قرية يهودية في نيويورك.. القصة المخفية بين النفوذ والدعم الحكومي

القرية منحت ترامب 99 بالمئة من أصواتها عام 2020 رغم انتقاده العلني للمهاجرين- جيتي
القرية منحت ترامب 99 بالمئة من أصواتها عام 2020 رغم انتقاده العلني للمهاجرين- جيتي
شارك الخبر
أعاد مقطع مصور نشره يوتيوبر أمريكي فتح النقاش حول قرية كيرياس جويل في ولاية نيويورك، كاشفا ملامح نمط حياة لمجتمع حريدي منغلق يقوم على الاعتماد الواسع على برامج الدعم الحكومية، في ظل نفوذ سياسي متصاعد وصلات وثيقة بدوائر صنع القرار، بالتزامن مع احتدام الجدل الأمريكي حول سياسات الدعم الاجتماعي والهجرة، بما يثير أسئلة عميقة عن العدالة وحدود الازدواجية في المشهد السياسي للولايات المتحدة.

ونشر اليوتيوبر الأمريكي الشهير تايلر أوليفيرا مقطع فيديو على منصة يوتيوب وثق خلاله زيارته إلى قرية كيرياس جويل، التي يقطنها نحو 44 ألف نسمة، ينتمي معظمهم إلى طائفة ساتمار الحريدية.

وركز المقطع على نمط الحياة السائد داخل القرية، حيث يتفرغ الرجال لدراسة التوراة بدوام كامل بدلا من العمل، في ظل عائلات كبيرة يبلغ متوسط عدد أطفالها سبعة لكل امرأة، وهو ما يؤدي إلى اعتماد واسع على برامج الدعم الحكومية، ومنح الإسكان، وقسائم الطعام "SNAP"، إضافة إلى المساعدات النقدية.

وأظهر الفيديو أوليفيرا وهو يتجول في شوارع القرية المغطاة بالثلوج، محاولا إجراء مقابلات مع السكان، إلا أن كثيرين تجنبوا الكاميرا أو رفضوا الإجابة عن أسئلة تتعلق بمصادر دخلهم أو باستخدامهم لبرنامج "SNAP".

كما تضمن المقطع لقطات من متاجر ومدارس، مع تلميحات إلى وجود احتيال في نظام الرفاه الاجتماعي، من بينها الإشارة إلى مقال تحدث عن اعتراف أحد الحاخامات بذلك.

وأثار الفيديو جدلا واسعا، بعدما حصد ملايين المشاهدات، وجرى تداوله أيضا على منصتي تيك توك وإنستغرام.

قرية بنفوذ سياسي متنام ودعم حكومي

تقع قرية كيرياس جويل في عمق ولاية نيويورك، وأصبحت خلال السنوات الماضية نموذجا بارزا للجدل الدائر حول ما يوصف بازدواجية السياسات الأمريكية في التعامل مع قضايا الرفاه الاجتماعي والنفوذ السياسي.

وبحسب الإحصاءات المستندة إلى بيانات مكتب الإحصاء الأمريكي، تضم القرية مجتمعا يهوديا حريديا من طائفة ساتمار يعتمد بدرجة كبيرة على المساعدات الحكومية، إذ يعيش نحو 40 بالمئة من سكانها تحت خط الفقر، بينما يعتمد ما بين 40 و60 بالمئة منهم على برامج الدعم.

وأفاد تقرير لصحيفة نيويورك تايمز بأن الجماعة اليهودية الحاسيدية تحولت خلال العقود الماضية إلى قوة سياسية مؤثرة في ولاية نيويورك، مستفيدة من قدرتها على التصويت ككتلة موحدة ومن تنظيم داخلي شديد الانضباط.

ولفت التقرير إلى أن السياسيين، سواء على المستوى المحلي أو مستوى الولاية، نادرا ما يتبنون مواقف قد تستعدي قادة الحاسيديم، خصوصا في القضايا المرتبطة باستقلالية المدارس الدينية المعروفة باليشيفات.

وأشار التقرير إلى أن هذا النفوذ برز بوضوح خلال الانتخابات التمهيدية لمنصب عمدة نيويورك عام 2021، عندما سعى المرشح الديمقراطي أندرو يانغ إلى اختراق المجتمع الحاسيدي، متعهدا بعدم التدخل في شؤون مدارسهم، إلا أن الكتلة التصويتية الحاسيدية انقسمت في البداية، قبل أن تميل في مراحل حاسمة لصالح إريك آدامز، الذي فاز لاحقا بمنصب العمدة، مستفيدا من نظام التصويت التفضيلي وانتقال أصوات الحاسيديم إليه.

