الكتاب: غزة على الصليب، أخطر حروب الصراع
في فلسطين وعليها
المؤلف: حسن خضر
الناشر: رياض الريس للكتب والنشر
يحاول الكاتب والناقد الفلسطيني حسن خضر
قراءة الحرب الإسرائيلية على غزة من موقع المتأمل لما هو أبعد من الوقائع اليومية،
لاستكشاف تداعياتها "غير المرئية". وكتابه هذا يضم نصوصا منشورة واكبت
الحرب منذ بدايتها، أضاف إليها خضر ملاحظات لاحقا، تعالج أفكارا من قبيل أنه لا
يمكن الحكم على هذه الحرب من حيث الربح والخسارة في الوقت الحالي وما دام القتال
مستمرا. وأن ثمة حرب لا تقل شراسة عن الحرب في الميدان هي حرب الرواية والرواية
المضادة، حيث يرى أن أخطر ما يواجهه الآن الفلسطينيون، الذين هم الضحايا، أن يتبنوا
رواية تحملهم مسؤولية ما يحدث، وهو ما يريده "الأقوياء"، على حد قوله،
لتبرير جرائمهم وادعاء التفوق الأخلاقي.
كذلك يرى خضر أن هذه الحرب استمرار لحروب
سبقتها في فلسطين وفي الشرق الأوسط، وهي في طبيعتها العنفية غير المسبوقة
"ترجمة لصعود القوة الإقليمية (إسرائيل) وطموحاتها وأوهامها".
إهانة إسرائيل
ابتداء يصف خضر أحداث السابع من أكتوبر
بالحدث غير المسبوق منذ قيام إسرائيل، والأهم أنه كان مهينا لإسرائيل بشكل
"أسطوري"، ليس فقط بسبب اختلال موازين القوى بين المهاجمين وإسرائيل،
ولكن أيضا لأن الإسرائيليين لديهم "حساسية مرضية" تجاه كل ما يمكن أن
يضر بصورة دولتهم كقوة لا تقهر.
لقد اتضح بالفعل أن ملاحقة إسرائيل ممكنة وعبر أدوات وقنوات دولية يعترف بها الجميع. ويقول " لا تقاس حروب نزع الاستعمار بما لدى المُستعمِر والمستعمَر من قوة النيران، بل بما تراكم أو تناقص من الرصيد الأخلاقي لهذا وذاك. وبهذا المعنى تبدو الدولة الإسرائيلية وقد أفلست(أخلاقيا)، على الرغم مما في ترسانتها العسكرية والاقتصادية من أدوات القوة، إلى حد يسوغ لها التصرف بمنطق القوة الإقليمية.. وبهذا المعنى لا تكون مشكلة الإسرائيليين مع الفلسطينيين وحسب، بل ومع العالم أيضا".
لقد بنت إسرائيل جدارا "ذكيا"
يفصل قطاع غزة عن التجمعات السكانية والقواعد العسكرية الإسرائيلية، أنفقت عليه
نحو مليار دولار، أرادت له أن يكون إثباتا لحجم التقدم التقني للصناعات العسكرية
الإسرائيلية، وأنظمة المراقبة الإلكترونية والقتل عن بعد. لكن هذا كله انهار في
ساعات، دون مقاومة تذكر، على يد تنظيم مسلح لا جيش دولة نظامي، وهو ما يجعل الإهانة التي تلقتها إسرائيل كبيرة جدا.
ويضيف خضر إن هذا يفسر بقدر ما حجم العنف
الفظيع للحرب التي تشنها إسرائيل على غزة، لكن ثمة أمر آخر، على ما يبدو، أدركته
إسرائيل بعد "الطوفان" هو أن نظام الأبارتهايد المفروض على الفلسطينيين
منذ عقود لم يعد كافيا، وأنه لا بد من "الإقدام على خطوات راديكالية تماما من
نوع دفع السكان بالقوة خارج الحدود، وتدمير أماكن سكناهم، ومصادر عيشهم.. وقد وضعت
الحرب الحالية هذه الخيارات على جدول الأعمال". من جهة أخرى يرى خضر أن هذه
الحرب تأتي ضمن سلسلة حروب أميركية فاشلة "لهندسة النظام الإقليمي بعد هجمات
الحادي عشر من سبتمبر.. (وهي) تتوج حروبا أنجبتها ثورة مضادة مولها وهندسها
الإبراهيميون بالتعاون مع شركاء محليين في الحواضر العربية للقضاء على ثورات
الربيع العربي". وهو ما نجم عنه، بحسب ما يقول خضر، "تقويض دول، وتفتيت
مجتمعات، وانهيار منظومة الأمن الإقليمي".
