بعد تصاعد خطاب ترامب الديني.. ماذا نعرف عن الدين في أمريكا؟
عربي21- محمد خليل06-Feb-2606:56 PM
أكد ترامب أن "الإيمان هو "القوة الخارقة لأمريكا وركيزة بناء أمة واحدة تحت رعاية الله"- جيتي
شارك الخبر
جاء خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الدورة الـ74 لـ"إفطار الصلاة الوطني" مشبعًا بالرموز الدينية، إذ تحدث عن توجه إلى إنشاء "عطلة دينية" و"نهضة روحية جديدة"، معتبرًا الإيمان "القوة الخارقة لأمريكا" وركيزة بناء "أمة واحدة تحت رعاية الله"، في امتداد واضح لخطابه منذ مستهل ولايته الثانية، حين أكد أن "الله أنقذه ليجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى"، وأن البلاد "أمة واحدة تحت قيادة الله".
ويزاوج هذا الخطاب بين الدين والقومية، ويستحضر مفاهيم أيديولوجية عميقة مثل "القدر المتجلي - Manifest Destiny"، التي طالما برّرت في التاريخ الأمريكي طموحات التفوق والتوسع باسم "الإرادة الإلهية"، ما يعكس تصاعد حضور الدين في المجال العام وتوظيفه سياسيًا في رسم ملامح الدور الأمريكي داخليًا وخارجيًا.
ورغم وجود عبارات مثل "نثق بالله - In God We Trust" على عملة الدولار، وعبارة "أمة واحدة تحت الله - One Nation Under God" التي أُضيفت للنشيد الوطني عام 1954، إلا أن ذلك جاء في الحالة الأولى كشعار مجتمعي، والثانية خلال الحرب الباردة بدافع سياسي أيديولوجي ضد الشيوعية.
الدين في الدستور الأمريكي
ينصّ الدستور الأمريكي ضمن التعديل الأول على أن "لا يصدر الكونغرس أي قانون فيما يتعلق بإقامة دين"، وأنه "لا يحظر ممارسة الشعائر الدينية"، ما يكفل عدم تبني الحكومة لدين رسمي وضمان حرية المعتقد.
ويفسر المؤرخون والسياسيون ذلك كمبدأ فصل الدين عن الدولة، الذي عبّر عنه أحد "الآباء المؤسسين"، وهو الرئيس الثالث للبلاد توماس جيفرسون، بعبارة "جدار الفصل بين الكنيسة والدولة". وتحظر المادة السادسة من الدستور اشتراط دين معيّن لتولي المناصب العامة، حيث تنصّ على أنه "لا يجوز أن يكون الدين شرطًا لتولي أي منصب عام في الولايات المتحدة"، وبالتالي تؤكّد النصوص الدستورية على عدم وجود دين رسمي في البلاد، وتلقي بضمانات قوية لحرية ممارسة الشعائر لكل فرد، بحسب "مركز بيو" الأمريكي للأبحاث والدراسات.
اظهار أخبار متعلقة
ومع أنه من الشائع ذكر "الله" في اليمين الدستورية أو الشعارات الوطنية، فإن معظم دساتير الولايات الأمريكية وتعديلاتها تذكر "الرب" أو "الإله"، لكنها لا تمنع القانون الفيدرالي من حظر إقامة دين رسمي أو حتى تبنّي دين معيّن.
الطوائف
تُظهر مسوح حديثة بحسب "مركز بيو" (تقرير صدر في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025) أن حوالي 62 بالمئة من البالغين الأمريكيين يُعرّفون أنفسهم كمسيحيين، وتشمل هذه: نحو 23 بالمئة إنجيليين بروتستانت، و19 بالمئة كاثوليك، و11 بالمئة بروتستانت تقليديين، إضافة إلى 5 بالمئة من تاريخ الكنائس البروتستانتية الأفريقية، و2 بالمئة من أتباع كنيسة المورمون.
وتشكّل الطوائف المسيحية الأخرى نحو 2 بالمئة إضافية، أمّا غير المنتمين دينيًا فيشكّلون حوالي 29 بالمئة. وبالنسبة للأديان الأخرى، فهناك حوالي 2 بالمئة من البالغين يهودًا، و1 بالمئة مسلمين، إضافةً إلى أقليات هندوسية وبوذية وغيرها.
