يدور جدل واسع في
العراق، على إثر تغريدة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي رفض فيها ترشيح رئيس الوزراء العراقي الأسبق، نوري
المالكي لولاية ثالثة، بين من يعتقد أنها تدخل في سيادة البلاد، وبين من يراها أنها خطوة تصحيحية للنظام السياسي الذي أسسته بعد احتلالها عام 2003، وهيمنت عليه
إيران.
واعتبر ترامب خلال تدوينته على منصة "تروث سوشيال" في 27 كانون الثاني/ يناير الماضي، أن العراق قد يرتكب خطأً فادحا بإعادة نوري المالكي رئيسا للوزراء، لافتا إلى أن "العهد السابق للمالكي، انزلقت فيه البلاد إلى الفقر والفوضى العارمة، ولا يجب أن نسمح بتكرار ذلك".
ردا على ذلك، رأى سفير إيران في بغداد محمد كاظم آل صادق، اعتراض واشنطن على ترشيح المالكي تدخلا سافرا في الشأن العراق، مؤكدا أنه لا يحق لأي طرف أو دولة التدخل في شؤون دولة ذات سيادة مثل العراق، حسبما نقلت وكالة "آفا" الكردية، السبت.
وأوضح آل صادق، أن إيران هنأت خطوة قوى "الإطار التنسيقي" عقب اتفاقها على ترشيح المالكي، مشيرا إلى أن الأخير يتمتع بخبرة واسعة، وخاض تجارب عملية في إدارة الدولة ومواجهة الأزمات والتحديات خلال فترتين حكوميتين، وأن اختياره "شأن عراقي خالص"، وفق تعبيره.
وكانت وسائل إعلام عراقية، قد كشفت أن ترشيح المالكي حظي بمباركة المرشد الإيراني علي خامنئي، رغم عدم إجماع الإطار التنسيقي عليه، ورفضه من أربعة قيادات، هي: قيس الخزعلي وعمار الحكيم وحيدر العبادي وشبل الزيدي، وهو ما فسّر بأنه فرض عليهم.
"ضغط مشروع"
تعليقا على ذلك، رأى المحلل السياسي العراقي، أحمد الشريفي، أن "تدوينة ترامب لابد من إسقاطها على مسألتين، الأولى علاقة العراق بالأسرة الدولية ولا سيما الأمم المتحدة ومجلس الأمن، والثانية علاقته مع حليفه الإستراتيجي، الولايات المتحدة، بالتالي ترامب لم يخرج عن هذه المعادلة".
وأوضح الشريفي لـ"عربي21" أن "ما حدث يأتي ضمن صراع النفوذ في العراق بين إيران وأمريكا وأيهما أقرب لتحقيق المصالح العليا للدولة العراقية التي تحقق الوحدة الوطنية بجمع التوازنات الثلاث (الشيعة، السنة، الأكراد) وهذه لا تتحقق إلا بالبقاء تحت مظلة القانون الدولي والعلاقات الدولية".
وأشار إلى أن "ترامب يضع السياق ضمن إطار القانون الدولي، وضرورة أن نقرأ تدوينته على أنها معايير لمستقبل العراق يراها الرئيس الأميركي وبعض السياسيين في العراق، بالتالي تعد أداة ضغط مشروعة في العلاقات الدولي وليست ابتزازا، وهي مشرعة بالقانون الدولي".
وتابع: "خصوصا أن الولايات المتحدة ترى في إيران خصما إقليميا، بالتالي كيف يستطيع العراق أن يجمع بين المصالح المتناقضة، لأن الطرفين بينهما صراع بخصوص الحجوم والأدوار الإقليمية، وأن محاولة الجمع بين النقيضين في الجغرافيا العراقية هو خطأ من صانع القرار العراقي".
وأشار إلى أن "ترامب وضع صانعي القرار في العراق أمام خيار معي أم ضدي، فإذا كنتم ضدنا سننسحب من دعمكم، وهذا له تداعيات كبيرة على الوضع العراقي على مختلف الصعد، بالتالي لم يعد للعراق بإمكانه الاستمرار بسياسة المناورة في العلاقة بين واشنطن وطهران".
وبرأي الشريفي، فإن "الأسرة الدولية لا تزال ترى الديمقراطية في العراق متعثرة، بالتالي لم يمتلك حتى الآن السيادة المطلقة، لذلك لو كانت الخيارات المتعلقة بمن يشغل منصب رئيس الوزراء منطقية لما تدخل ترامب واعترض، خصوصا أن الشركاء في الوطن كانوا معترضين أيضا".
