في قضايا
الطاقة، كثيرا ما تتكشف المفارقات بين ما تقتضيه السيادة الوطنية وما تفرضه ضرورات
السوق. ومصر، في علاقتها بالغاز
الإسرائيلي، تقف عند تقاطع بالغ الدقة بين هذين
المسارين. فمنذ أن بدأ تدفق
الغاز القادم من حقل "ليفياثان" إلى الشبكة
المصرية عبر خطوط الأنابيب، غدا جزءا لا يتجزأ من منظومة الإمداد الوطني، يغذي
محطات الكهرباء، ويضمن تشغيل مصانع الأسمدة والبتروكيماويات بكفاءة مستقرة. ولم
ينشأ هذا الاعتماد من فراغ؛ إذ شهد الإنتاج المحلي تراجعا ملحوظا خلال السنوات
الأخيرة، متأثرا بعوامل تقنية وأخرى ناجمة عن ضعف الاستثمارات في تطوير الحقول
القائمة، وفي مقدمتها حقل "ظهر". وفي ظل صيف طويل وطلب متزايد، بدا
الغاز الإسرائيلي خيارا أقل كلفة من شحنات الغاز المسال القادمة من أسواق متقلبة
الأسعار.
غير أن
للسيادة ثمنا لا يؤدى في زمن الوفرة وحده، فالاستغناء عن هذا المصدر الإقليمي يضع
أمام القاهرة تحديا مضاعفا: كيف يمكن تأمين بديل سريع يلبي الاحتياجات ذاتها، من
دون أن ترتفع فاتورة الاستيراد إلى مستويات تثقل كاهل الميزان التجاري والاحتياطي
النقدي؟ البدائل النظرية متاحة؛ من قطر إلى الولايات المتحدة مرورا بالجزائر، يمكن
لمصر أن تلجأ إلى أسواق الغاز المسال، وأن تبرم عقودا متوسطة أو طويلة الأجل تضمن
وصول الشحنات إلى محطتي إدكو ودمياط.
مصر أمام خيارين، أولهما الاستمرار في مسار الاعتماد البراغماتي على الغاز الإسرائيلي، بما يوفره من استقرار سعري وتشغيلي، وثانيهما الشروع في مسار استقلال طاقي يتطلب استثمارات ضخمة، وتحمل أعباء مالية، وإدارة دقيقة لمخاطر السوق
غير أن تكلفة هذه الشحنات أعلى بطبيعتها من
الغاز القادم عبر الأنابيب، فضلا عن المخاطر اللوجستية والمنافسة الموسمية على الإمدادات
في السوق العالمية.
وإذا كان
تنويع المصادر هدفا مشروعا، فإن الزمن اللازم لتحقيقه ليس أمرا هامشيا. فالتوسع في
استيراد الغاز المسال يتطلب استثمارات إضافية في البنية التحتية، سواء في محطات
إعادة التحويل أو في توسيع قدرات التخزين والنقل الداخلي. وهذا المسار، مهما بلغت
جديته، لن يؤتي ثماره قبل مرور عدة سنوات، مما يجعل أي قرار بالاستغناء الفوري عن
الغاز الإسرائيلي مغامرة محفوفة بالعواقب، قد تفضي إلى عودة الانقطاعات الكهربائية
أو زيادة الاعتماد على الوقود السائل الأعلى تكلفة والأقل كفاءة.
وعند هذه
النقطة يتضح جوهر المعضلة: مصر أمام خيارين، أولهما الاستمرار في مسار الاعتماد
البراغماتي على الغاز الإسرائيلي، بما يوفره من استقرار سعري وتشغيلي، وثانيهما
الشروع في مسار
استقلال طاقي يتطلب استثمارات ضخمة، وتحمل أعباء مالية، وإدارة
دقيقة لمخاطر السوق. لكل مسار أدواته وحساباته، ولكل منهما ميزان مختلف للربح
والخسارة؛ أحدهما يقيسها في دفاتر الحسابات الآنية، والآخر يضعها في ميزان
الاستراتيجية بعيدة المدى.
