أكثر من 800 ألف نازح في لبنان.. مبادرات شعبية تدير "اقتصاد النجاة" لحل أزمة الإيواء

لبنان يعاني منذ سنوات أزمة اقتصادية حادة - جيتي
لم يكن الطريق الساحلي في لبنان بين صيدا وبيروت مزدحماً كعادته فقط، بل تحول خلال الأيام الأخيرة إلى خط نزوح طويل، امتدت فيه مئات السيارات المحملة بعائلات غادرت منازلها على عجل تحت وقع التحذيرات والغارات، ولم يحمل كثير من هؤلاء سوى ما تمكنوا من جمعه في دقائق، وبعضهم وصل إلى المدن الساحلية بعد يوم كامل من التنقل من دون أن يعرف أين سيقضي ليلته.

مع اتساع العمليات العسكرية في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت، بدأت موجة نزوح واسعة دفعت مئات الآلاف إلى البحث عن ملاذ آمن، ووفق بيانات وزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية، تجاوز عدد النازحين المسجلين رسمياً 780 ألف شخص، في حين تشير تقديرات لاحقة إلى أن العدد قد تخطى 800 ألف، مع استمرار مغادرة القرى الحدودية والمناطق التي صدرت بشأنها تحذيرات بالإخلاء.

وما يلفت الانتباه في الأيام الأولى للأزمة لم يكن حجم النزوح فحسب، بل الطريقة التي حاول بها المجتمع المحلي سد فراغ الاستجابة السريعة، عبر مبادرات فردية وشبكات تضامن غير رسمية بدأت تتشكل في الشوارع وعلى الطرقات وفي مراكز الإيواء المؤقتة.



نزوح سريع ومبادرات فردية


جاءت موجة النزوح الأخيرة بسرعة مختلفة عن الأحداث السابقة ففي غضون أقل من يومين فقط، أفرغت عشرات البلدات في الجنوب بعدما تلقى السكان تحذيرات من احتمال تعرض مناطقهم لغارات.

وبينما حاولت السلطات فتح مدارس ومبان عامة كمراكز إيواء، وسرعان ما امتلأت تلك المرافق بأعداد تفوق قدرتها الاستيعابية، وبعض القاعات التي صممت لاستقبال نحو مئتي شخص أصبحت تضم ثلاثة أضعاف هذا العدد، فيما افترش آخرون الباحات الخارجية أو نصبوا خياماً مؤقتة.

في بيروت وصيدا، يمكن رؤية عائلات كاملة تقضي الليل داخل سياراتها أو على الأرصفة، بينما تحولت أجزاء من الكورنيش البحري إلى ما يشبه مخيما مفتوحا للنازحين الذين اعتبروا الواجهة البحرية أكثر أماناً نسبياً من الأحياء السكنية المكتظة.



وكشفت منظمات حقوقية وإنسانية إن كثيرا من أماكن الإيواء الجماعية لم تكن مجهزة للتعامل مع هذه الأعداد، إذ تفتقر إلى الفرش الكافية والحمامات والخدمات الصحية، فضلاً عن نقص الإمدادات الغذائية والطبية.

نقاط إغاثة وتحركات سكانية

في غياب استجابة سريعة كافية، بدأ بعض السكان التحرك بشكل فردي لمساعدة القادمين من الجنوب، وعلى الطريق بين صيدا وبيروت، رصدت وسائل إعلام شاب لبناني يدعي خليل جبيلي الذي لاحظ طوابير طويلة من السيارات العالقة في ازدحام خانق، وكان كثير من العائلات قد خرجت ليلاً من منازلها ولم تتمكن حتى من التفكير في الطعام أو الماء الذي قد تحتاجه في الطريق.

وبحسب شبكة الـ " بي بي سي" اشترى جبيلي عدداً كبيراً من المناقيش وزجاجات المياه، وبدأ بتوزيعها على السيارات المتوقفة، ما بدأ كمبادرة بسيطة تحوّل سريعاً إلى نشاط يومي، إذ عاد في اليوم التالي ومعه مزيد من الطعام والمياه وبعض الأغطية.

وقال إن ما رآه هذه المرة كان مختلفاً عما شاهده خلال جولات مساعدة سابقة في أزمات أخرى. فعدد الأشخاص الذين اضطروا إلى النوم في السيارات أو على الطرقات كان أكبر بكثير مما توقع.

وفي مدينة صيدا، اكتشف أن أحد مراكز الإيواء الذي يستوعب عادة نحو مئتي شخص بات يضم قرابة ستمئة، فيما افترش بعض النازحين الباحة الخارجية ونصبوا خياماً صغيرة للاحتماء.

أزمة سكن تضاعف معاناة النازحين

مع وصول آلاف العائلات إلى المدن، برزت مشكلة أخرى تزيد من صعوبة الوضع، ألا وهي أزمة السكن، فلبنان الذي يعاني منذ سنوات أزمة اقتصادية حادة شهد ارتفاعا كبيرا في بدلات الإيجار، إذ يمكن أن يصل إيجار شقة بسيطة إلى نحو ألفي دولار شهرياً، في حين يطلب بعض المالكين دفع عدة أشهر مقدماً.

بالنسبة لكثير من النازحين، يصبح العثور على مسكن أمراً شبه مستحيل بعضهم فضل البقاء في مراكز الإيواء المكتظة، بينما اضطر آخرون إلى النوم في السيارات أو العودة إلى منازلهم في مناطق مهددة بالقصف.


يروي متطوعون أن بعض العائلات عادت بالفعل إلى قراها بعد أيام من النزوح لأنها لم تتمكن من تحمل تكاليف السكن في المدن.