"الإنجيليون - Evangelicals"
أكبر كتلة بروتستانتية بحوالي 23 بالمئة من السكان، ويركّزون على التبشير والكتابات الدينية، ولهم توجهات اجتماعية محافظة جدًا. فهم يمثلون قاعدة انتخابية مهمة للحزب الجمهوري؛ إذ أظهرت استطلاعات أن حوالي 72 بالمئة من الإنجيليين البيض وافقوا على أداء الرئيس ترامب عام 2025، وأن نحو 80 بالمئة منهم صوتوا لترامب في انتخابات 2016 و2020.
وكانت هذه الطائفة حاسمة في انتخاب جورج بوش الابن عام 2004، وهو الذي حصل منهم على 40 بالمئة من أصواته، ومن أبرز الشخصيات الإنجيلية في التاريخ الحديث القس بيلي غراهام، الذي توفي عام 2018، وكان يُلقّب بـ"واعظ أمريكا"، وهو من أبرز من أعلن فكرة النظر إلى "إسرائيل" كحليف مقدّس، متأثرًا بفهم إنجيلي يربط مباركة "إسرائيل" بـ"مباركة الله".
وتكشف تقارير بحثية أن منظمات إنجيلية أمريكية كثّفت خلال العقود الأخيرة دعمها المادي والمعنوي للمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، حيث جنّدت 11 منظمة ما بين 50 و65 مليون دولار لتمويل مبادرات مختلفة، وفق تحقيق سابق لصحيفة "هآرتس" نُشر عام 2018.
وتعدّ منظمة "هيوفل" من أبرز هذه الجهات، إذ تجلب متطوعين إنجيليين للعمل في مستوطنات مثل "هار براخا"، إلى جانب جمع تبرعات وتنفيذ أنشطة توصف بأنها ذات طابع "إيماني توراتي"، مع تنامٍ في العلنية والتنسيق الرسمي، بما في ذلك دعم حكومي إسرائيلي لأنشطة "الهسبراة" الموجهة للجمهور الإنجيلي خارج البلاد.
ويشمل هذا الدعم تمويل مشاريع مباشرة في المستوطنات، ومساهمات لدى جهات مثل "ليف إسرائيل"، إضافة إلى دعم غير نقدي عبر العمل التطوعي والخدمات، ما يصعّب تقدير الحجم الحقيقي للتمويل بسبب محدودية متطلبات الشفافية للكنائس والمنظمات غير الربحية في الولايات المتحدة.
وتشير التقديرات إلى أن جزءًا كبيرًا من الاستثمارات الإنجيلية يتجه إلى مستوطنات ما وراء الخط الأخضر، ويستفيد منه مجالس المستوطنات وجمعيات اليمين ووكالات سياحية متخصصة.
اظهار أخبار متعلقة
وسياسيًا وأيديولوجيًا، يعكس هذا التعاون تقاربًا محافظًا بين إنجيليين أمريكيين ومستوطني التيار الديني الصهيوني، يقوم على مواقف مشتركة إزاء قضايا مثل رفض الانسحاب من الضفة، والقيم الاجتماعية المحافظة، ودور الدين والقومية في المجال العام.
ورغم أن الدافع العقدي بين الطرفين يتباين، يرى باحثون أن هذا التقاطع يوفّر للمستوطنين دعمًا سياسيًا وماليًا، في حين يستثمرون الحماسة الإنجيلية المرتبطة بتصورات دينية حول "الأرض الموعودة"، دون تبنّي أبعادها اللاهوتية.
President Trump announces that on May 17, we will re-dedicate America as “ONE NATION UNDER GOD” on the National Mall and the room erupts! 👏🙌 “On May 17th, 2026 we’re inviting Americans from all across the country to come together on our National Mall to pray to give thanks…We’re going to rededicate America as one nation under God.”
يشكّلون نحو 19 بالمئة من السكان، وتتنوع مواقفهم السياسية حسب الخلفية العرقية؛ فالكاثوليك من ذوي الأصول الأوروبية "البيض" يميلون أكثر تجاه الجمهوريين، بينما الكاثوليك من أصول لاتينية "الهيسبانيون" يميلون إلى الديمقراطيين، بحسب تقرير آخر لـ"مركز بيو".
وتتوزع الولاءات الحزبية بينهم بالتقريب إلى حوالي 49 بالمئة جمهوريين مقابل 44 بالمئة ديمقراطيين. وتراوحت صناديق اقتراع الكاثوليك بين الحزبين تاريخيًا؛ فقد دعموا أوباما عام 2008، ثم انحازوا أكثر للجمهوريين في 2016.
