قرن على غياب الخلافة: هل استطاع "الإخوان" سد الفراغ الجيوسياسي؟ (2-2)

مصطفى الخليل
"نجحت الجماعة في الإبقاء على فكرة "الأمة" حاضرة في الوجدان الشعبي العام، وفي تقديم نموذج تنظيمي واجتماعي يظل الأضخم بين الحركات الإسلامية المعاصرة"- الأناضول
"نجحت الجماعة في الإبقاء على فكرة "الأمة" حاضرة في الوجدان الشعبي العام، وفي تقديم نموذج تنظيمي واجتماعي يظل الأضخم بين الحركات الإسلامية المعاصرة"- الأناضول
شارك الخبر
الجزء الثاني: ثغرات الداخل ومئوية الأسئلة المعلقة

ناقشنا في الجزء الأول من هذا الملف استراتيجية الإخوان المسلمين الثلاثية لملء الفراغ الذي خلّفه سقوط الخلافة، والعقبات الخارجية التي واجهت مشروعهم، من صدام الشرعيات مع الدولة القطرية إلى البيئة الدولية المعادية للمشاريع العابرة للحدود. في هذا الجزء الثاني، ننتقل إلى فحص العوامل الذاتية التي أعاقت المشروع من الداخل، قبل أن نصل إلى خلاصة المئوية الأولى للفراغ الجيوسياسي.

الثغرات البنيوية الداخلية.. حيث تعثر المشروع من الداخل

لا يمكن تفسير تعثر الجماعة في التحول إلى بديل مؤسسي مستقر بالعوامل الخارجية وحدها، فهناك إشكاليات بنيوية داخلية عميقة كانت سببا رئيسيا في هذا التعثر، وكثيرا ما بقيت خارج دائرة النقد الذاتي للحركة نفسها.

- غياب البرامج التفصيلية
لا يمكن تفسير تعثر الجماعة في التحول إلى بديل مؤسسي مستقر بالعوامل الخارجية وحدها، فهناك إشكاليات بنيوية داخلية عميقة كانت سببا رئيسيا في هذا التعثر

عانت الجماعة تاريخيا من فجوة منهجية بين شعاراتها العامة الواسعة وقدرتها على إنتاج سياسات عامة قابلة للتطبيق. شعار "الإسلام هو الحل" الذي رفعه الإخوان لعقود كان شعارا تعبويا فاعلا، لكنه لم يُترجم إلى برامج تفصيلية في مجالات السياسة النقدية، والسياحة، والتجارة الخارجية، والتعليم العالي، والأمن القومي، وتفكيك العلاقات الدولية المعقدة.

تجلّى هذا بوضوح صادم عند وصول مرشح الجماعة محمد مرسي إلى الرئاسة في مصر عام 2012. ففي غضون اثني عشر شهرا، ظهر الفريق الحاكم عاجزا عن إدارة ملفات ساخنة: تراجع الاحتياطي النقدي الأجنبي إلى مستويات خطيرة، وتدهورت عائدات السياحة، وارتفعت معدلات التضخم، وعجزت الحكومة عن التفاوض بفاعلية مع مؤسسات دولية مانحة، في وقت كانت فيه البيروقراطية المصرية المترهلة تقاوم أي إصلاحات. لم يكن هذا نتيجة مؤامرة خارجية فحسب، بل كشفت عن ثغرة معرفية وإدارية هائلة في مرحلة الانتقال من المعارضة والاحتجاج إلى التنفيذ والحكم الفعلي.

- مركزية التنظيم وتحول الوسيلة إلى غاية

صُمم الهيكل التنظيمي للجماعة، بنظامه السري وأجهزته المتعددة وانضباطه الصارم، لحماية المشروع في بيئات عدائية، وقد نجح هذا الهيكل لعقود في الحفاظ على تماسك الجماعة رغم الأمواج المتلاحقة من القمع. لكن هذه المركزية تحولت تدريجيا من وسيلة للبقاء إلى أولوية مطلقة، فتضخمت أهمية "وحدة الصف الداخلي" على حساب الانفتاح على المجتمع وقواه المختلفة.

أدى هذا التقوقع إلى انقسامات داخلية حادة، أبرزها الانشقاق الذي قاده تيار "شباب الإخوان" الإصلاحي بعد عام 2013، والذي اتهم القيادة التاريخية بالجمود ورفض إصلاح آليات اتخاذ القرار. كما ساهمت هذه المركزية في خلق فجوة متزايدة بين القيادة والقواعد، وجعلت الجماعة تبدو في أعين قطاعات واسعة من المواطنين كيانا منغلقا يهتم ببقائه أكثر من اهتمامه بالشأن العام.

- التأرجح الاستراتيجي بين المشاركة والمواجهة

عانى الإخوان من غياب استراتيجية واضحة ومستقرة للوصول إلى الحكم وإدارة السلطة. ففي الكويت والأردن واليمن، شاركت فروع الجماعة في البرلمانات والحكومات، وقبلت العمل تحت سقف الأنظمة القائمة، وفي مصر وسوريا دخلت في مواجهات مع الدولة. وفي تونس، قادت حركة النهضة تجربة مختلفة تماما، تميزت بالمصالحة مع الدولة وبقبول التداول السلمي على السلطة والتخلي الطوعي عن الحكم عام 2014.

لم يقدم الإخوان في مصر نموذجا مماثلا من الوضوح الاستراتيجي، بل ظلوا يتأرجحون بين المشاركة تحت سقف النظام وبين المواجهة الثورية، مما أربك قواعدهم وأضعف مصداقيتهم السياسية.

