اقتربت القضاء الإيطالي من حسم قضية خطف الباحث الإيطالي، جوليو
ريجيني، وتعذيبه وقتله في
مصر مطلع 2016، وذلك بعد أكثر من 10 سنوات من الجريمة التي أثارت غضبا إيطاليا وأوروبيا ودوليا، وفتحت ملف انتهاكات الأنظمة الأمنية المصرية، وسلطت الضوء على السجل الحقوقي السيء لرئيس النظام عبدالفتاح السيسي.
وفي جريمة مقتل ريجيني، التي كانت العاصمة المصرية القاهرة شاهدة على أحداثها،
طالب الادعاء الإيطالي أمام محكمة الجنايات بإدانة 4 ضباط مصريين، وإصدار حكما بالسجن المؤبد على الضابط في جهاز الأمن الوطني والمخابرات العامة الرائد مجدي شريف، المتهم الرئيسي بالتخطيط والإشراف على عملية الخطف والتعذيب والقتل.
وخلال المرافعات الختامية للمحاكمة الغيابية للضباط المصريين الأربعة؛ امتدت مطالبات الادعاء الإيطالي الثلاثاء الماضي، بتوقيع عقوبة السجن 17 عامًا و6 أشهر بحق 3 قيادات أمنية أخري وهم: المسؤول سابق بجهاز الأمن الوطني اللواء طارق صابر، ومدير مباحث مرافق القاهرة سابقاً العقيد آسر كمال، والضابط بجهاز الأمن الوطني العقيد حسام حلمي.
وأمام المحكمة اتهم الادعاء الإيطالي السلطات المصرية بعدم التعاون في التحقيقات وحماية المسؤولين عن الجريمة، فيما كشف للمرة الأولى عن صور تشريح جثة ريجيني، بموافقة أسرته، مؤكدا أنه تعرض لتعذيب ممنهج لعدة أيام وهو في وعيه وقبل مقتله.
وانتقد نائب المحامي العام سيرجو كولايوكو الجريمة ووصفها بأنها "استخدام منهجي وبارد ومنظم للعنف ضد رجل أعزل"، قائلا: "الحقيقة المأساوية هي أن هذه الجريمة لا يرتكبها مجرمون بل دولة، سمحت لهم الدولة باستخدام العنف".
الباحث بجامعة كامبريدج، كان يجري بحثا حول النقابات العمالية المستقلة، لتتم متابعته أمنيا من قبل مخبرين تابعين لجهاز الأمن الوطني، وتوقيفه في مترو القاهرة 25 كانون الثاني/يناير 2016، واحتجازه بإحدى المقرات الأمنية في توقيت قام فيه الجهاز بالكثير من عمليات
التعذيب والقتل، ليتم العثور على جثمان ريجيني بعد أسبوع ملقى على الطريق وبه آثار تعذيب شديد أودى بحياته، لتوجه الحكومة الإيطالية اتهامات للضباط الأربعة بالقتل.
القاهرة من جانبها ورغم إعلانها التعاون مع النيابة الإيطالية في التحقيقيات لم تعترف بتلك المحاكمة، وأعلنت أن ريجيني قُتل على يد عصابة إجرامية تمت تصفيتها بمعرفة الأمن المصري، وأنكرت علاقة الضباط الأربعة، ورفضت مطالبات روما بتسليمهم، بل وأسقطت الدعوى الجنائية عام 2020، لتبدأ روما المحاكمة لديها رسميا عام 2021، على أن تصدر حكمها النهائي عقب العطلة القضائية، بنهاية آب/أغسطس المقبل.
اظهار أخبار متعلقة
قوائم القتل والإفلات من العقاب
ويرى حقوقيون أن طلب الادعاء الإيطالي توجيه المحكمة نحو إدانة الأمن المصري يعد انتصارا لآلاف المصريين
المعارضين والسياسيين وحتى الجنائيين الذي قتلتهم السلطات الأمنية المصرية دون عقاب أو توجيه اتهام في ظل حماية السيسي، لمرتكبي تلك الجرائم بتصريحه الشهير نهاية عام 2013، في قائمة طويلة من المجني عليهم والجناة.
