فيما يشهد الرأي العام
الإسرائيلي حالة من الرغبة بالانتقام الدموي من الفلسطينيين، وهو ما هيّأ الأجواء نحو التصويت على قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، لكن الدراسات تشير إلى أن هذه العقوبة قد تكون ضارة للاحتلال، ولا تردع
المقاومة، بل قد تُشجِّع على التجنيد في صفوفها، وتُستخدم كأداة دعائية، وتُزيد من مخاطر عمليات الخطف للضغط على الاحتلال.
الباحث في معهد سياسات مكافحة الإرهاب بجامعة رايخمان، أريئيل ماري، ذكر أن "هجوم حماس يوم الطوفان جعل طلب أعضاء الكنيست من الائتلاف الحاكم بإنزال عقوبة الإعدام بمنفذي العمليات المسلحة أمراً مفهوماً".
وأضاف ماري أن "الصدمة والألم يُثيران رغبةً بمعاقبة منفذي هذه الهجمات بشدة، بهدف منع وقوع المزيد منها بكل الوسائل الممكنة" مستدركا بالقول "مع ذلك، ففي مكافحة هذه الهجمات، كما في غيرها من مجالات السياسة العامة، من المهم تغليب التفكير العقلاني على الانفعال العاطفي".
وأوضح في مقال نشرته صحيفة
معاريف، وترجمته "عربي21" أن "دراسة متأنية للمسألة تُفضي إلى استنتاج مُقلق، ومفاده أن عقوبة الإعدام للأسرى الفلسطينيين لن تردع المنظمات الفلسطينية فحسب، بل قد تُلحق ضرراً حقيقياً بالجهود المبذولة لمكافحتها".
وبحسب الكاتب فإنه "بالرغم من أن الحجة الرئيسية المؤيدة لعقوبة الإعدام هي الردع، لكن الواقع والبحوث يرسمان صورة مختلفة، فحتى في مجال الجرائم العادية، يختلف علماء الإجرام حول ما إذا كانت عقوبة الإعدام رادعًا".
وأشار إلى أن "الدراسات العلمية لا تقدم دليلًا قاطعًا على أن عقوبة الإعدام تقلل من جرائم القتل، لكنها لا تستبعد تمامًا إمكانية الردع، أما العمليات المسلحة ذات الخلفية الوطنية القومية فهي مختلفة".
وتابع "يتصرف المنفذون بدوافع أيديولوجية، وشعور بالرسالة، وأحيانًا بدافع الاستعداد للموت، وتُظهر التجارب السابقة والبحوث الميدانية أن عقوبة الإعدام لا تردع المنظمات المسلحة، ويتضح هذا جليًا في حالة الهجمات (الانتحارية)".
وأوضح أنه "على مدى سنوات، دأبت المنظمات الفلسطينية على إرسال عناصرها لتنفيذ هجمات مع علمها المسبق بأنهم سيُقتلون خلالها، ولذلك من غير المتوقع أن تردع منظمة مستعدة لإرسال أعضائها للموت في هجوم مسلح احتمال إعدامهم بعد القبض عليهم".
وقال: "على العكس من ذلك، قد توفر عقوبة الإعدام للمنظمات أداة دعائية، إذ يُصوَّر المسلحون الذين يُعدمون كشهداء، مما قد يشجع على تجنيد المزيد من النشطاء".
وأشار إلى أنه: "علاوة على ذلك، قد تسبب عقوبة الإعدام مشاكل استراتيجية خطيرة لإسرائيل، فإذا حُكم على مسلح فلسطيني بالإعدام، فمن المرجح أن تحاول المنظمات الفلسطينية اختطاف إسرائيليين أو يهود حول العالم للمطالبة بإلغاء الحكم.
وسيُشكل هذا الوضع ضغطاً شعبياً هائلاً على الحكومة، وداخل (إسرائيل) التي أفرجت بالفعل عن مئات الأسرى الفلسطينيين مقابل إطلاق سراح رهائن، يصعب تصديق أن الحكومة ستكون قادرة على تنفيذ الإعدام عندما تكون حياة الرهائن مُعلقة عليه".
وختم بالقول إنه "على أية حال، ستكون نتيجة تنفيذ عقوبة الإعدام إشكالية على (إسرائيل)، فإذا رضخت للضغوط، وخففت العقوبة، سيُنظر إليها على أنها تستسلم للمنظمات الفلسطينية، وإذا نفذت الحكم رغم التهديدات، فقد يُقتل الرهائن، وسيزداد الغضب الشعبي.
وبالتالي تتطلب مكافحة هذه المنظمات سياسةً هادئةً ومدروسةً، وليس ردود فعل مدفوعة بالغضب والألم، لأن السؤال الحقيقي ليس ما يُحقق شعورًا مؤقتًا بالعدالة، بل ما يُسهم فعليًا في تحقيق الأمن".
رغم تصويت الكنيست على تنفيذ عقوبة الإعدام على منفذي الهجمات المسلحة الفلسطينية، لكن الانطباع السائد مرده إلى أن أعضاءه أيّدوا القانون انطلاقاً من دوافع انتقامية ثأرية، وليس أبعاداً قانونية سياسية فقط، الأمر الذي لن يُسفر بالضرورة عن الحدّ من عمليات المقاومة، وهنا سينقلب السحر على الساحر.