وبحسب الخبير العراقي، فإن "ما صدر عن ترامب ينسجم مع مطلب الأغلبية الشيعية ومرجعيتها في النجف التي سبق لها أن أكد على ضرورة عدم تجريب المجرب، بالتالي هي كانت رافضة لعودة المالكي للسلطة".
واعتبر الشريفي إصرار الإطار التنسيقي الشيعي على ترشيح المالكي رغم رفض ترامب بأنه "خطأ إستراتيجي، وهذا سيترتب عليه تداعيات، وأن الإرادة السياسية في العراق وضعتنا تحت وصاية إيران واعتبرتها أنها العمق الاستراتيجي الضامن لكرامة الوطن، وهذا أمر خاطئ".
"شروط للتعامل"
وعلى الصعيد ذاته، رأى الباحث في السياسات الإستراتيجية، كاظم ياور لـ"عربي21"، أن "رسائل ترامب صاحبها جدل سياسي وسيادي، لأن هناك موالين للإطار وللمالكي اعتبروها ضد السيادة والقرار الوطني منطلقين بذلك من أن العراق جرت فيه انتخابات والشعب صوت لممثليه، وبالتالي فإن ترشيح رئيس الحكومة شأن داخلي".
في المقابل، يؤكد ياور أن "البعض يرى أن رسائل ترامب لا تتعلق بالسيادة الوطنية، لأن الأخير أشار إلى أن بلاده لن تتعامل وتساعد العراق، لأن منصب رئيس الوزراء يحدد السياسة الخارجية ويحدد ملامحها، بالتالي فإن أي دولة تتعامل مع بغداد ضمن المنظومة الدولية من حقها أن يكون لديها شروطا للتعامل في هذا الاتجاه".
بناء على ذلك، يرى الباحث أن "المعايير الأمريكية لا تتناسب مع السياسات العراقية إذا كانت شخصية مثل المالكي تقود البلد، كون العراق أبرم اتفاقية الإطار الإستراتيجي مع الولايات المتحدة عام 2011، تتضمن تعامل في القضايا الأمنية والسياسية والخدمية في مجالات الصحة والتعليم العالم والطاقة وغيرها".
ولفت إلى أن "ترامب حينما يقول سوف لن نساعد العراق فإنه لا يقصد تقديم مساعدات إغاثية، بل يعني التعاون في المجال الأمني لا سيما ما يتعلق بسيادة العراق على أجوائه".
وعلى هذا الأساس، فإن ما صدر عن ترامب من تلويح بإيقاف المساعدات لا يعد تدخلا أمريكا، وإنما حاجة عراقية لمثل هذه المساعدة حتى تكتمل السيادة العراقية لا سيما على الأجواء العراقية، وأن المالكي من وقع على هذه الاتفاقية في عهده، وكذلك ما يتعلق بأموال بيع النفط العراقي التي يديرها البنك الفيدرالي الأمريكي، وفقا للباحث.
ورأى ياور أن "رسائل تدوينة ترامب فيها أبعاد سياسية وليس فيتو سيادي على العراق، والدليل على ذلك أن الولايات المتحدة لم تظهر أي اعتراض على نتائج الانتخابات العراقية بسبب مشاركة المالكي أو الفصائل".
وأردف: "لم يكن لترامب اعتراض على البرلمان العراقي لأنه منتخب من الشعب، وبما أن الحكومة لديها تعامل دولي، فإن المجتمع الدولي لديه شروط".
وأعرب عن اعتقاده بأن "تأزم الأوضاع بين إيران والولايات المتحدة بالتأكيد سيكون لها تأثير جدا كبير على تأخير تشكيل الحكومة العراقية، لأن ذلك سيعقد من التفاهمات لتشكيلها، لأن العراق أصبح جزءا غير مباشر من مصلحة هاتين الدولتين، وبات البلد ورقة للضغط تستخدم ضد بعضهما".
وخلص ياور إلى أنه "عندما تريد أمريكا إلحاق مزيد من الضرر أو التشديد على إيران فإنها تحاول إبعاد شخصيات وأحزاب سياسية عراقية تتضامن مع النظام الإيراني عن مشهد الحكم في العراق، بالتالي كلما كانت العلاقات سيئة بين الطرفين كلما زادت الأوضاع سوءا في المشهد العراقي والعكس صحيح".
ومنذ مرحلة ما بعد 2003، تُتهم إيران بالتدخل في اختيار رئاسات العراق الثلاث، وليس فقط تشكيل الحكومة، إضافة إلى أنها تقضي على كل من لا يخضع لها رغم فوزه بالانتخابات كما حصل مع إياد
علاوي الذي فاز في انتخابات عام 2010، ومنعته من تولي منصب رئيس الوزراء، حسبما كشف في حينها.