حين يُنظر
إلى المشهد من منظور أوسع، يتبين أن معادلة الغاز بين مصر وإسرائيل ليست منعزلة عن
سياق إقليمي تتشابك فيه خطوط الأنابيب مع خرائط النفوذ. فقد تحول شرق المتوسط،
خلال العقد الأخير، إلى ساحة تنافس على عقود الإمداد ومسارات التصدير، فيما وجدت
مصر في موقعها الجغرافي وبنيتها التحتية فرصة لتكون منصة إقليمية لتسييل الغاز
وتصديره إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية. وفي هذا الإطار، شكلت الإمدادات
الإسرائيلية عنصرا حاسما لضمان التشغيل المتواصل لمحطات التسييل، حتى في فترات
تراجع الإنتاج المحلي. وقد عزز هذا الدور مكانة مصر كمركز إقليمي للطاقة، لكنه في
الوقت ذاته جعل جزءا من هذه المكانة مرهونا باستمرار تدفق الغاز من مصدر واحد، بما
يضيف بعدا من الحساسية السياسية على قرار الاستمرار أو الانفصال.
السعي إلى الاستقلال الطاقي لا يقتصر على إيجاد بدائل للغاز الإسرائيلي، بل يستلزم إعادة هيكلة شاملة لمنظومة الإنتاج المحلي، بدءا من إصلاح الحقول الكبرى ومعالجة مشكلاتها التقنية، وصولا إلى تشجيع الاستكشافات الجديدة وإعادة جذب الاستثمارات الأجنبية. وهذه العملية ليست شأنا ماليا فحسب، بل هي أيضا سباق مع الزمن
إن السعي
إلى الاستقلال الطاقي لا يقتصر على إيجاد بدائل للغاز الإسرائيلي، بل يستلزم إعادة
هيكلة شاملة لمنظومة الإنتاج المحلي، بدءا من إصلاح الحقول الكبرى ومعالجة
مشكلاتها التقنية، وصولا إلى تشجيع الاستكشافات الجديدة وإعادة جذب الاستثمارات
الأجنبية. وهذه العملية ليست شأنا ماليا فحسب، بل هي أيضا سباق مع الزمن؛ فالسنوات
التي تستغرقها عمليات المسح والتطوير والتشغيل لا يمكن اختزالها، ولا يمكن سد
فجواتها إلا بموارد خارجية جاهزة. وهنا تبرز معضلة المفاضلة بين استقلال يتطلب
صبرا ومثابرة، واعتماد يوفر حلا سريعا لكنه يبقي على روابط لا تخلو من المخاطر.
وفي
المقابل، تميل البراغماتية الاقتصادية إلى اعتبار الإبقاء على الغاز الإسرائيلي
ضمن المزيج الطاقي المصري، ولو بصورة مرحلية، وسيلة لضمان استقرار الأسعار، وتخفيف
الضغط على العملة الصعبة، وتعزيز القدرة التنافسية للصناعات المحلية في مواجهة
ارتفاع تكاليف الإنتاج عالميا. وهذه المكاسب، التي تقاس بمؤشرات واضحة على المدى
القصير، قد تبرر في نظر صانع القرار الاستمرار في هذا المسار، خصوصا عند مقارنته
باضطراب سوق الغاز المسال وارتفاع تكلفته، فضلا عن محدودية البدائل الإقليمية ذات
الجدوى الفورية. ومع ذلك، فإن هذا المنطق، مهما بدت وجاهته، يظل عرضة للاهتزاز إذا
تغيرت الظروف السياسية أو تعطلت خطوط الإمداد لأي سبب طارئ.
وبين هذين
المسارين، تنحصر المسألة في جوهرها في سؤال محوري: أي نوع من الأمان تريد مصر أن
تراهن عليه؟ أهو أمان السوق، الذي تقاس معاييره بالأسعار والعقود وقدرة التوريد
الفوري، أم أمان السيادة، الذي يبنى على تنويع المصادر وتعزيز الإنتاج المحلي، حتى
لو استلزم الأمر سنوات من الاستثمار وتحمل المخاطر؟ والإجابة هنا لن تحددها
المعادلات الاقتصادية وحدها، بل توازن دقيق بين حسابات الحاضر وضمانات المستقبل،
وبين المرونة التي تمليها البراغماتية والحصانة التي يوفرها الاستقلال.