وفي ظل حالة الفوضى هذه صعدت ثلاث قوى هي
الإسرائيلية، والتركية، والإيرانية، تحمل كل منها تصورا خاصا بشأن نظام الأمن
الإقليمي الجديد. ومن جديد يؤكد خضر أن العنف الإسرائيلي غير المسبوق في الحرب على
غزة، لم يكن فقط بدافع الانتقام وإنقاذ صورة الدولة المهانة، بل وأيضا للتذكير بما
لدى هذه القوة الإقليمية من "كفاءة الأذى وأدوات العنف"، وبما يعنيه هذا
من قدرتها على فرض نظامها الخاص لأمن إقليمي "لا مكان فيه للمسألة
الفلسطينية". ولذلك فإن "المجال الحيوي" لهذه الحرب يشمل بلاد
الشام كما مصر والعراق، وتركيا وإيران.
يضيف خضر أن بنيامين نتنياهو أراد لهذه
الحرب أن تكون "ولادة إسرائيل الثانية" التي تحقق فيها مشروعها
الإمبراطوري. لكن ما يلفت الانتباه أن حرب هذه "القوة الإقليمية
الصاعدة" تكتنفها "الهشاشة"؛ إذ بدى واضحا أن إسرائيل بحاجة، طوال
الوقت، للحماية والمساعدة من الولايات المتحدة الأميركية، على عكس ما تحاول
الترويج له. كما ظهر عجزها عن "الإنجاز السريع على الأرض رغم قوتها النارية
الهائلة". ويبدو أن هناك رؤية ضبابية فيما يتعلق بالأهداف السياسية
الاستراتيجية للحرب.
رصيد القوة والأخلاق
في إحدى مقالاته يتوقف خضر عند ما يعتبره
حدثا تاريخيا كبيرا، جاء كنتيجة غير مباشرة لهذه الحرب، وهو القضية التي رفعتها
جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية. ويرى أن هذا الحدث يكتسب أهمية
استثنائية كونه فتح أفقا جديدا أمام الفلسطينيين، وأعاد تذكيرهم بتراجع نشاطهم
الثقافي والسياسي والدبلوماسي، وإهمالهم لعلاقاتهم الأممية. ومن جهة أخرى فقد
"قلب طاولات كثيرة على رؤوس أصحابها"؛ الإسرائيليون الذين ظنوا لعقود
أنهم فوق القانون، والمسؤولون العرب و"الإبراهيميون" الذين يدعون طوال
الوقت أنهم لا يستطيعون فعل المزيد، والديمقراطيات الغربية التي تروج باستمرار
خطابات الحرية والعدالة وحقوق الإنسان.
لقد اتضح بالفعل أن ملاحقة إسرائيل ممكنة
وعبر أدوات وقنوات دولية يعترف بها الجميع. ويقول " لا تقاس حروب نزع
الاستعمار بما لدى المُستعمِر والمستعمَر من قوة النيران، بل بما تراكم أو تناقص
من الرصيد الأخلاقي لهذا وذاك. وبهذا المعنى تبدو الدولة الإسرائيلية وقد
أفلست(أخلاقيا)، على الرغم مما في ترسانتها العسكرية والاقتصادية من أدوات القوة،
إلى حد يسوغ لها التصرف بمنطق القوة الإقليمية.. وبهذا المعنى لا تكون مشكلة
الإسرائيليين مع الفلسطينيين وحسب، بل ومع العالم أيضا".
