تعد قارة
أمريكا الجنوبية واحدة من
أكثر مناطق العالم نشاطا زلزاليا، بسبب وقوع ساحلها الغربي مباشرة فوق "حزام
النار" في
المحيط الهادئ، وتنزلق صفيحة "نازكا" المحيطية تحت صفيحة
أمريكا الجنوبية، ما أدى إلى أضخم الزلازل المسجلة في التاريخ البشري.
وفي أحدث الزلازل التي وقعت الشهر
الجاري، ارتفع عدد ضحايا
الزلزالين اللذين ضربا
فنزويلا إلى 920 قتيلا، فيما بلغ عدد
المصابين 3 آلاف و360 شخصا، وفق رئيس البرلمان الفنزويلي خورخي رودريغيز.
وتتواصل عمليات البحث
والإنقاذ في فنزويلا، وسط مخاوف من ارتفاع عدد الضحايا، نتيجة وقوع زلزالين
متتاليين في فنزويلا بفارق 39 ثانية، بلغت قوة لأول 7.2 درجات والثاني 7.5 درجات،
بحسب المركز الأمريكي للمسح الجيولوجي.
وأدى الزلزال إلى انهيار
مبانٍ في عدة مناطق من العاصمة كاراكاس، وولايات ميراندا ولا غوايرا وأراغوا
وكارابوبو وفالكون.
وعلى ضوء ذلك، تستعرض
"
عربي21" أبرز وأقوى الزلازل التي وقعت في قارة أمريكا الجنوبية، وفق
شدتها وتأثيرها.
أولا:
زلزال فالديفيا في تشيلي عام 1960
هو
الزلزال الأقوى الذي جرى تسجيله على الإطلاق منذ اختراع أجهزة الرصد، وبلغت قوته
9.5 درجات، واستمرت الهزة لنحو 10 دقائق وتسببت في حدوث تسونامي عابر للمحيطات وصل
تأثيره المدمر إلى هاواي واليابان والفلبين، وأدى الزلزال وتسونامي المرافق له إلى
مقتل الآلاف وتشريد الملايين.
وواجه
إحصاء عدد ضحايا الزلزال تحديات كبيرة بسبب الدمار الواسع وهجرة السكان عقب
الكارثة، بالإضافة إلى موجات المد العاتي (التسونامي) التي جرفت الكثيرين، ووفق
الرقمي الرسمي المعتمد من هيئة المسح الجيولوجي الأمريكي، فإن العدد المستقر عليه
هو 1655 قتيلا، إلى جانب إصابة 3 آلاف آخرين، وتشرد ما يقرب من 2 مليون شخص.
أما
التقديرات الأوسع فترفع الرقم الإجمالي للضحايا ليتراوح بين 3 آلاف و6 آلاف قتيل،
وهذا التفاوت يعود إلى احتساب الضحايا اللذين قضوا في أماكن بعيدة سافر إليها
التسونامي العابر للمحيط الهادئ، ومنها اليابان (قتل في التسونامي حوالي 140
شخصا)، وهاواي (قتل فيها 61 شخصا)، والفلبين (قتل فيها 32 شخصا).
اظهار أخبار متعلقة
وبالرغم
من أن زلزال فالديفيا هو الأقوى في تاريخ البشرية بقوة تفوق الخيال (9.5 درجات)،
إلا أن عدد ضحاياه كان منخفضا نسبيا بمقاييس الزلازل الكبرى، بسبب الهزات
الاستباقية التي سبقت الزلزال الرئيسي، ما دفع السكان للفرار إلى الشوارع والمناطق
المفتوحة، كما أن مركز الزلزال ضرب مناطق ريفية ذات كثافة سكانية منفخضة مقارنة
بالمدن الكبرى.
ثانيا:
زلزال إقيم ماولي في تشيلي عام 2010
بلغت قوة
الزلزال 8.8 درجات، وصُنف كواحد من أقوى زلازل القرن الحادي والعشرين، وضرب وسط
تشيلي وتسببب في موجات تسونامي دمرت العديد من البلدات الساحلية، ورغم قوته
الهائلة، فإن التزام تشيلي الصارم بمعايير البناء المقاوم للزلازل ساهم في تقليص
الخسائر البشرية بشكل كبير مقارنة بحجم الكارثة.
أعلنت
السلطات التشيلية في البداية عن أرقام مرتفعة تجاوزت الـ800 قتيل، نتيجة ارتباك
الإحصاءات وتكرار تسجيل المفقودين، لكن بعد مراجعة دقيقة وتدقيق الهويات، جرى
إصدار الحصيلة الرسمية النهائية، وجرى إحصاء 525 قتيلاً و25 مفقودا (اعُتبروا في
حكم القتلى لاحقا)، إلى جانب إصابة نحو 12 ألفا، وتشريد وتضرر 800 ألفا.
كانت
أمواج التسونامي السبب الرئيسي في وفاة حوالي 150 شخصا من إجمالي الضحايا، وضربت
الأمواج العاتية القرى والبلدات الساحلية دون إنذار كافٍ، وجرفت العديد من
المصطافين وسكان الشواطئ، وقضى بقية الضحايا نتيجة الانهيارات الأرضية والمباني،
والتي تجاوزت الـ1000 انهيار في المناطق الجبلية.
