العراق.. ملفات جرائم النظام السابق ما تزال مفتوحة ومحاكمات تمتد لعقود

 المحكمة أصدرت منذ تأسيسها نحو 160 حكمًا بالإدانة، بينها 26 حكمًا بالإعدام، فيما أُفرج عن نحو 270 متهمًا لعدم كفاية الأدلة أو عدم ثبوت التهم بحقهم..
المحكمة أصدرت منذ تأسيسها نحو 160 حكمًا بالإدانة، بينها 26 حكمًا بالإعدام، فيما أُفرج عن نحو 270 متهمًا لعدم كفاية الأدلة أو عدم ثبوت التهم بحقهم..
شارك الخبر
تؤكد المحكمة الجنائية العراقية العليا، وهي إحدى أبرز الهيئات القضائية المختصة بملفات الجرائم الجسيمة في العراق، استمرار عملها في ملاحقة القضايا المرتبطة بمرحلة ما قبل عام 2003، بما يشمل جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب وإبادة جماعية، في إطار صلاحيات تستند إلى الدستور والقوانين النافذة منذ تأسيسها عام 2005.

وقال رئيس المحكمة القاضي سعد اللامي في مقابلة مع وكالة الأنباء العراقية (واع) إن المحكمة تواصل النظر في ملفات واسعة النطاق تعود إلى الفترة الممتدة من 17 تموز/يوليو 1968 حتى الأول من أيار/مايو 2003، مشددًا على أن ولايتها القانونية لا تزال قائمة إلى حين الانتهاء من جميع القضايا المعروضة أمامها.

وأوضح اللامي أن المحكمة تأسست بموجب القانون رقم (10) لسنة 2005، بعد أن كانت قد بدأت عملها الأولي عام 2003 تحت مسمى المحكمة العراقية الجنائية المختصة بجرائم ضد الإنسانية، قبل أن يُعاد تنظيمها لاحقًا ضمن منظومة القضاء العراقي، وتنتقل إداريًا إلى مجلس القضاء الأعلى عام 2012، في إطار تعزيز مبدأ الفصل بين السلطات وضمان الاستقلال القضائي.

وبحسب البيانات التي كشف عنها، فإن المحكمة أصدرت منذ تأسيسها نحو 160 حكمًا بالإدانة، بينها 26 حكمًا بالإعدام، فيما أُفرج عن نحو 270 متهمًا لعدم كفاية الأدلة أو عدم ثبوت التهم بحقهم، مؤكدًا أن طبيعة عمل المحكمة لا تستهدف المناصب أو الانتماءات السياسية بقدر ما تركز على الأفعال الجنائية المرتبطة بجرائم جسيمة.

آلاف المطلوبين وملفات غير منفذة


وفي أبرز ما ورد في حديثه، كشف رئيس المحكمة عن وجود نحو 3300 أمر قبض لم تُنفذ حتى الآن بحق أشخاص متهمين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، مشيرًا إلى أن جزءًا من هؤلاء خارج البلاد، بينما يواجه تنفيذ أوامر الاعتقال تحديات تتعلق بالإجراءات الدولية، مثل اشتراط بعض الدول ضمانات قضائية أو معلومات إضافية حول العقوبات المحتملة.

ولفت إلى أن العراق يعتمد في ملاحقة المطلوبين على قنوات مثل الإنتربول والشرطة العربية، إلا أن هذه الجهود تصطدم بعقبات قانونية ودبلوماسية، بينها ازدواج الجنسية أو غياب اتفاقيات تسليم المطلوبين مع بعض الدول.

تعقيدات قانونية وملف الأدلة


وأشار اللامي إلى أن أحد أبرز التحديات التي تواجه المحكمة يتمثل في صعوبة إثبات الجرائم بعد مرور عقود طويلة على وقوعها، ما يفرض معادلة دقيقة بين منع الإفلات من العقاب من جهة، وضمان عدم الإدانة استنادًا إلى أدلة ضعيفة من جهة أخرى.