ويتمحور جوهر الصراع السياسي الحالي حول مستقبل الرقابة على المدارس الحاسيدية، بعد قرارات اتخذتها ولاية نيويورك تلزم المدارس الخاصة بتقديم حد أدنى من التعليم العلماني.

ويعتبر قادة الحاسيديم هذه الإجراءات تهديدا مباشرا لاستقلالهم الديني والثقافي، بينما يرى منتقدون أن غياب الرقابة أتاح حرمان آلاف الطلاب من تعليم أساسي، رغم حصول هذه المدارس على مليارات الدولارات من الأموال العامة.

اظهار أخبار متعلقة



وأوضح تقرير نيويورك تايمز أن المجتمع الحاسيدي بنى نفوذه منذ خمسينيات القرن الماضي عبر التحالفات السياسية والعمل القانوني والتبرعات الانتخابية وحشد الناخبين بفعالية عالية، ورغم الانقسامات الداخلية بين بعض التيارات الحاسيدية، ولا سيما داخل جماعة ساتمار، فإن المجتمع غالبا ما يوحد صفوفه حول القضايا المصيرية، انطلاقا من قناعة مفادها أن زيادة الوحدة تعني زيادة القوة في مواجهة الدولة والسياسيين.

في المقابل، تحظى القرية بدعم سياسي ومالي من شخصيات ثرية ونافذة، من بينها عائلة كوشنر والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في وقت يوجه فيه هؤلاء انتقادات حادة للمهاجرين والأقليات الأخرى بالاتهامات نفسها المتعلقة بالاعتماد على برامج الرفاه الاجتماعي.

وتبرز كيرياس جويل بوصفها نموذجا لكيفية توظيف النفوذ الانتخابي لخدمة مصالح محددة. فقد تأسست القرية في سبعينيات القرن الماضي كمجتمع مغلق لليهود الحريديم من طائفة ساتمار، بقيادة الحاخام جويل تيتلباوم، الذي فر من أوروبا عقب الحرب العالمية الثانية.

ويبلغ عدد سكان القرية حاليا نحو 44 ألف نسمة، مع معدل خصوبة يصل إلى سبعة أطفال لكل امرأة، ما جعل متوسط العمر فيها 11 عاما، وهو الأدنى في الولايات المتحدة. ويركز الرجال على دراسة التوراة، بينما تعمل النساء في الغالب ضمن أنشطة محلية.

دخل سلبي ونتائج إنتخابية حاسمة

وأدى هذا النمط الاجتماعي إلى انخفاض مستويات الدخل، إذ يبلغ متوسط الدخل السنوي للأسرة 40,218 دولارا، في حين يبلغ متوسط دخل الفرد 12,114 دولارا، وتعتمد 62 بالمئة من العائلات على المساعدات بسبب كبر حجم الأسر.

وفي عام 2023، حصلت منطقة المدارس العامة في كيرياس جويل، التي تخدم حصرا الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة، على 94 مليون دولار من أموال الإغاثة الفيدرالية، لكنها امتنعت عن الكشف عن أوجه إنفاق هذه المبالغ. كما تتلقى مدارس دينية خاصة، ملايين الدولارات من الأموال العامة.

وأثارت هذه الممارسات تحقيقات عدة، من بينها قضية اتهم فيها 15 شخصا، معظمهم من عائلة واحدة، بالاحتيال بنحو 20 مليون دولار عبر قروض عقارية ومساعدات اجتماعية. وفي عام 2015، أتلف مكتب التحقيقات الفيدرالي وثائق تتعلق بقضية احتيال في Medicaid بقيمة 40 مليون دولار، بسبب عدم قانونية الإجراءات، ما عكس حالة التوتر بين الاستفادة القانونية والاشتباه في الاحتيال.

ويحظى المجتمع بدعم من شخصيات ثرية، من أبرزها جاريد كوشنر، صهر ترامب، الذي لعب دورا في سياسات استفادت منها المجتمعات الحريدية، من بينها معارضة القيود المرتبطة بجائحة كورونا.

اظهار أخبار متعلقة



وحصل ترامب في انتخابات عام 2020 على 99 بالمئة من أصوات كيرياس جويل، رغم حملته ضد المهاجرين.

كما يدعم المجتمع رجل الأعمال الساتماري جويل لانداو، الذي تقدر ثروته بنحو 500 مليون دولار، وهو مؤسس شركة Allure Group للرعاية الصحية، ويخصص لانداو جزءا كبيرا من دخله لدعم مجتمعه، من خلال بناء قاعات أفراح ودعم يشيفوت، كما قدم في عام 2023 طائرته الخاصة لأحد الحاخامات لجمع التبرعات.