ومن آن إلى آخر تعلن وزارة الداخلية مقتل مطلوبين أو عناصر مسلحة في تبادل لإطلاق نار، بينما تتهم منظمات حقوقية محلية ودولية السلطات بتنفيذ عمليات "تصفية جسدية"، وقتل خارج نطاق القانون لمعارضين سياسيين أو جنائيين بعد اعتقالهم وإخفائهم قسرياً.
ومن تلك القائمة يشير حقوقيون إلى جريمة تصفية السلطات الأمنية 5 مصريين بتهمة قتل ريجيني، وبدعوى أنهم جنائيين متخصصين في السطو المسلح على الأجانب، ليؤكد النائب العام المصري في بيان أغلق فيه ملف القضية في كانون الأول/ديسمبر 2020، أنه لا صلة للعصابة الإجرامية بقتل ريجيني، ما دفع حقوقيون للمطالبة بالتحقيق في واقعة تصفيتهم.
وهي الجريمة التي سبقها ارتكاب السلطات الأمنية جرائم قتل بحق معارضين وصلت حد وصفها من قبل منظمات دولية بالمذابح، ومنها قتل نحو 846 متظاهراً وإصابة الآلاف بين 25و28 كانون الثاني/يناير 2011، والتي تبعها مقتل وإصابة العشرات 3 شباط/فبراير بموقعة "الجمل"، ومقتل 28 في تشرين الأول/أكتوبر بـ"أحداث ماسبيرو"، و40 متظاهرا في أحداث "محمد محمود" تشرين الثاني/نوفمبر، و17 في أحداث "مجلس الوزراء" كانون الأول/ديسمبر، ومقتل 72 مشجعا لفريق الأهلي بمجزرة ستاد بورسعيد شباط/فبراير 2012.
ثم مقتل نحو 65 من أنصار الرئيس الراحل محمد مرسي، في 5 و8 تموز/يوليو 2013 أمام دار "الحرس الجمهوري"، ثم مقتل 95 آخرين أمام "المنصة" 27 تموز/يوليو، لترتكب السلطات الأمنية مجزرتي "رابعة العدوية" و"النهضة" 14 أب/أغسطس وتقتل أكثر من 1000 معتصم، وبعدها بيومين يسقط نحو 120 برصاص الأمن في ميدان "رمسيس"، ثم حرق وقتل 37 معتقلا بسيارة ترحيلات أبوزعبل 18 أب/أغسطس، وقتل 57 متظاهرا في تشرين الأول/أكتوبر، و20 بميدان "المطرية" يناير 2015، 20 مشجعا لنادي الزمالك في شباط/فبراير 2015.
وإلى جانب مئات الوقائع شبه اليومية لارتكاب الأمن المصري سواء الأمن الوطني أو العام لجرائم قتل وتصفية وتعذيب مصريين في السجون ومقرات الاحتجاز وفي الشارع، بين جنائيين وسياسيين، تأتي جرائم قتل مخبرين في الإسكندرية للشاب خالد سعيد وسيد بلال عام 2011، والمسيحي مجدي مكين عام 2016، والشاب الصعيدي عيسى الراوي برصاص ضابط شرطة تشرين الأول/أكتوبر 2020.
تشير الأحداث إلى أن الأمر طال النساء، وبينهم الناشطة شيماء الصباغ في 24 كانون الثاني/يناير 2015 إثر إطلاق قنابل الخرطوش من قِبل قوات الأمن على مسيرة متوجهة لميدان التحرير.
والصحفيتان حبيبة عبدالعزيز وأسماء صقر، والفتاة أسماء البلتاجي برصاص قناصة أثناء وجودهم باعتصام أنصار الرئيس محمد مرسي في "رابعة العدوية" 14 أب/أغسطس 2013.