كما أوضح أن المحكمة تعتمد على مصادر متعددة للأدلة، تشمل الوثائق الرسمية التي جُمعت بعد عام 2003 من الأجهزة الأمنية، إضافة إلى ملفات هيئة السجناء السياسيين، واعترافات المتهمين، فضلًا عن أرشيف خاص بالمحكمة يضم وثائق متنوعة تتعلق بالجرائم محل التحقيق.

وأكد أن الشهادات المتأخرة تُعامل بحذر شديد نظرًا لاحتمال تعرضها للتلقين أو النسيان، مقارنة بالشهادات التي سُجلت في وقت قريب من وقوع الأحداث.

اختصاصات محددة واستقلال قضائي


وبيّن رئيس المحكمة أن اختصاصها يقتصر على جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ولا يشمل قضايا الانتماء السياسي أو الحزبي بحد ذاته، موضحًا أن من لا يثبت ارتكابه لهذه الجرائم يُفرج عنه حتى لو شغل مناصب رفيعة في النظام السابق.

وأضاف أن المحكمة كانت قد أفرجت في وقت سابق عن شخصيات شغلت مواقع أمنية أو حكومية بعد ثبوت عدم تورطها في الجرائم محل التحقيق.

كما شدد على أن المحكمة باتت تتمتع باستقلال إداري وقضائي كامل ضمن منظومة مجلس القضاء الأعلى، وأن قراراتها تخضع للطعن أمام محكمة التمييز الاتحادية، بما ينسجم مع الهيكل القضائي العام في البلاد.

جدل حول العدالة الانتقالية وطبيعة الأحكام


وفي سياق الجدل الأوسع حول عمل المحكمة منذ تأسيسها، يبرز بين حين وآخر نقاش سياسي وقانوني في الأوساط العراقية والدولية بشأن طبيعة بعض الأحكام الصادرة بحق شخصيات من النظام السابق، سواء في المرحلة التي كانت فيها المحكمة مرتبطة بمجلس الوزراء أو بعد انتقالها إلى مجلس القضاء الأعلى.

إذ يرى منتقدون أن مسار العدالة الانتقالية في العراق تأثر، في بعض مراحله، بالاستقطاب السياسي والتوترات الطائفية التي رافقت مرحلة ما بعد 2003، ما انعكس ـ بحسب هؤلاء ـ على مناخ المحاكمات وتقدير الأدلة وسياق إصدار بعض الأحكام، في حين تؤكد السلطات القضائية من جهتها أن جميع الإجراءات تمت وفق القانون وبضمانات قضائية كاملة وخاضعة لطرق الطعن والتمييز.

ملفات بارزة وجرائم موثقة


وتطرق اللامي إلى عدد من القضايا التي نظرتها المحكمة، من بينها قضايا اغتيال شخصيات دينية وملفات تتعلق بالمقابر الجماعية وعمليات القمع التي طالت مدنيين في مراحل مختلفة من تاريخ العراق الحديث، مشيرًا إلى أن بعض القضايا كشفت عن انتهاكات جسيمة شملت التعذيب والقتل الجماعي والتهجير القسري.

وأكد أن بعض الأحكام الصادرة شملت جرائم موثقة بحق مئات الضحايا، وأن التحقيقات لا تزال مستمرة في ملفات أخرى يجري تدقيقها استنادًا إلى وثائق جديدة ترد إلى المحكمة بشكل دوري.

العدالة المؤجلة


ويعكس استمرار هذه الملفات المفتوحة حجم التعقيدات التي تواجه مسار العدالة الانتقالية في العراق، حيث تتداخل الاعتبارات القانونية والسياسية والإنسانية في معالجة إرث ثقيل من الانتهاكات الممتدة لعقود.

وبينما تؤكد المحكمة التزامها بإغلاق جميع الملفات المعروضة أمامها، يبقى تنفيذ أوامر القبض وملاحقة المطلوبين أحد أبرز التحديات التي تعكس فجوة بين الأحكام القضائية وإمكانيات التنفيذ على أرض الواقع، في سياق لا يزال يحمل آثار مرحلة سياسية وأمنية معقدة في تاريخ العراق الحديث.

اظهار أخبار متعلقة


التعليقات (0)