديلاً مكافئاً لشريان يختصر الجغرافيا ويحدد إيقاع التجارة الدولية".

ضغوط ومخاطر أخرى تعمق الأزمة

وبينما يتحدث الخبراء عن مخاطر المواجهات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، وتوسيع بؤرة الحرب لتصل دولا خليجية، على دخل قناة السويس، وبالتالي على الوضع المالي للبلد العربي الأفريقي الذي يعاني مع تداعيات ديون خارجية تفوق 163 مليار دولار،  يشيرون إلى أزمات أخرى تنضم لأزمة القناة وتفاقم ضغوط الاقتصاد المصري.

ومن تلك الضغوط التي تعرضت لها القاهرة، تلقيها السبت، إخطارا من تل أبيب غير محدد المدة بوقف توريد نحو 1.1 مليار قدم مكعب الغاز الطبيعي يوميا من حقلي "تمار" و"ليفياثان"، ما يدفع بالبلاد نحو أزمة جديدة متجددة بفعل ربط السلطات المصرية أمن الطاقة المصري بدولة الاحتلال، وخاصة مع تنفيذ الأخيرة بند "القوة القاهرة" المنصوص عليه في اتفاقية توريد الغاز الأخيرة.

ويجيء قرار الاحتلال منع إمدادات الغاز عن مصر بداية من الأحد، ليفاقم الضغوط المصرية خاصة مع ارتفاع الطلب العالمي وزيادة أسعار البترول والغاز، وحاجة القاهرة لاستيراد 130 شحنة غاز مُسال ومليون برميل نفط، في ظل معاناة العملة المحلية من ضغوط وتراجعات متسارعة مقابل الدولار الذي قد يلامس مستوى 49 جنيها الأيام المقبلة، وفق مراقبين.

وفي حين أعلنت وزارة البترول المصرية عن وجود بدائل لديها لتوفير الغاز لقطاع الكهرباء والصناعة وخاصة عبر  سفن التغويز التي استأجرتها العام الماضي، إلا أن سوابق أزمة حرب الـ12 يوما، بين دولة الاحتلال وإيران في حزيران /يونيو الماضي، تؤكد تأثر قطاعات حيوية مصرية وخاصة الصناعات كثيفة الاستهلاك للغاز.

في ذات السياق، تأثرت حركة السياحة المصرية إثر غلق أغلب دول الخليج العربي مجالها الجوي، الذي أوقف مؤقتا عودة مئات آلاف المصريين من الخليج لقضاء شهر رمضان وعيد الفطر ببلادهم، كما تأثرت حركة السفر إلى مصر، من الصين واليابان وجنوب شرق آسيا والتي تمر عبر دول الخليج، بذلك التصعيد العسكري.


وفي الوقت الذي تُصدر فيه السفارات الأجنبية تحذيرات سفر لمواطنيها إلى المنطقة ما يؤثر على منتجعات شرم الشيخ والغردقة، علقت شركة مصر للطيران، رحلاتها الجوية إلى 13 مدينة عربية هي: عمّان، وبيروت، والكويت، وأبوظبي، ودبي، والشارقة، والدوحة، والمنامة، ومسقط، والقصيم والدمام بالسعودية، وبغداد وأربيل بالعراق.

وعن البورصة المصرية، وبحسب محللين لنشرة "إنتربرايز"، فمن المنتظر أن "يتأثر السوق على المدى القصير بموجات بيع ناتجة عن المخاوف، مع خروج السيولة واتجاهها نحو ملاذات آمنة"، وذلك في توقيت قفزت فيه أسعار الذهب بالسوق المحلي بأكثر من 450 جنيها للجرام، السبت.