الكتاب: القيم الاسلامية إلى أين؟ مقاربة
قرانية في فلسفة الأخلاق
الكاتب: عبد الحق الزموري
الناشر: ارتحال للنشر والتوزيع
سنة النشر :2025
في هذا الجزء الثاني والأخير من قراءته
لكتاب "القيم الإسلامية إلى أين؟ مقاربة قرآنية في فلسفة الأخلاق" لعبد
الحق الزموري، الصادر عن دار ارتحال للنشر والتوزيع سنة 2025، يواصل الكاتب
والإعلامي التونسي عامر عياد مساءلة المشروع الفكري الذي يقترحه الكتاب، لكن هذه
المرة من زاوية أكثر عمقًا تتعلق بحدود الأطروحة وإشكالاتها الفلسفية
والإبستمولوجية.
فبعد التوقف في الجزء الأول عند الأسس
النظرية والمنهج التأويلي وأطروحة القيم الكونية في القرآن، تنتقل هذه القراءة إلى
اختبار مدى قدرة المشروع على التحول من أفق تأويلي واعد إلى نظرية أخلاقية متماسكة
وقابلة للتعميم داخل عالم حديث تحكمه تعددية المرجعيات وتوترات الكونية والخصوصية.
وهي قراءة لا تنشغل بالدفاع أو النقض بقدر ما تسعى إلى تفكيك الأسئلة العميقة التي
يثيرها الكتاب حول العلاقة بين النص الديني والفلسفة الأخلاقية الحديثة، وحول
إمكان بناء معنى إنساني مشترك انطلاقًا من المرجعية القرآنية.
المحور الرابع ـ حدود المشروع وإشكالاته
على الرغم من الطموح الواضح الذي يحكم مشروع
كتاب "القيم الإسلامية إلى أين؟" في اتجاه إعادة تأسيس أخلاق كونية من
داخل المرجعية القرآنية، فإن هذا الطموح يفتح في المقابل مجموعة من الإشكالات
العميقة التي تمسّ الأسس الإبستمولوجية للمشروع، وحدوده التاريخية، وإمكاناته
التطبيقية في الواقع المعاصر، بل وحتى شرعية ادعائه الكوني نفسه. فالمسألة هنا لا
تتعلق فقط بمدى انسجام القراءة الداخلية للنص، بل بمدى قابلية هذا النوع من
الاشتغال التأويلي للتحول إلى نظرية أخلاقية متماسكة وقابلة للتعميم.
أول هذه الإشكالات هو الإشكال الإبستمولوجي،
أي سؤال: كيف ننتج معرفة أخلاقية من النص؟ فالمؤلف يعتمد بشكل أساسي على عملية
استنباط القيم من القرآن، عبر ربط مفاهيم مركزية مثل العدل والكرامة والحرية
والاستخلاف ببنية معيارية عامة. غير أن هذا المسار يثير سؤالًا دقيقًا حول طبيعة
الانتقال من النص إلى النظرية: هل نحن أمام اشتقاق منهجي مضبوط، أم أمام قراءة
انتقائية تستخرج من النص ما ينسجم مسبقًا مع أفق فلسفي معاصر؟ بمعنى آخر، هل النص
هنا مصدر لإنتاج نظرية أخلاقية، أم مجرد مخزون دلالي يتم توظيفه لدعم أطروحة تم
بناؤها مسبقًا في مستوى آخر؟ هذا السؤال يزداد حدة عندما نلاحظ غياب تفكيك منهجي
دقيق لآليات الانتقاء والتعميم، بما يجعل الحدود بين التأويل المشروع والإسقاط
المفهومي غير واضحة بشكل كاف.
الإشكال الثاني هو الإشكال التاريخي، ويتعلق
بغياب التفاعل الكافي مع التجربة التاريخية للفكر الإسلامي نفسه. فحين يتم الحديث
عن القيم القرآنية بوصفها منظومة كونية، يظل السؤال مطروحًا حول كيفية تجسد هذه
القيم في التاريخ الفعلي للمجتمعات الإسلامية، سواء في الفقه أو السياسة أو
الاجتماع. إذ لا يكفي الإحالة إلى النص المؤسس دون المرور عبر الوسائط التاريخية
التي أعادت إنتاج هذا النص وتأويله عبر قرون. غياب هذا البعد التاريخي يجعل
المشروع أقرب إلى بناء نظري مجرد، يتجاوز التعقيد الفعلي للتجربة الإسلامية
التاريخية، بما فيها من تناقضات وتوترات بين المثال والممارسة.