ثالثا:
زلزال كولومبيا والإكوادور عام 1906
بلغت قوته 8.8 درجات، ووقع قبالة
سواحل البلدين وأحدث تسونامي قويا اجتاح السواحل القريبة وامتدت موجاته لتصل إلى
شواطئ الولايات المتحدة واليابان، وأسفر عن مقتل ما بين 500 إلى 1500 شخص.
ونظرا لوقوعه في أوائل القرن العشرين
وتحديدا في 31 كانون الثاني/ يناير 1906، واجهت الجهات المعنية حينها صعوبة كبيرة
في إحصاء العدد الدقيق والنهائي للضحايا، نظرا لضعف وسائل الاتصال والتوثيق، فضلا
عن أن الكارثة الكبرى تمثلت في أمواج التسونامي التي جرفت قرى ساحلية بأكملها.
ومع ذلك، فإن التقديرات الرسمية
الصادرة عن هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية تؤكد أن إجمالي عدد الضحايا يتراوح بين
500 إلى 1500 قتيل في كلا البلدين، ولم يكن الاهتزاز الأرضي هو القاتل الأكبر، بل
أمواج التسونامي المدمرة التي وصل ارتفاعها إلى 5 أمتار، واجتاحت المجتمعات
الساحلية المنخفضة، ولا سيما في منطقة تومامكو بكولومبيا وإقليم إزميرالدا
بالإكوادور.
اظهار أخبار متعلقة
وتشير بعض السجلات التاريخية لبيانات
أمريكا اللاتينية إلى أن الجانب الكولومبي وحده سجل وفاة ما لا يقل عن 500 شخص
نتيجة غرق المنازل الساحلية وتدمير الموانئ بفعل المد الزلزالي، بينما سقط بقية
الضحايا في الجانب الإكوادوري جراء انهيار المباني المبنية من الطوب والأخشاب
والانهيارات الصخرية في المناطق الجبلية القريبة من الساحل.
رابعا:
زلزال أريكا في البيرو عام 1868
بلغت قوته 8.5 درجات إلى 9 درجات،
وضرب المنطقة الساحلية الجنوبية وأحدث دمارا كاملا في مدن أريكا وتاكنا، وتسبب في
تسونامي هائل قذف السفن الراسية في البحر مئات الأمتار داخل اليابسة، وخلّف
الزلزال أكثر من 25 ألف قتيل.
كانت الخسائر البشرية والمادية هائلة
للأسباب عدة، منها تدمير المدن نتيجة الهزات الأرضية العنيفة، بشكل شبه كامل في المناطق
الجنوبية مما كان يُعرف وقتها ببيرو (وتضم مدن أريكا، وتاكنا، وأريكيبا، وإيكيكي
التي تقع ضمن حدود تشيلي الحالية).
وكانت موجات التسونامي العاتي
المسؤولة عن النسبة الأكبر من الوفيات، وجرفت بلدات ساحلية كاملة ومسحت ميناء
أريكا من الوجود، كما قذفت بسفن حربية ضخمة كانت راسية في الميناء (مثل السفينة
الأمريكية واتيري) لمسافات بلغت مئات الأمتار داخل اليابسة.
ولم يقتصر ضحايا التسونامي على أمريكا
الجنوبية فقط، بل امتدت الموجات عبر المحيط الهادئ لتتسبب في دمار بالبنية التحتية
في هاواي، وسجلت نيوزيلندا خسائر بشرية ومادية في جزر تشاتام نتيجة هذه الموجات.
خامسا:
زلزال أنكاش في البيرو عام 1970
كان الأكثر دموية في تاريخ أمريكا
الجنوبية وبلغت قوته 7.9 درجات، وتسبب الزلزال في انهيار جليدي وصخري هائل من جبل
"هواسكاران" طمر مدينة "يونغاي" بأكملها تحت أمتار من
الأوحال، ما أسفر عن مقتل ما يقرب من 70 ألف شخص، إلى جانب إصابة أكثر من 50 ألفا
وتشريد قرابة 800 ألفا.
ولم يكن السبب الرئيسي في هذه الحصيلة
المرعبة انهيار المباني بسبب الهزة الأرضية نفسها، بل كارثة طبيعية تفرعت عنها
(الانهيار الجليدي الصخري المرعب)، وتسببت قوة الهزة في قطع كتلة جليدية وصخرية
ضخمة جدا من الجانب الشمالي لجبل "هواسكاران" (أعلى قمة في بيرو).
وانطلقت هذه الكتلة الجليدية التي
قُدِّرت بحوالي 80 مليون متر مكعب، إلى الأسفل بسرعة جنونية ناهزت 280 كيلومترا في
الساعة، جارفة في طريقها الأوحال والصخور.
وفي غضون دقائق قليلة، اجتاح هذا
السيل الطيني والجليدي وادي "كايخون دي هوايلاس" وطمر مدينة
"يونغاي" التاريخية بالكامل وبلدة "رانراهيركا" المجاورة تحت
أمتار من الأنقاض والأوحال، ومات جميع سكان المدينة تقريبا في لحظات، ولم ينجُ من
سكان يونغاي سوى نحو 350 شخصا فقط (معظمهم من الأطفال الذين كانوا يزورون سيركا في
منطقة مرتفعة، والذين لجأوا إلى مقبرة المدينة التاريخية المرتفعة).