البروتستانت الآخرون (بخلاف الإنجيليين):
يشملون معظم الطوائف البروتستانتية التقليدية والمعتدلة، ويُقدّر تعدادهم بنحو 11%. لهم توجهات معتدلة اجتماعيًا وسياسيًا نسبيًا. معظم البروتستانت غير الإنجيليين يميلون قليلًا للحزب الجمهوري (51 بالمئة مقابل 41 بالمئة ديمقراطي). ومن بينهم البروتستانت الأفارقة الذين يشكّلون نحو 5 بالمئة من السكان، ويشكّلون قاعدة قوية للحزب الديمقراطي (حوالي 72 بالمئة يؤيدونه).
المورمون (كنيسة يسوع المسيح لقديسي الأيام الأخيرة) يشكّلون حوالي 2 بالمئة، ويشتهرون بتوجهات محافظة ومشاركة سياسية عالية؛ معظمهم يميلون للجمهوريين بنسبة تُقدّر بـ73 بالمئة. ومن الشخصيات السياسية المرموقة المنتمية لهذا المذهب: السيناتور الديمقراطي السابق هاري ريد، والرئيس السابق لمجلس الشيوخ والمرشح الرئاسي ميت رومني، الذي نافس عن الحزب الجمهوري عام 2012.
اليهود الأمريكيون:
نسبتهم نحو 2 بالمئة، ويميل أغلبهم تاريخيًا للحزب الديمقراطي، وحوالي 66 بالمئة من اليهود يعرّفون أنفسهم كديمقراطيين، ويشكّلون تجمعًا ديمقراطيًا مهمًا في المدن الكبرى.
المسلمون الأمريكيون:
يشكّلون نحو 1 بالمئة من البالغين، وتجدر الإشارة إلى أنهم أظهروا ولاءات متنوعة؛ فرغم ميولهم الديمقراطية تاريخيًا، إلا أن استقصاءً حديثًا صدر عام 2024 وجد أن 53 بالمئة من المسلمين الأمريكيين يميلون للحزب الديمقراطي مقابل 42 بالمئة للجمهوري، ويهتم المجتمع المسلم بقضايا الحريات الدينية وحقوق الأقليات، وهجرة العمال واللاجئين، وذلك أيضًا بحسب تقرير آخر للمركر.
الدين في السياسة الأمريكية
رغم عدم وجود نص في الدستور الأمريكي يتبنّى الدين أو ينبذه، غالبًا ما يتوجّه المرشحون إلى الناخبين المتدينين عبر خطاب يؤكد القيم الأسرية أو الوطنية الدينية، ويظهر ذلك بحضور الصلاة العامة أو بالرد على أسئلة حول إيمانهم الشخصي.
وتتأثر قضايا الانتخابات بالقيم الدينية في العديد من المواضيع، ويتضح ذلك في قضية الإجهاض التي تمثّل نقطة محورية للخلاف؛ إذ أظهر استطلاع أن حوالي 73 بالمئة من الإنجيليين البيض يعتبرون أن الإجهاض يجب أن يكون "غير قانوني في أغلب الحالات"، في حين أن نسبة أعلى من غير المنتمين دينيًا تؤيد الحق فيه.
اظهار أخبار متعلقة
وتُترجم المواقف من القضايا الكبرى إلى دعم سياسي قوي للجمهوريين "الذين يدعون عادةً للحفاظ على هذه القيم"، بينما ينتقد الديمقراطيون القيود الدينية ويعتبرونها انتهاكًا للحريات الفردية.
وعلى الصعيد الدولي، تختلف مواقف الجماعات الدينية بشأن قضايا السياسة الخارجية حسب معتقداتهم، ومن أبرز الأمثلة على ذلك العلاقة مع "إسرائيل"، إذ يشدّد معظم الإنجيليين الأمريكيين على دعمها.
وبيّن استطلاع أن 82 بالمئة من الإنجيليين البيض اعتقدوا أن "الله أعطى أرض فلسطين لإسرائيل"، وبناءً عليه أيدت غالبية الإنجيليين نقل السفارة الأمريكية إلى القدس؛ ففي استفتاء عام 2017 كان 53 بالمئة من الإنجيليين البيض مع نقل السفارة رغم معارضة الأغلبية العامة. بالمقابل، فإن الدعم للحكومة الإسرائيلية ليس حكرًا على المتدينين المسيحيين؛ فالجالية اليهودية الأمريكية لها تاريخ طويل من التأييد لـ"إسرائيل"، كما يسعى النواب والسياسيون من كلا الحزبين إلى كسب تأييد هؤلاء الناخبين.