أما الإشكال الثالث فهو إشكال واقعي-تطبيقي،
ويتعلق بإمكان تحويل هذه القيم إلى منظومات قابلة للتفعيل في الدولة الحديثة
والمجتمع المعاصر. فحتى لو سلّمنا بوجود أساس قرآني لقيم مثل العدل والحرية
والكرامة، فإن السؤال يبقى: كيف يمكن لهذه القيم أن تتحول إلى مؤسسات وقوانين
وسياسات عمومية داخل سياق دولي تحكمه مرجعيات قانونية متعددة، وتوازنات قوة معقدة،
ومنظومات حقوقية حديثة مستقلة نسبيًا عن المرجعيات الدينية؟ إن الانتقال من مستوى
القيمة إلى مستوى المؤسسة يظل أحد أعقد المراحل التي لا يبدو أن الكتاب يفصل فيها
بما يكفي، وهو ما يترك فجوة بين المستوى المعياري والمستوى التطبيقي.
رغم الإشكالات المنهجية والإبستمولوجية التي يمكن تسجيلها على مشروع كتاب "القيم الإسلامية إلى أين؟"، فإن الإنصاف النقدي يقتضي الاعتراف بأن هذا العمل لا يندرج ضمن النصوص التكرارية التي تعيد إنتاج الخطاب الأخلاقي التقليدي، بل يحاول أن يفتح سؤالًا مركزيًا ما يزال ملحًا في الفكر الإسلامي المعاصر: كيف يمكن إعادة التفكير في القيم الإسلامية خارج منطق الشرح الفقهي الكلاسيكي، وضمن أفق فلسفي حديث يتعامل مع تحديات الكونية، وحقوق الإنسان، وأزمة المعنى في العالم المعاصر؟
الإشكال الرابع، وهو الأكثر حساسية، هو
الإشكال الكوني نفسه. إذ يطرح السؤال حول مدى قابلية أي مرجعية دينية، مهما كانت
غناها الداخلي، لأن تتحول إلى مرجعية كونية مشتركة في عالم حديث يتسم بتعدد القيم
والمصادر الأخلاقية. فالفلسفة الأخلاقية الحديثة، رغم اختلاف مدارسها، استقرت في
الغالب على نوع من "الكونية العلمانية"، أي كونية لا تستند إلى مرجعية
دينية محددة، بل إلى العقل أو الحقوق أو التعاقد الإنساني. في هذا السياق، يصبح
السؤال: هل يمكن فعلاً إدماج المرجعية القرآنية داخل هذا الأفق الكوني دون أن
تُتهم بالخصوصية الثقافية أو دون أن تفقد طابعها التأسيسي؟ أم أن الكونية التي
يقترحها المؤلف تظل كونية مشروطة بسياق إيماني، حتى وإن تم تقديمها بلغة إنسانية
عامة؟
يمكن هنا أيضًا تسجيل ملاحظة نقدية إضافية
تتعلق بطبيعة التوتر بين الطموح الفلسفي للمشروع وحدود أدواته المنهجية. فكلما
ارتفع مستوى الادعاء الكوني، ازدادت الحاجة إلى تفكيك مفاهيمي صارم وحوار مباشر مع
الفلسفات الأخلاقية الكبرى، وهو ما لا يظهر دائمًا بنفس القوة داخل الكتاب. هذا ما
يجعل المشروع، رغم أهميته، أقرب إلى أفق تأويلي واسع منه إلى بناء نظري مكتمل
المعالم.
وهكذا يتبين أن حدود المشروع لا تنفصل عن
طموحه نفسه: فكل محاولة لتأسيس كونية أخلاقية من داخل النص الديني تصطدم، بشكل أو
بآخر، بثلاثة حدود مترابطة: حدّ إبستمولوجي يتعلق بكيفية إنتاج المعرفة من النص،
وحدّ تاريخي يتعلق بوسائط الفهم والتجربة، وحدّ كوني يتعلق بإمكان التعميم خارج
المرجعية الدينية. وبين هذه الحدود الثلاثة، يظل المشروع مفتوحًا على إمكانات
فكرية مهمة، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى مزيد من الصرامة المنهجية حتى يتحول من
أفق تأويلي إلى نظرية مكتملة البنية.
