في تطور يعكس بلوغ التوتر ذروته بين
فرنسا وبلدان
الساحل الأفريقي، أعلنت السلطات الانتقالية في
بوركينا فاسو أمس قطع علاقاتها
الدبلوماسية مع فرنسا، مبررة ذلك بغياب شروط الاحترام المتبادل والسيادة الوطنية.
القرار البوركيني الذي قوبل برد فرنسي غاضب يلوح
بالمعاملة بالمثل، لا يمثل مجرد حلقة جديدة من مسلسل التدهور في العلاقات
الثنائية، بل يعد إعلانا صريحا عن انهيار منظومة
النفوذ الفرنسي التقليدي في منطقة
الساحل.
هذا الصدام المباشر طرح تساؤلات جوهرية حول خيارات
باريس المتبقية في
أفريقيا، وكيف تمكنت واغادوغو وحليفتيها في الساحل، من استبدال
المظلة الفرنسية بشراكات دولية جديدة تعيد رسم الخارطة الجيوسياسية للمنطقة.
مرافعة سياسية لا مجرد قطيعة
جاء إعلان واغادوغو بشأن القطيعة مع فرنسا على شكل
مرافعة سياسية حادة تفكك السردية الفرنسية وتحاول وضع الإليزيه في قفص الاتهام
المباشر.
فقدت اعتبرت بوركينافاسو بشكل صريح أن الشروط
الأساسية لتعزيز علاقات قائمة على الاحترام، والثقة المتبادلة، واحترام مبدأ عدم
التدخل في الشؤون الداخلية والسيادة الوطنية، لم تعد متوافرة في العلاقات مع فرنسا.
اظهار أخبار متعلقة
ولفت البيان إلى ما سماه "النشاط الدؤوب للنظام
القائم في فرنسا ضد مصالح بوركينا فاسو، والطموحات الاستعمارية الجديدة المعلنة مع
الدعم النشط للشبكات التخريبية وللإرهابيين"، وكذا "التحيز في الخطابات والآراء
حول البلد بهدف جعله منبوذا من طرف المجتمع الدولي".
ورأت بوركينا فاسو في السلوك الفرنسي محاولة لفرض
وصاية إمبريالية تصادر القرار الوطني، مشيرة إلى اختيارها نهج "المسؤولية
والسيادة" في وجه هذه المطامع.
وأشارت واغادوغو إلى أنها اختارت نهج
"المسؤولية والسيادة في وجه المطامع الامبريالية للهيمنة"، مؤكدة أن
"هذا القرار لا يمس بأي حال من الأحوال الروابط التاريخية، والإنسانية،
والثقافية، والاجتماعية التي تجمع بين الشعبين البوركيني والفرنسي وإنما يستهدف
حصرا الإطار المؤسسي للعلاقات بين الدولتين على الصعيد الدبلوماسي".
الرد الفرنسي جاء سريعا إذ وصفت وزارة الخارجية
الفرنسية مساء الجمعة قرار سلطات بوركينا فاسو قطع العلاقات الدبلوماسية مع فرنسا
بـ"العدائي وغير المبرر يعكس المنحى المقلق للسلطات البوركينية".
وأبرزت فرنسا أنها "تولي اهتماما بالغا لسلامة
موظفي الدولة والرعايا الفرنسيين" الموجودين في بوركينافاسو، والبالغ عددهم
أكثر من ألفي شخص مسجلين لدى القنصلية الفرنسية في البلاد، بينما يقيم أزيد من 6
آلاف بوركيني في فرنسا، بحسب أرقام للخارجية الفرنسية.
وبدى واضحا من بيان الخارجية الفرنسية القلق من تحول
القطيعة الدبلوماسية الرسمية إلى غضب شعبي على الأرض يستهدف المصالح الاقتصادية
والأفراد، خاصة في ظل تنامي المشاعر المناهضة لفرنسا في الشارع البوركيني.
قراءة في مسار
الأزمة
ويرى الخبير المختص في الشأن الأفريقي، سيدي ولد عبد
المالك، أن التدهور المتسارع في العلاقات الدبلوماسية بين باريس وواغادوغو لا يشكل
مفاجأة، بل هو "تطور طبيعي وحتمي" لعلاقات تأسست منذ البداية على التوتر
وانعدام الثقة المتبادلة.