- تجاهل التنوع المذهبي والعرقي وقصور أطروحة "الأمة الجامعة"

بُني خطاب "المشروع الجامع للأمة" على تصور نظري قفز فوق الانقسامات المذهبية والعرقية العميقة التي تشكل نسيج المجتمعات الإسلامية. لم تكن الخلافة العثمانية في أيامها الأخيرة جامعة لكل هذه المكونات على قدم المساواة، بل عانت من توترات داخلية عميقة مع الشيعة العرب ومع الحركات القومية غير التركية. وعندما حاول الإخوان تقديم أنفسهم بوصفهم ممثلي الأمة كلها، وجدوا صعوبة بالغة في استيعاب المكونات غير السنية أو غير الإسلامية داخل مشروعهم السياسي.

في العراق، حيث يشكل الشيعة الأكثرية السكانية، ظل الحزب الإسلامي العراقي محصورا في البيئة السنية، وعجز عن بناء جسور حقيقية مع الأكراد أو الشيعة. وفي سوريا، قاد الإخوان مواجهة مع نظام علوي النواة، مما أضفى على الصراع أبعادا طائفية عمقت الانقسام. كل هذا كشف أن شعار "الأمة الواحدة" يصطدم عند التطبيق بوقائع التعددية الاجتماعية العميقة، وأن أي مشروع جامع حقيقي يتطلب بناء توافقات وطنية واسعة لا الاكتفاء بخطاب أممي فضفاض.

- الصراعات داخل البيت السني

لم تقتصر معضلة "المشروع الجامع" على العلاقة مع المكونات غير السنية، بل امتدت إلى عجز الجماعة عن تأمين شرعية داخل الحقل السني نفسه. فالبيئة الإسلامية التي يفترض أن تكون القاعدة الطبيعية لمشروع الإخوان ليست كتلة مصمتة، بل فسيفساء من مدارس عقدية وفقهية متباينة، دخلت الجماعة في صراعات مريرة مع معظمها، مما حال دون تشكل إجماع سني حول مشروعها.

في العقود الأولى، بدا أن هناك تقاطعا موضوعيا بين الإخوان والحركة الوهابية في السعودية؛ إذ جمعتهما لحظات من التعاون ضد القومية والاشتراكية، لكن هذا التقارب اختبأ خلفه تنافس عميق على المرجعية الإسلامية السياسية. جذور الخلاف تعود إلى طبيعة التصورين: الإخوان يقدمون مشروعا حركيا سياسيا يستند إلى فقه الدعوة والتمكين، بينما تتمترس الوهابية خلف فقه الدولة والطاعة لولي الأمر. انفجر هذا التوتر في لحظات مفصلية، أبرزها حرب الخليج، ثم جاء التحول الأكبر بعد الربيع العربي حيث بلغ الصدام ذروته بإعلان السعودية الجماعةَ "تنظيما إرهابيا" عام 2014.

في ظل استمرار أزمات الشرعية والتنمية التي تضرب جسد الدولة الوطنية العربية، وعجز هذه الدولة عن تحقيق تطلعات مواطنيها بالحرية والكرامة، يظل السؤال الكبير الذي طُرح عام 1924 قائما دون إجابة

أما التوتر مع الصوفية والأشاعرة فكان أعمق جذورا اجتماعيا وتاريخيا. في مصر وسوريا والمغرب العربي، مثلت الطرق الصوفية والمؤسسات الدينية الأشعرية نسيج التدين الشعبي قبل وصول الإخوان. اصطدمت الجماعة بهذا النسيج عقديا واجتماعيا، فاتهمت الصوفية بالانحراف، ونافستها على القواعد الشعبية نفسها. بقيت قطاعات صوفية واسعة على مسافة من مشروع الجماعة، بل انحاز بعضها صراحة للنظام في لحظات الحسم. نتيجة لهذه الصراعات المركبة، لم تستطع الجماعة تقديم نفسها كمرجعية جامعة حتى داخل دائرتها السنية.

مئوية الأسئلة المعلقة واستمرار الفراغ

بعد مئة عام على إلغاء الخلافة، لم تنجح جماعة الإخوان المسلمين في التحول إلى بديل مؤسسي مستقر يسد الفراغ الجيوسياسي والمعنوي الذي خلّفه ذلك الحدث. وجاء هذا الإخفاق نتيجة مزيج معقد من القمع الخارجي الممنهج، والتحالف الدولي الضمني ضد المشاريع العابرة للحدود، والثغرات البنيوية الداخلية التي شملت العجز عن إنتاج نظرية حكم حديثة، وتحول المركزية التنظيمية إلى غاية بحد ذاتها، والتذبذب الاستراتيجي بين المشاركة والمواجهة، والقصور عن استيعاب التنوع المذهبي والعرقي، إضافة إلى الفشل في اكتساب شرعية إسلامية جامعة.

ومع ذلك، نجحت الجماعة في الإبقاء على فكرة "الأمة" حاضرة في الوجدان الشعبي العام، وفي تقديم نموذج تنظيمي واجتماعي يظل الأضخم بين الحركات الإسلامية المعاصرة. واليوم، في ظل استمرار أزمات الشرعية والتنمية التي تضرب جسد الدولة الوطنية العربية، وعجز هذه الدولة عن تحقيق تطلعات مواطنيها بالحرية والكرامة، يظل السؤال الكبير الذي طُرح عام 1924 قائما دون إجابة.

فمن يتعثر في ملء الفراغ بعد قرن كامل، يترك المجال مفتوحا أمام غيره لصياغة الإجابة، وقد لا يكون هذا الغير أكثر التصاقا بالمصلحة العامة أو أكثر احتراما لإرادة الشعوب.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)