المحور الخامس ـ القيمة العلمية والإضافة
الفكرية
رغم الإشكالات المنهجية والإبستمولوجية التي
يمكن تسجيلها على مشروع كتاب "القيم الإسلامية إلى أين؟"، فإن الإنصاف
النقدي يقتضي الاعتراف بأن هذا العمل لا يندرج ضمن النصوص التكرارية التي تعيد
إنتاج الخطاب الأخلاقي التقليدي، بل يحاول أن يفتح سؤالًا مركزيًا ما يزال ملحًا
في الفكر الإسلامي المعاصر: كيف يمكن إعادة التفكير في القيم الإسلامية خارج منطق
الشرح الفقهي الكلاسيكي، وضمن أفق فلسفي حديث يتعامل مع تحديات الكونية، وحقوق
الإنسان، وأزمة المعنى في العالم المعاصر؟
تكمن إحدى أبرز نقاط القوة في الكتاب في
جرأته على إعادة طرح سؤال القيم خارج القوالب الجاهزة. فبدل الاكتفاء بترديد
المفاهيم الأخلاقية التقليدية، يحاول المؤلف إدخالها في حوار مع الإشكالات
الفلسفية الحديثة، سواء المتعلقة بنسبية القيم أو بأزمة الأسس المعيارية في الفكر
المعاصر. هذا النوع من الاشتغال، حتى وإن كان غير مكتمل من الناحية المنهجية، يظل
مهمًا لأنه ينقل النقاش من مستوى الوعظ الأخلاقي إلى مستوى التفكير الفلسفي في
شروط إمكانية الأخلاق نفسها.
كما يمكن اعتبار محاولة التأصيل القرآني
للقيم الإنسانية إحدى الإضافات المركزية في الكتاب، إذ يسعى المؤلف إلى إظهار أن
المرجعية الإسلامية ليست مجرد منظومة دينية منغلقة، بل تحمل في داخلها إمكانية
إنتاج معنى إنساني مشترك. هذا الطموح، في حد ذاته، يعكس رغبة في إعادة إدماج الفكر
الإسلامي داخل النقاش الفلسفي العالمي، بدل بقائه في هامش التأملات الوعظية أو
الدفاعات الهوياتية. وهو ما يمنح الكتاب بعدًا حواريًا مع الحداثة، حتى وإن ظل هذا
الحوار غير متكافئ من حيث الأدوات المفهومية.
غير أن هذه القوة نفسها تتحول في بعض
المواضع إلى مصدر ضعف، عندما يغيب التفصيل المنهجي الدقيق في التعامل مع المفاهيم
الفلسفية الحديثة، أو عندما يتم الانتقال السريع من النص إلى النظرية دون تفكيك
كافٍ للوسائط التاريخية والمعرفية. فالمفاهيم المركزية مثل الكونية، والحرية،
والكرامة، تُستعمل أحيانًا بوصفها مفاهيم واضحة بذاتها، في حين أنها في الفلسفة
الحديثة محمّلة بتوترات نظرية عميقة واختلافات تأويلية كبيرة.
كما يمكن تسجيل ملاحظة تتعلق بضعف الحوار
التفصيلي مع الفلسفة الأخلاقية الغربية، رغم حضورها الضمني. فالنماذج الكانطية
والنفعية ونظريات الحقوق الحديثة تُستحضر كأفق عام للمقارنة، لكنها لا تُفكك من
الداخل بشكل يسمح ببناء مواجهة نظرية حقيقية. وهذا ما يجعل الإضافة الفكرية للكتاب
أقرب إلى إعادة تموضع للخطاب الإسلامي داخل الأفق الأخلاقي العالمي، أكثر من كونها
اشتباكًا نقديًا متكافئًا مع هذا الأفق.
ومع ذلك، فإن القيمة الأهم التي يمكن
تسجيلها لهذا العمل تكمن في كونه يساهم في إبقاء سؤال الأخلاق مفتوحًا داخل الفكر
الإسلامي المعاصر، في لحظة يميل فيها هذا الفكر أحيانًا إلى الانشغال بالقضايا
السياسية أو الهوياتية على حساب الإشكالات المعيارية العميقة. فالكتاب، رغم حدود
اشتغاله، يذكّر بأن أي مشروع حضاري لا يمكن أن يستقيم دون نظرية أخلاقية واضحة
تحدد رؤيته للإنسان والعالم.
تكمن إحدى أبرز نقاط القوة في الكتاب في جرأته على إعادة طرح سؤال القيم خارج القوالب الجاهزة. فبدل الاكتفاء بترديد المفاهيم الأخلاقية التقليدية، يحاول المؤلف إدخالها في حوار مع الإشكالات الفلسفية الحديثة، سواء المتعلقة بنسبية القيم أو بأزمة الأسس المعيارية في الفكر المعاصر. هذا النوع من الاشتغال، حتى وإن كان غير مكتمل من الناحية المنهجية، يظل مهمًا لأنه ينقل النقاش من مستوى الوعظ الأخلاقي إلى مستوى التفكير الفلسفي في شروط إمكانية الأخلاق نفسها.
