ليس للسلطة فكر تهيمن به على الناس، وهي مكتفية بالهيمنة بقواتها الصلبة
وترسانة مشرّعيها الذين يحصون الأنفاس ويسوقون الناس بالمناشير إلى حالة البؤس
الدائمة؛ إنما الإرهاب الحقيقي والفعال الذي يكبل الساحات الفكرية والثقافية
تمارسه مجموعات
اليسار والقوميين على عموم المشهد السياسي والفكري والثقافي، فتمنع
كل خروج عن منظوماتها الأيديولوجية المتكلسة. وقد أسهم إرهاب المجاميع الأيديولوجية
اليسارية في إفشال الربيع العربي ومنع تطوره نحو حالة ديمقراطية. على الجهة
المقابلة لليسار، تمارس تيارات
السلفية والمداخلة المبثوثين بين الصفوف في منع كل
تطوير للخطاب الديني من داخله، فلغة
التكفير جارية على ألسنتهم، وهم يرهبون الناس
في المساجد ويتدخلون حتى في ملابس المصلين.
ويتكامل الصفان في منع بناء حوار ثقافي بين أفكار الحداثة والمرجعيات
الدينية، ويقطعون الطريق على أقلام حرة خارجة من اليسار ومن تيار الإسلام السياسي.
وتبحث عن المشتركات فتصطدم باليساري والسلفي فيفشلان كل بناء ديمقراطي.
الأفكار تتحول إلى أصول تجارية
يتكامل الصفان في منع بناء حوار ثقافي بين أفكار الحداثة والمرجعيات الدينية، ويقطعون الطريق على أقلام حرة خارجة من اليسار ومن تيار الإسلام السياسي. وتبحث عن المشتركات فتصطدم باليساري والسلفي فيفشلان كل بناء ديمقراطي
أعلن اليساري
التونسي منذ ظهوره تملّكه المطلق للحقيقة، وفرض نفسه مرجعا في
التقدمية والثورية، وزعم أن لا شريك له في نصرة الطبقة العاملة والمهمشين. لقد وضع
اليساري التونسي القواعد: من لم يكن يساريا فهو بالقوة رجعي وغير وطني، أي خائن.
طبعا توجد داخل اليسار نفسه فصائل يسارية تقصي فصائل يسارية أخرى وتنعتها
بالتحريفية والعمالة، لكن التخوين والتكفير اليساري يحتد على كل من يقترب من
المنطقة اليسارية أو يتحدث باسم الطبقات الاجتماعية أو يقدم صيغا مختلفة للعمل
السياسي. وقد حارب كل من نافسه في تقدميته، بما في ذلك القوميون العرب الذين زعموا
تملك التقدمية بدورهم ومنعوها عمن سواهم. يزيد القوميون فصلا آخر: من لم يكن
ناصريا فهو خائن وعميل، ومن لم يكن بعثيا فهو خائن ورجعي وعميل.
لقد ثبّت الجميع مواقفهم وشعارتهم وبقوا عندها منذ ظهورهم، ولم نسمع أو
نقرأ مراجعات فكرية وسلوكية تفاعلت مع تغيرات كونية خلخلت قواعد الانتماء الأيديولوجي
وغيرت خريطة الانتماءات. القوم عندنا مرابطون في زمن الحرب الباردة ويهددون كل نقد
أو دعوة للمراجعة. هذا التكلس ينتج في اليومي عبارات وأفعال ووصم ترهيب لكل مخالف،
شأن من يدافع عن مكتسبات يعرف ضمنا وفعلا إنها مهددة بالزوال لو تم نقدها وتمحيصها
فكريا ونضاليا.
لقد تحول اليسار إلى عصابات إرهاب فكري لكل مخالف، بمن في ذلك بعض
اليساريين الذين نأوا بأنفسهم عن الأيديولوجيا. وقد تحول إرهابهم إلى مناصرة
سياسية مطلقة لكل نظام يرهب الناس بقوة العصا، فهم يحتمون به ويحمونه. وجميعهم
موقن بالتهديد الديمقراطي، لذلك فإن مواقعهم الآن هي قطع الطريق على كل فعل أو قول
ديمقراطي. هذا كان موقع اليسار مع بن علي وموقعهم الآن مع قيس سعيد، وبينهما كان
اليسار قوة تخريب للفسحة الديمقراطية التي جلبتها الثورة.
التكفير المدخلي
هناك سؤال ساخر يرمى في الساحة التونسية: أين اختفى السلفيون بعد سقوط حكم
النهضة؟ لقد ظهروا بظهورها وسيطروا على الشوارع ثم ذابوا بعد أن أُخرجت من السلطة،
بما سهل على الناس قولا بسيطا ولكن ذا دلالة: لقد كانوا مكلفين بمهمة تخريب
المشروع الديمقراطي الذي جاء به الربيع العربي.