مبادرات فردية تسد فراغ الإغاثة

وأشار الـ " بي بي سي " في بيروت، أطلقت متطوعة تدعى كريستال الحايك مبادرة شخصية لتوزيع مساعدات على النازحين الذين يقيمون في الشوارع أو في مراكز الإيواء.

تحمل كريستال معها أكياساً تحتوي على مواد غذائية لا تحتاج إلى تبريد مثل المعلبات والتمر والخبز، إضافة إلى المياه والمسكنات والمناديل والفوط الصحية، كما تضع للأطفال بعض الألعاب البسيطة في محاولة للتخفيف من أثر النزوح المفاجئ.

وقالت إن أكثر اللحظات تأثيراً بالنسبة لها كانت عندما التقت رجلاً مسناً كان يفترش جانب الطريق قرب سيارته. وعندما سألته إن كان يحتاج إلى طعام أو ماء، أجاب بأنه لا يريد شيئاً سوى أدويته.

تمكنت كريستال بعد ساعات من البحث من العثور على معظم الأدوية التي يحتاجها الرجل وعادت إليه ليلاً لتسليمها. كان المشهد مؤثراً بالنسبة لها، خصوصاً عندما أعاد إليها معظم الطعام الذي حملته معه قائلاً إنه لا يستطيع تناوله بسبب إصابته بالسكري، وطلب منها إعطاءه لشخص آخر يحتاجه.

بالنسبة للمتطوعين، هذه القصص الصغيرة تعكس جانباً آخر من الأزمة، حيث لا تتعلق المساعدات بالطعام فقط، بل باحتياجات يومية أساسية قد تكون منسية في حالات الطوارئ، مثل الأدوية أو ملابس الأطفال.



مبادرات منظمة عبر وسائل التواصل


في مناطق شرق بيروت، اتخذت بعض المبادرات شكلاً أكثر تنظيماً، حيث  أطلق المدرب الرياضي خليل مسن حملة دعم عبر حسابه على إنستغرام، حيث يتابعه آلاف الأشخاص. وبفضل التبرعات التي جمعها تمكن مع مجموعة من المتطوعين من توفير مساعدات لنحو 175 عائلة تقيم في مدرستين تستخدمان كمراكز إيواء.

تشمل هذه المساعدات الطعام والمياه والملابس وألعاب الأطفال، مع خطط لتوفير الأدوية إذا استمرت الأزمة لفترة أطول.


ويقول مسن إن جزءاً كبيراً من التبرعات يأتي من لبنانيين يعيشون في الخارج، في وقت أصبح فيه كثير من السكان داخل البلاد متضررين أيضاً من النزوح أو من تداعيات الحرب.

لكن أصعب اللحظات بالنسبة له كانت رؤية أشخاص كان قد ساعدهم خلال أزمة سابقة يعودون مجدداً إلى مراكز الإيواء بعد أن فقدوا منازلهم هذه المرة بالكامل.



تضامن يتجاوز الانقسامات

في بلدة قطين بقضاء جزين في جنوب لبنان، اختار دير مار بطرس وبولس فتح أبوابه لاستقبال عدد من العائلات التي فرت من القصف.

وبحسب تقرير فرانس 24 استقبل الدير نحو أربعين شخصاً من النازحين بينهم عائلات مع أطفال، في مبادرة اعتبرها القائمون عليها واجباً إنسانياً قبل أي اعتبار آخر.

وقال الأب بطرس عاقوري إن الدير لم يسأل النازحين عن دينهم أو طائفتهم، بل ركز على توفير مكان آمن لهم بعد أن اضطروا إلى ترك منازلهم.

وتأتي هذه المبادرة في وقت يشهد فيه لبنان تزامناً بين صيام شهر رمضان لدى المسلمين وفترة صيام دينية لدى المسيحيين، وهو ما حاول الدير تحويله إلى رسالة تضامن مشتركة.


الأطفال في مراكز الإيواء 


بين أكثر المتأثرين بالنزوح الأطفال الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم فجأة، حيث يرى القائمون على بعض مراكز الإيواء أن الأطفال يطرحون أسئلة تعكس حجم الخوف الذي يعيشونه بعد أيام من القصف والنزوح، مثل ما إذا كانت الطائرات قد تقصف المكان الذي يلعبون فيه.

وتحاول بعض المبادرات التطوعية إدخال قدر من النشاطات الترفيهية للأطفال، مثل توزيع الألعاب أو تنظيم أنشطة بسيطة داخل مراكز الإيواء، في محاولة لتخفيف التوتر النفسي الذي يرافقهم منذ مغادرة منازلهم.

"اقتصاد النجاة"

مع مرور الأيام، بدأ يتشكل ما يمكن وصفه بـ"اقتصاد النجاة" في الشوارع ومراكز الإيواء، فالمبادرات الفردية، والتبرعات الصغيرة، وشبكات المتطوعين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت جزءاً أساسياً من منظومة الدعم للنازحين، خصوصاً في الأيام الأولى التي غالباً ما تكون الأكثر صعوبة في أي أزمة إنسانية.

في هذا الاقتصاد غير الرسمي، يتولى متطوعون تنظيم توزيع الطعام والملابس والأدوية، بينما يفتح بعض السكان منازلهم لاستقبال عائلات نزحت من مناطق القصف.

لكن رغم هذه الجهود، يؤكد كثير من المتطوعين أن الحل الحقيقي لا يمكن أن يكون إلا مؤقتاً، إلا أن المساعدات الشعبية قد تخفف من حدة الأزمة، لكنها لا تستطيع تعويض غياب حلول طويلة الأمد لمشكلة الإيواء أو إعادة إعمار المناطق المتضررة.