وتؤكد تقارير المنظمات الحقوقية ومنها: "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية" أن أقسام الشرطة ومقار الاحتجاز تشهد وقائع اعتداء بدني تُصنف كـ"تعذيب" لانتزاع الاعترافات، فيما أكد الحقوقي خلف بيومي في حديث سابق لـ"عربي21"، وفاة 1300 معتقل سياسي بفعل التعذيب الممنهج داخل السجون ومقرات الاحتجاز.
وفي السياق، قُتل مئات الجنائيين في أماكن الاحتجاز بعد ساعات من توقيفهم وعلى سبيل المثال: إسلام الأسترالي بقسم شرطة المنيب أيلول/سبتمبر 2020، والمواطن أحمد زكي بقسم شرطة النزهة بالقاهرة في تشرين الأول/أكتوبر 2021، ومصطفى منتصر "تشي غيفارا" بقسم شرطة الوايلي بالقاهرة تموز/يوليو 2022، وغيرهم.
اظهار أخبار متعلقة
رسالة عدم الإفلات من العقاب
وفي إجابته على السؤال: "كيف تمثل إدانة الأمن المصري في مقتل الإيطالي ريجيني انتصارا لقضايا مصريين قتلوا دون محاكمة أو تحقيق مستقل؟"، قال الحقوقي المصري أحمد هلال، إن "اتجاه القضاء الإيطالي إلى إدانة مسؤولين أمنيين مصريين في قضية مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني يحمل دلالة تتجاوز حدود القضية نفسها".
وفي حديثه لـ"عربي21"، يرى أنه "يمثل تأكيدًا على أن الجرائم الجسيمة لا تسقط بالتقادم، وأن مبدأ المحاسبة يمكن أن يظل قائمًا حتى بعد سنوات، إذا توفرت الإرادة القضائية والأدلة الكافية".
وأرجع هلال، أهمية هذه الإدانة في أنها "تبعث برسالة مفادها أن الإفلات من العقاب ليس قدرًا محتومًا، وأن الضحايا أو ذويهم قد يجدون طريقًا إلى العدالة، ولو عبر القضاء في دول أخرى عندما تتعذر المساءلة محليًا".
وهنا يؤكد هلال، أنه "بالنسبة لآلاف المصريين الذين تم قتلهم في الميادين أو السجون والمعتقلات أو تمت وفاتهم في ظروف تستوجب التحقيق، فإن هذه القضية تمثل بالنسبة لهم بارقة أمل ورمزًا لإمكانية المطالبة بتحقيقات مستقلة وشفافة، ومحاسبة كل من يثبت تورطه، أيًا كان موقعه أو صفته".
وتابع:"هي تعزز كذلك الدعوات إلى ترسيخ مبدأ سيادة القانون، بحيث لا يكون هناك تمييز بين ضحية أجنبية وضحية مصرية، فالحق في الحياة والعدالة حق إنساني لا يرتبط بالجنسية أو المكانة"، بحسب الباحث الحقوقي المصري.
وأوضح أنه "رغم صعوبة ضبط الميزان بين الأجانب والمواطنين في ظل نظام لا يرى المواطن المصري ولا حقوقه فإن تلك القضايا أيضا سيتم فتحها في ظروف خالية من القمع الممنهج والاستبداد".
وذهب للقول: "مع ذلك، فإن الإدانة الصادرة عن القضاء الإيطالي، حتى إن أصبحت نهائية، لا تعني تلقائيًا وقف الانتهاكات أو إعادة حقوق جميع الضحايا، لكنها قد تشكل ضغطًا سياسيًا وقانونيًا وأخلاقيًا يدفع نحو تعزيز المساءلة، ويفتح الباب أمام المطالبة بتحقيقات أكثر استقلالًا في قضايا أخرى، وهو ما يراه كثير من المدافعين عن حقوق الإنسان خطوة مهمة في مكافحة الإفلات من العقاب".
ليؤكد في نهاية حديثه أن "القصاص والعدالة الانتقالية يظلان أملا يراود أصحاب الحقوق والضحايا والمضطهدين".