وهكذا يمكن القول إن القيمة العلمية للكتاب
لا تكمن في اكتمال بنيته النظرية، بل في كونه يطرح أسئلة أكثر مما يقدم أجوبة
نهائية، ويعيد فتح ملف العلاقة بين النص الديني والفكر الفلسفي المعاصر في سياق
يتسم بتعقيد متزايد. وهو ما يجعل منه مساهمة جزئية ولكن دالة في النقاش الأوسع حول
إمكانات تجديد الفكر الأخلاقي الإسلامي.
الخاتمة
يبدو، في ضوء ما سبق، أن كتاب "القيم
الإسلامية إلى أين؟" يتحرك داخل سؤال إشكالي مركزي لم يحسمه الفكر الإسلامي
المعاصر بعد: كيف يمكن تحويل المرجعية القرآنية من مصدر للهداية الأخلاقية العامة
إلى أساس لنظرية أخلاقية كونية قابلة للمنافسة داخل الحقل الفلسفي الحديث؟ هذا
السؤال لا يتعلق فقط بتأويل النص، بل بطبيعة العلاقة بين النص والتاريخ، بين الوحي
والتجربة الإنسانية، وبين الخصوصية الدينية وطموح الكونية.
لقد حاول المؤلف أن يجيب عن هذا السؤال عبر
بناء تصور يجعل من مفاهيم مثل العدل والكرامة والحرية والاستخلاف مفاتيح لتأسيس
أخلاق إنسانية عامة. وهو في هذا المسعى يندرج ضمن تيار فكري أوسع يسعى إلى إعادة
إدماج المرجعية الإسلامية داخل النقاش الأخلاقي العالمي، بدل حصرها في دائرة الوعظ
أو الدفاع الهوياتي. غير أن هذا الطموح، رغم وجاهته، يظل معلّقًا بين مستويين:
مستوى تأصيلي يريد أن يستخرج الكونية من داخل النص، ومستوى فلسفي حديث يعيد صياغة
هذه الكونية بلغة معاصرة تتقاطع مع أسئلة حقوق الإنسان والعقل الأخلاقي الحديث.
ومن هنا تتحدد قيمة المشروع وحدوده في آن
واحد. فهو من جهة يفتح أفقًا مهمًا لإعادة التفكير في الأخلاق الإسلامية خارج
القوالب التقليدية، ويطرح سؤالًا ضروريًا حول إمكانية تأسيس معنى إنساني مشترك
انطلاقًا من المرجعية القرآنية. لكنه من جهة أخرى يظل في حاجة إلى مزيد من الصرامة
المنهجية، سواء على مستوى تفكيك المفاهيم الفلسفية التي يستعيرها أو على مستوى
بناء الجسور النظرية بين النص والسياق التاريخي والمعرفي الذي تُنتج فيه هذه
المفاهيم.
إن الإشكال الأعمق الذي يكشفه هذا الكتاب لا
يتعلق فقط بمضمونه، بل بالشرط العام الذي يحكم الفكر الأخلاقي الإسلامي المعاصر:
هل يمكن فعلاً بناء نظرية أخلاقية كونية من داخل مرجعية دينية، أم أن الكونية في
صورتها الحديثة تفترض بالضرورة أفقًا معرفيًا يتجاوز المرجعيات الدينية الخاصة نحو
صيغ أكثر تجريدًا وعقلانية؟ هذا السؤال يظل مفتوحًا، لأن الإجابة عنه ليست نظرية
فقط، بل ترتبط أيضًا بتوازنات الثقافة والحداثة والتاريخ.
في النهاية، يمكن القول إن أهمية هذا العمل
لا تكمن في كونه قدّم جوابًا نهائيًا، بل في كونه أعاد طرح السؤال الأخلاقي من
جديد داخل الفكر الإسلامي، في لحظة يتزايد فيها الاحتياج إلى إعادة التفكير في أسس
المعنى والقيمة. فبين طموح الكونية القرآنية وإكراهات الكونية الحديثة، يظل
المشروع الأخلاقي الإسلامي معلقًا بين الإمكان النظري وحدود التحقق التاريخي، وهو
تعليق لا يقل أهمية عن أي جواب جاهز.
إقرأ أيضا: القيم في زمن التآكل الأخلاقي.. هل يقدّم القرآن أفقًا إنسانيًا جديدًا؟ كتاب جديد