وأشار ولد عبد المالك في تصريح لـ"
عربي21"
إلى أن هذه الحالة من الارتياب تجذرت بشكل لافت منذ وصول النقيب إبراهيم تراوري
إلى سدة الحكم إثر الانقلاب العسكري، حيث تبنت القيادة الجديدة رؤية مغايرة تماما
لطبيعة العلاقة مع القوة الاستعمارية السابقة.
اظهار أخبار متعلقة
ويضع الخبير الأفريقي هذا التدهور في إطاره الإقليمي
الأوسع، معتبرا إياه جزءا لا يتجزأ من مسلسل القطيعة الممنهج مع فرنسا في عموم
منطقة الساحل الأفريقي.
وأوضح ولد عبد المالك أن هذا المسار يقوده بوعي
وتصميم جيل جديد من القادة العسكريين، متسلحين بخطاب سيادي، ومستفيدين في الوقت
ذاته من الحاضنة الشعبية وتزايد النفوذ الروسي الذي قدم نفسه كبديل استراتيجي جاهز
لملء الفراغ الأمني والسياسي.
ولفت ولد عبد المالك إلى وجود توجه قوي وعميق لدى
قادة المنطقة، وتحديدا في مالي وبوركينا فاسو، يتجاوز مجرد تصفية الحسابات
السياسية المؤقتة، ليصل إلى السعي نحو تأسيس قطيعة جذرية مع دول المنظومة الغربية
برمتها، وفي القلب منها فرنسا.
ووفق ولد عبد المالك يعكس هذا التوجه قناعة مترسخة
لدى هذه الأنظمة بأن الشراكة التقليدية مع الغرب لم تكرس سوى التبعية ولم تقدم
حلولا ناجعة للأزمات الأمنية.
وبخصوص الموقف الفرنسي اعتبر ولد عبد المالك أن
باريس تساهم عمليا في تسريع طردها من المنطقة عبر طريقة إدارتها للأزمة.
واعتبر أن طبيعة الرد الفرنسي على قرار بوركينا فاسو
بقطع العلاقات، يُعزز من قناعة واغادوغو بضرورة المضي قدما باتجاه القطيعة
النهائية، وهو ما يكرس في النهاية انحسارا لا رجعة فيه للدور والنفوذ الفرنسي في
بوركينا فاسو.
بدائل جاهزة
وأكدت بوركينا فاسو في بيانها مضيها في "سياسة
خارجية مستقلة، قائمة على تنويع شراكاتها وتعزيز تعاون جنوب-جنوب".
ونظر إلى هذه العبارة الدبلوماسية على أنها بمثابة
تأكيد على مضي بوركينافاسو في الاستدارة الكاملة نحو قوى دولية بديلة، وفي مقدمتها
روسيا.
ووجدت موسكو في هذا الفراغ الاستراتيجي الذي خلفته
فرنسا فرصة ذهبية، حيث استغلت موسكو خلو سجلها من الإرث الاستعماري في المنطقة، من
أجل تقديم نفسها كحليف موثوق يوفر الدعم العسكري السريع دون فرض إملاءات سياسية أو
شروط تتعلق بنماذج الحكم الديمقراطي الغربي.
وأصبح الوجود الروسي، سواء عبر المستشارين الرسميين
أو الفيالق الأمنية التابعة لوزارة الدفاع الروسية، ركيزة أساسية تعتمد عليها
الأنظمة بدول الساحل الأفريقي في محاربة الجماعات المتمردة.
اظهار أخبار متعلقة
وإلى جانب روسيا، تتوسع واغادوغو وحليفاتها مالي
والنيجر، في بناء جسور مع الصين على المستوى الاقتصادي وتطوير البنية التحتية، ومع
تركيا وإيران في مجال التسليح النوعي مثل الطائرات المسيرة.
هذا التنويع يعني عمليا نهاية حقبة الاحتكار الغربي
والفرنسي لأسواق الساحل وقراره السياسي.
وينظر متابعون للشأن الأفريقي إلى قرار بوركينا فاسو
قطع علاقاتها مع فرنسا بأنه نهاية لما يعرف بـ"الفرانس أفريك" أو
أفريقيا الفرنسية.
وفي العموم تبدو العواصم الأفريقية أكثر تصميما على
المضي قدما في طريق اللاعودة، لتؤسس لمرحلة جديدة تدير فيها أفريقيا ظهرها لجلاد
الأمس، باحثة عن مكان لها في نظام عالمي جديد يقوم على توازن المصالح لا على وصاية
الإمبراطوريات.