محاكمة رمزية للمنظومة
من جانبه، أكد الناشط السياسي، معاذ عبدالكريم، أن قضية مقتل ريجيني، واحدة من أكثر القضايا التي أثارت اهتمامًا دوليًا بشأن أوضاع حقوق الإنسان وممارسات الأجهزة الأمنية في مصر بعد عام 2013؛ ولن يكون الحكم الصادر بالقضية مجرد فصل في واقعة جنائية، بل تحول إلى حدث سياسي وقانوني حمل دلالات تتجاوز حدود الجريمة نفسها".
عبدالكريم، وفي حديثه لـ"عربي21"، لفت إلى أن "الحكم جاء نتيجة تحقيقات وأدلة جنائية وقضائية، وليس مجرد قرار مسيس كما تروج بعض الروايات، ويستند هذا الرأي إلى عدد من العناصر التي برزت خلال التحقيقات".
وتابع"ومن بينها تقرير الطب الشرعي الذي أشار إلى تعرض ريجيني لصور متعددة من التعذيب الشديد في أنحاء مختلفة من جسده، بما في ذلك أعضاؤه التناسلية، إضافة إلى ما أثير حول تسجيلات مسربة لضابط شرطة ومسؤول في نقابة مستقلة، والتي ارتبطت بمسار جمع المعلومات عن ريجيني قبل اختفائه في محيط محطة مترو الدقي".
ويرى الناشط المصري أن "القضية أعادت إلى الواجهة نقاشًا واسعًا حول الخطاب السياسي الذي ساد في أعقاب أحداث عام 2013، لا سيما التصريحات المنسوبة إلى السيسي، بشأن عدم سجن ضباط الشرطة بسبب وقائع قتل المتظاهرين، وهو ما اعتبره منتقدون مؤشرًا على غياب المساءلة داخل المؤسسة الأمنية".
ويعتقد أن "قضية ريجيني، أصبحت محاكمة رمزية لمنظومة كاملة أكثر من كونها محاكمة لأفراد بعينهم؛ فهي تطرح تساؤلات جوهرية حول حدود السلطة، وآليات المحاسبة، ومدى الالتزام بسيادة القانون، كما تعيد فتح ملف مزاعم التعذيب والانتهاكات داخل أماكن الاحتجاز".
اظهار أخبار متعلقة
ماذا عن المصريين؟
وبين أنه "إذا كان مقتل باحث أجنبي يحظى باهتمام ودعم دولته قد استدعى كل هذا الزخم الدولي، فإن السؤال الذي يظل مطروحًا هو: ماذا عن المواطنين المصريين الذين لا تحظى قضاياهم بأي اهتمام؟ وما هي حجم الانتهاكات التي يتعرضون لها في مقرات الاحتجاز؟، وهو التساؤل الذي لا يهدف مقارنة بين الضحايا، بقدر ما يدعو إلى ترسيخ مبدأ العدالة والمساءلة للجميع، باعتبارهما أساس أي دولة تحترم القانون وحقوق الإنسان".
وخلص عبدالكريم، للقول: "ستظل قضية ريجيني علامة فارقة في تاريخ العلاقات المصرية الإيطالية، وفي النقاش الدولي حول حقوق الإنسان في مصر، كما ستبقى مثالًا على أن القضايا التي تعبر عن جرائم الأجهزة الأمنية في الدول الاستبدادية العابرة للجنسيات".
ويتزامن طلب النيابة الإيطالية بمعاقة ضباط مصريين، بالتزامن مع اليوم العالمي لمناهضة التعذيب بالسجون 26 حزيران/يونيو، والذي شهد هذا العام مطالبات حقوقية لمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، والمقرر الخاص لمناهضة التعذيب، والمقررة الخاصة بمكافحة التعذيب ضد المرأة، بتشكيل لجنة دولية للتحقيق في أوضاع المعتقلين المصريين وما يتعرضون له من تعذيب يؤدي للقتل البطيء.