ما زالت المحافل السياسية والأمنية الإسرائيلية ترصد نتائج السلوك الإقليمي للحرب على إيران، ومنها
تركيا التي ما زالت تمثل لدولة
الاحتلال الإسرائيلي سياسة إشكالية، بل وخطيرة، رغم أنها لا تحمل مفاجآت لها.
أكد خبير الشؤون التركية بمركز ديان في جامعة تل أبيب، هاي إيتان كوهين يانروجاك، أن "دراسة سياسة تركيا تجاه إسرائيل والصراع مع الفلسطينيين في الربع الأول من عام 2026 تُظهر بوضوح أننا لسنا أمام تحول حاد، ولا تغييرًا في المسار، بل تعميقًا منهجيًا لاتجاه قائم، وسيجد من كانوا يبحثون عن مؤشرات على مرونة في المواقف التركية تجاه اسرائيل صعوبة في العثور عليها، أما من يخشون سياستها العدوانية تجاهها، فسيجدون هنا تأكيدًا دقيقًا".
وأضاف في مقال نشره موقع “
زمان إسرائيل”، وترجمته "عربي21" أن "الاتجاه الأول والأبرز هو تحويل الخطاب إلى سياسة، فلم تعد تركيا تكتفي بتصريحات قاسية ضد إسرائيل، لم تعد اتهامات "الإبادة الجماعية"، والدعوات لفرض عقوبات، وتصويرها كتهديد إقليمي، جزءًا من الخطاب السياسي التحريضي، بل أصبحت عنصرًا دائمًا في الخطاب الرسمي، هذا الأمر مهم، ليس لأن الكلمات تخلق الواقع، بل لأنها تُهيئه، لأنه عندما تُكرر قيادة دولة ما نفس الأنماط اللغوية مرارًا وتكرارًا، فإنها تُضفي شرعية شعبية ودولية على خطوات حقيقية".
وأشار أن "الاتجاه الثاني، والأكثر أهمية، يتمثل في تحول السياسة التركية من موقف الناقد إلى موقف الفاعل، حيث تُعمّق انخراطها في الساحة الفلسطينية، ليس فقط من خلال المساعدات الإنسانية الواسعة، بل أيضًا من خلال علاقات مباشرة مع قيادة حماس، وتعبيرها عن رغبتها في الاندماج في الآليات الدولية، بل وحتى الأمنية في
غزة، وهذا تغيير نوعي، فلم تعد تسعى للتأثير على الخطاب، بل على الواقع نفسه".
اظهار أخبار متعلقة
وأكد أنه "في الوقت نفسه، تتسع الساحة الجغرافية والاستراتيجية، حيث يُقدّم الصراع الإسرائيلي الفلسطيني في الخطاب التركي كجزء من نظام إقليمي أوسع، يشمل
سوريا والقرن الأفريقي، وحتى إيران، وفي إطار هذا الخطاب، لم تعد إسرائيل طرفًا في صراع محدد، بل عنصرًا من نظام كامل يُنظر إليه على أنه تهديد، والنتيجة هي اتساع نطاق الاحتكاك المحتمل، إذ يُترجم أي تطور في ساحة ما فورًا لتهديد في ساحة أخرى".
وأوضح أنه "في الوقت نفسه، يصعب تجاهل البُعد الأيديولوجي، فالعثمانية الجديدة والوحدة الإسلامية ليستا مجرد رموز خطابية، بل آليات تُشكّل السياسة الفعلية، وتعكس الدعوات لإنشاء إطار إسلامي إقليمي، وبجانب التلميحات إلى تحالفات استراتيجية مع دول ذات أهمية إقليمية، طموحًا واضحًا، حيث تسعى تركيا لقيادة نظام إقليمي بديل، تُصبح فيه مركز قوة، وفي مثل هذا النظام، لا تُستبعد إسرائيل فحسب، بل تُصوَّر أحيانًا كتهديد يجب موازنته، أو احتواؤه".
وأكد أن "إسرائيل لا تعمل في فراغ، فالتدابير السياسية والأمنية، لاسيما في الضفة الغربية، تُنظر إليها في أنقرة على أنها خطوات نحو ضم فعلي، وتُبرر لها تصعيد مواقفها، وهكذا، تتشكل حلقة مفرغة، حيث يُفسَّر كل عمل إسرائيلي في تركيا كدليل على سردية قائمة، وكل رد فعل تركي يُعزز الشعور بالتهديد في إسرائيل، والاستنتاج الذي يمكن التوصل إليه ليس مثيرًا للدهشة، لكن دلالته عميقة، فالعلاقات بين إسرائيل وتركيا لا تمر بأزمة مؤقتة، بل في طور تغيير بنيوي".
وختم بالقول إن "تركيا لم تعد شريكًا مثيرًا للمشاكل، أو ناقدًا صريحًا، بل أصبحت لاعبًا إقليميًا يُرسّخ موقفه بشكل متزايد في مواجهة إسرائيل، سياسيًا وغير سياسي، ولعلّ من ينظرون لهذا الوضع على أنه مجرد ضجيج دبلوماسي يُفضّلون الراحة على الفهم، وهذا ليس مجرد تدهور في العلاقات، بل بناء تدريجي لواقع جديد، وفي الشرق الأوسط، لا يبقى هذا الواقع الجديد، كما هو الحال في تركيا، حبيسًا للورق، بل يُترجم في نهاية المطاف إلى سياسات، وأحيانًا إلى صراع غير مرغوب فيه".