ولا يقتصر هذا الدعم على تيار سياسي واحد، إذ وقع الحاكم الديمقراطي ماريو كومو عام 1989 قانونا أنشأ بموجبه منطقة مدارس خاصة بكيرياس جويل، في حين دعم الجمهوري جورج باتاكي ترقية المنطقة إلى قرية رسمية عام 1977.

وكشف تقرير لصحيفة نيويورك تايمز عام 2022 عن حجم نفوذ الحريديم في نيويورك وتصويتهم ككتلة واحدة للحصول على موارد أساسية، مثل السكن والمياه. ويرى مراقبون أن هذا النفوذ الانتخابي هو العامل الحاسم، إذ يصوت الحريديم بنسبة تصل إلى 98 بالمئة لمرشح واحد، ما يجعلهم كتلة حاسمة في الانتخابات.

وفي عام 2000، حصلت هيلاري كلينتون على 1400 صوت في نيو سكوير، مقابل 12 صوتا فقط لمنافسها، في مثال يُستشهد به على قوة هذا التصويت المنظم. وفي المقابل، تفتقر مجموعات أخرى، مثل المهاجرين الصوماليين أو الأمريكيين الأفارقة، إلى تنظيم مشابه، ما يجعلهم أكثر عرضة للانتقاد السياسي.

واتهم ترامب مرارا المهاجرين بالاعتماد على برامج الرفاه، متجاهلا نسب الاعتماد المرتفعة في كيرياس جويل.

اظهار أخبار متعلقة



جدل مستمر حول المال العام والرقابة

وفي تقرير آخر لصحيفة نيويورك تايمز، تناول الصحفي جاي روت قصة نظام تعليمي عام مثير للجدل في قرية كريات جويل شمال نيويورك، التي يقطنها تقريبا يهود حاسيديم فقط، حيث أُنشئت منطقة تعليمية عامة تخدم حصرا الأطفال الحاسيديم من ذوي الإعاقات، بينما يتلقى معظم الأطفال الآخرين تعليمهم في مدارس دينية خاصة تركز على الدراسات الدينية وتقدم تعليما محدودا في المواد الأساسية.

وأشار التقرير إلى أن هذا النظام، الذي تأسس قبل أكثر من ثلاثين عاما، أثار منذ بداياته اعتراضات قانونية ودستورية تتعلق بالفصل بين الدين والدولة، لا سيما مع التداخل المستمر بين المنطقة التعليمية العامة والمؤسسات الدينية الخاصة.

وفي عام 2009، كشف مدققو ولاية نيويورك عن تضارب مصالح، بعدما صوت عضوان في مجلس إدارة المنطقة على عقود إيجار بملايين الدولارات مع منظمة دينية يشغلان مناصب قيادية فيها.

وبحسب التحقيق، تدفع المنطقة التعليمية حاليا أكثر من 2.4 مليون دولار سنويا لشركات وجهات مرتبطة بـ"الأكاديمية التلمودية المتحدة في كريات جويل"، التي تسيطر على معظم التعليم في القرية وتمتلك أصولا تتجاوز قيمتها 325 مليون دولار. كما استخدمت المنطقة أموالا فدرالية، بينها تمويلات مرتبطة بجائحة كورونا، لإجراء إصلاحات واستئجار مرافق مملوكة للأكاديمية، بدلا من إنشاء منشآت عامة مستقلة.

اظهار أخبار متعلقة



ورغم تأكيد مسؤولي المنطقة التعليمية قانونية هذه الإجراءات وحصول النظام على تقييمات فدرالية مرتفعة للخدمات المقدمة للأطفال من ذوي الإعاقات، خلص التقرير إلى أن منتقدين يرون أن إنشاء وكالة حكومية لخدمة جماعة دينية واحدة أدى إلى ضعف الرقابة وتضارب المصالح، وأسهم في توجيه أموال عامة لدعم مدارس دينية تقدم تعليما محدودا في المواد الأساسية، ما قد يؤثر على مستقبل آلاف الأطفال.

وفي دولة الاحتلال، يتكرر مشهد مشابه، إذ يحمي بنيامين نتنياهو الأحزاب الحريدية لأسباب انتخابية، ما يثير تساؤلات متزايدة حول العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.

وفي انتخابات عام 2024، صوت 93 بالمئة من الحريديم لصالح ترامب، ما عزز نفوذهم السياسي، لكنه فاقم أيضا التوترات مع المجتمعات المجاورة، كما حدث في اضطرابات كراون هايتس عام 1991.

وتشير المعطيات إلى أن الدعم الموجه لقرية كيرياس جويل يعكس ازدواجية واضحة، حيث تحصل بعض المجتمعات الفقيرة على امتيازات بفعل ثقلها الانتخابي، بينما تحرم مجتمعات أخرى من المعاملة نفسها.
التعليقات (0)