ودون التفريع على أنواع السلفيات الوافدة على تونس، فإن موضوع اهتمامنا هو
الترهيب الذي يمارسه السلفيون على المتعبدين في المساجد والشوارع. لقد جروا الناس
إلى تفاصيل التعبد وإلى ما دون ذلك، مانعين كل نقاش في الشأن العام قد يظهر في
مسجد أو منتدى، كما يجرون الفيسبوك النشط في تونس إلى نقاشات في الفروع مثل جواز
الصلاة بسروال إفرنجي دون جلباب.
لا تسمع من سلفي حديث السياسة وهموم الناس المعيشية، وفي حرب الطوفان كان
السلفيون لا يرفعون أيديهم للدعاء إذا تجرأ إمام على الدعاء لغزة. تزدهر لغة
التكفير هنا ويحل خطاب رسلان وأضرابه فوق سطح كل محادثة، وهم لا يقفون عند ذلك،
فكل من يخالفهم يُطعن في دينه وإيمانه. كل محادثة ولو عابرة مع هذا التيار تبدأ
بالاستتابة فينقطع الحديث.
الترهيب لقطع طريق الديمقراطية
يلتقي التياران على اختلاف مراجعهما العقدية في تخريب الديمقراطية، فكل
سبيل إلى الصندوق الانتخابي يقطع بسبل التكفير السلفي وسبل التكفير اليساري. ويصب "نضالهم"
في سلة الأنظمة المرعوبة من الاحتمال الديمقراطي، بما يجعل اتفاقهما رافدا للأنظمة
في حربها على كل نفس تحرري. ولذلك نلاحظ بأريحية أن أعلام هذه التيارات ورؤوسها
باقية بمنجاة من كل مطاردة سياسية، بل تفسح لها المنابر الإعلامية ومواقع الفعل في
الإدارة.
امتد أثر الإرهاب الفكري إلى كل النخبة الواعية الفاقدة للحماية الحزبية؛ لم تعد نخب كثيرة تخشى السلطة وحدها، بل تخشي أكثر من ذلك التكفييرين من اليسار ومن اليمين. فهؤلاء أقرب إلى النَيل من أسباب رزق النخب بالوشاية والتضييق على المسارات المهنية
وسواء كانوا اتخذوا مواقفهم بقناعة أو اصطُنعوا للغاية، فهم يشتغلون دروع
حماية للأنظمة وحواجز قاسية ضد المعارضات الديمقراطية وفي مقدمتها تيار الإسلام
السياسي (الإخوان وفروعهم مثل حزب النهضة في تونس)، وهو التيار الذي يتعرض للهجوم
من الجهات الثلاث؛ تطعن السلفية في إيمانهم، ويطعن اليسار في وطنيتهم ويتهمهم
بالعمالة للخارج، وتكمل الأنظمة المهمة بسجنهم بتهم التخابر مع حماس أو التآمر على
أمن الدولة.
وليس الإسلام السياسي وحده ضحية هذه التيارات التكفيرية، بل إن جهدهم ينصب
على إفشال كل لقاء بين مكونات المجتمع السياسي المختلفة كلما فكرت أو نسقت عملها
في طريق الحريات واستعادة الديمقراطية. إن تهمة الأخونة في مصر ترمى على كل من لا
يشارك في سحل الإخوان ومباركة مجزرة رابعة مثلا. ورديف الأخونة في تونس هو التذيل
للنهضة أو "لست نهضاويا ولكن"، وهذه جملة تعني الرمي بالنفاق السياسي
ولو كان المتكلم مع النهضة يساريا صميما وله تاريخ نضالي؛ لكن بمجرد أن يتوقف عن
حديث الاستئصال يتحول إلى "خوانجي مبيوع الذمة".
في مثل هذه الأجواء الإرهابية لا تتقدم النقاشات ولا يتطور التنسيق السياسي
المؤدي إلى الديمقراطية، فالجرثوم متعدد وفعال ومدعوم أمنيا وسياسيا لأداء مهمة
التخريب. وقد امتد أثر الإرهاب الفكري إلى كل النخبة الواعية الفاقدة للحماية الحزبية؛ لم
تعد نخب كثيرة تخشى السلطة وحدها، بل تخشي أكثر من ذلك التكفييرين من اليسار ومن
اليمين. فهؤلاء أقرب إلى النَيل من أسباب رزق النخب بالوشاية والتضييق على
المسارات المهنية.
هذه البيئة الفكرية تخرب السياسة وتعيق التقدم نحو الديمقراطية، وكل تفكير
في المستقبل يحتاج فعلا إلى رسم حدود مع هذه التيارات ومنعها من التأثير في
النقاشات، بتجاوزها بل باحتقارها وتهميشها، فهي في تقديرنا أخطر من السلطة بكل
أجهزتها الردعية لأنها الإرهاب الحقيقي.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.