أما عن حرب الرواية، فقد سعت الرواية
الإسرائيلية منذ البداية لاختزال أسباب الحرب في أنها تدور بين كيانين هما الدولة
الإسرائيلية "الديمقراطية" وقطاع غزة المحكوم من قبل "ميليشيا
إرهابية مسلحة، وهي حرب مشروعة لأن إسرائيل تدافع عن نفسها. وفي هذا السياق سعت
إسرائيل للتأكيد دائما على أن هذه "الجماعة الإرهابية" هي امتداد
للنازية ولأبشع صور الجهادية الإسلامية التي تجلت في "داعش". وقد تبنت
وسائل الإعلام الرئيسية في أوروبا والولايات المتحدة، هذه الرواية التي عبرت عنها
أيضا المواقف الرسمية.
ثمة ما يبرر عدم وضوح سيناريو "اليوم التالي" للحرب حتى الآن، إذ أن أهدافها المعلنة لا تتطابق مع النتائج الفعلية على الأرض، وهو ما أدى إلى "إعادة النظر في كفاءة القوة الإسرائيلية في الميدان" في إسرائيل تحديدا، كما أنه فتح الباب واسعا أمام احتمالات كثيرة مادام القتال مستمرا.
ويرى خضر أن اللافت غياب الحقائق الموضوعية
عن هذه الرواية من مثل أن الدولة الإسرائيلية هي في الأصل دولة احتلال، وأن الكتلة
السكانية الأكبر في قطاع غزة تتكون من لاجئين منذ العام 1948، طردوا من بيوتهم
وقراهم التي احتلتها إسرائيل، وأن من نفذوا هجوم "الطوفان" هم أحفاد
هؤلاء اللاجئين. ويشير خضر إلى أن ردود الفعل المنحازة لإسرائيل من قبل الدول
الغربية لم تكن لتظهر بمثل تلك الفجاجة والغضب إلا مع "إدراك مسبق لحقيقة
أنها تعبر عن رغبات دفينة لدى عدد يصعب حصره من النخب الحاكمة والسائدة في العالم
العربي، الإبراهيمية منها على نحو خاص". ويقول إنه لطالما شكل العرب نوعا من
الحماية للفلسطينيين، لكن ما حدث بعد الطوفان أظهر أن هذا الأمر قد انتهى، سيما
وأن البعض منهم قد "انخرط في الحرب على الفلسطينيين أيضا".
اليوم التالي
يرى خضر أن ثمة ما يبرر عدم وضوح سيناريو
"اليوم التالي" للحرب حتى الآن، إذ أن أهدافها المعلنة لا تتطابق مع
النتائج الفعلية على الأرض، وهو ما أدى إلى "إعادة النظر في كفاءة القوة
الإسرائيلية في الميدان" في إسرائيل تحديدا، كما أنه فتح الباب واسعا أمام
احتمالات كثيرة مادام القتال مستمرا. ويبدو تحديد من هو منتصر أو مهزوم مسألة
شائكة، لكن بدون شك فقد تضررت فكرة إسرائيل "وجوديا"، وبالنسبة لحماس
فربما "من حيث لا تدري ولا تحتسب، قد أغلقت الباب في وجه الإسلام
السياسي".
ومع أن إسرائيل لديها تصورات متعددة لليوم
التالي ـ (بعضها يأخذ طريقه إلى التنفيذ تدريجيا، كالتهجير واحتلال القطاع
بالكامل) ـ لكنها ليست محل إجماع، لا داخليا ولا خارجيا. ومع طول أمد الحرب،
لأهداف غير معلنة، وما رافق ذلك من توحش في الانتقام من الفلسطينيين، وجدت إسرائيل
نفسها اليوم في مواجهة غضب شعبي عالمي متصاعد، أحرج بعض النخب السياسية في
الديمقراطيات الغربية، التي سارعت لإعلان تضامنها مع إسرائيل في بداية الحرب. لذلك
يقول خضر أن سيناريو اليوم التالي لم يعد، تماما، شأنا إسرائيليا داخليا، بل صار
شأنا دوليا. وما حدث حتى الآن ربما يكون قد جعل من "المسألة الفلسطينية قضية
مركزية في عالم القرن الواحد والعشرين، على غرار ما وقع للمسألة اليهودية بعد
الحرب العالمية الثانية".