تكشف استطلاعات حديثة عن تحول ملحوظ في مزاج الشارع
الإسرائيلي تجاه
الحرب ضد
إيران، حيث يتراجع الحماس تدريجياً، وتتعمق أزمة الثقة لدى فئة الشباب تحديداً مع زيادة عدد القتلى الإسرائيليين وارتفاع حجم الأضرار جراء هجمات الحرس الثوري الصاروخية.
بعد مرور شهر على بدء الحرب ضد إيران، أظهر أحدث
استطلاع للرأي العام أجراه معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) انقساماً حاداً في الرأي العام حول كيفية إنهاء الحرب، وفق نتائج نشرتها صحيفة "
جيروزاليم بوست" العبرية.
ففي الأيام الأولى للحرب، قال 63 بالمئة من البالغين الإسرائيليين إن الحملة يجب أن تستمر حتى سقوط النظام الإيراني، بينما انخفضت هذه النسبة الآن إلى 46 بالمئة فقط، فيما برز حراك داخل "إسرائيل" يحمل شعار "لا للحرب الأبدية لحكومة الكهانية" وفقاً لصحيفة "يديعوت أحرونوت".
أرقام تكشف انقساماً سياسياً حاداً
استطلاع معهد دراسات الأمن القومي أظهر أن نسبة أكبر قليلاً باتت تُفضّل شكلاً من أشكال وقف إطلاق النار، حيث يُفضّل 30 بالمئة وقف إطلاق النار بعد إلحاق أكبر قدر من الضرر بالقدرات العسكرية الإيرانية. كما يُريد 19 بالمئة التوصل إلى وقف إطلاق للنار في أسرع وقت ممكن.
اظهار أخبار متعلقة
وتكشف هذه الأرقام انقساماً سياسياً حاداً، فبينما أيدت أغلبية من كلا المعسكرين في البداية استمرار الحرب حتى تغيير النظام، فإن هذا الإجماع انهار الآن.
وفي صورة تعكس تنامي الاختلاف بشأن جوهر أهداف الحرب نفسها، فإن 74% من مؤيدي الحكومة يطالبون باستمرار الحرب حتى تغيير النظام في إيران، فيما يفضّل 47 بالمئة من بين ناخبي المعارضة إنهاء الحرب بعد استنفاد المكاسب العسكرية.
التشكيك في الرواية الحكومية
يبرز انقسام ثانٍ حول مدى ثقة الإسرائيليين بالرواية الرسمية للإنجازات العسكرية في الحرب؛ إذ يثق 77 بالمئة من ناخبي الائتلاف الحاكم بالتقارير الرسمية، مقارنةً بـ 43 بالمئة فقط من ناخبي المعارضة.
وينطبق الأمر نفسه على الثقة بالمتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي؛ إذ يثق 62% من ناخبي الائتلاف بالحكومة التي انتخبوها، مقارنةً بـ 7% فقط من ناخبي المعارضة، وبالتالي فإن هذه الإحصائيات تبرز حقيقةً مفادها أن الإسرائيليين ما عادوا يطيقون الوضع الحالي.
فبحسب أحد المؤشرات، يبدو الإسرائيليون أكثر استسلامًا مما كانوا عليه في البداية؛ ففي الأيام الأولى للحملة، اعتقد 62% أن الجبهة الداخلية قادرة على الصمود في وجه الحرب لمدة شهر كحد أقصى، أما الآن فقد انخفض هذا الرقم إلى 37 بالمئة.
تراجع التوقعات مع استمرار الحرب
يكشف الاستطلاع أيضاً، أن أمل الإسرائيليين في تحقيق نتائج حاسمة بات يتلاشى، فقد انخفضت توقعات إلحاق ضرر كبير بالبرنامج النووي الإيراني من 62 بالمئة إلى 48 بالمئة، كما انخفضت توقعات إلحاق ضرر بمنظومة الصواريخ الباليستية من 73 بالمئة إلى 58 بالمئة.
وبالنسبة إلى التوقعات بشأن إلحاق ضرر كبير بالنظام الإيراني نفسه، فقد انخفضت هي الأخرى من 69 بالمئة إلى 43 بالمئة. وبينما يتأقلم الرأي العام مجدداً مع حالة الحرب، يتلاشى الاعتقاد بقدرة إيران على الوفاء بوعودها الكبرى.
إحباط "إسرائيلي" مشابه للحرب على غزة
يقول معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، إن نمط التشاؤم تجاه تحقيق نصر على إيران، سبق وتم لمسه خلال الحرب على غزة، حيث انخفض الدعم الساحق الذي حظي به حل حماس بعد أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر من 84 بالمئة بين الإسرائيليين في كانون الأول/ديسمبر 2023 إلى 67 بالمئة بحلول آذار/مارس 2024.
وبحلول أيلول/ سبتمبر 2025، لم يتبقَّ سوى 44 بالمئة من الإسرائيليين ممن يعتقدون بإمكانية تحقيق أهداف الحرب على حركة حماس إلى حد كبير، بينما قال 64 بالمئة إن الوقت قد حان لإنهاء القتال.
واتبعت جبهة لبنان مسارًا مشابهًا، فرغم النجاحات العملياتية، لم تحسم تلك الإنجازات الجدل السياسي حول الوضع النهائي المنشود، ولا يزال الإسرائيليون منقسمين حتى الآن حول إمكانية نزع سلاح حزب الله.
وتشير بيانات المعهد الوطني للأمن القومي إلى أن القتال المطول غالبًا ما يحوّل الإجماع الأولي إلى صراع حول تعريف النجاح، وما إذا كان الثمن لا يزال مبررًا مع تراجع فرص النصر.
حماس قائمة - وحزب الله يحتفظ بسلاحه - والنظام الإيراني صامد
يحذر المعهد من أن تتحول الجبهة الإيرانية إلى أكثر اشتعالاً، بعد أن زُجّ بالإسرائيليين في هذه الحرب، وهو ما أدى إلى اضطرابات مطولة في الحياة اليومية، حيث ما زال سبب الإغلاق الاستراتيجي مغيباً، ولا تزال حماس في غزة، ولم يُنزع سلاح حزب الله، ولا يزال النظام الإيراني قائماً.
هذا الإحباط المتراكم له تداعيات خطيرة، إذ يشير إلى أن الانتقال من الإجماع إلى الشك قد يحدث بوتيرة أسرع هذه المرة. ويبدو أن ناخبي الائتلاف يرون في غياب نتائج حاسمة دليلاً على ضرورة تكثيف الحملة العسكرية وإطالة أمدها.
أما ناخبو المعارضة، فيرون في الفجوة المألوفة بين الوعود والواقع دليلاً على أن القادة يروجون مجدداً لنهاية لا يمكنهم تحقيقها بمصداقية، وتُظهر بيانات الاستطلاع أن السياسة الحكومية لم تعد مجرد ضجيج في الخلفية، بل قد تُؤثر بشكلٍ فعّال على المجهود الحربي نفسه.
ويقول 63 بالمئة من الإسرائيليين إن رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي كان مُحقاً في تحذيره من إثقال كاهل الجيش بمهامٍ على جبهاتٍ متعددة، مع رفض توسيع قاعدة التجنيد لتشمل عامة اليهود الحريديم، وهو ما بات يسير بالجيش نحو الانهيار.
تقول الـ"جيروزاليم بوست" إنه لا يمكن لدولة الاحتلال الاعتماد كلياً على الخيار العسكري وتجاهل التحذيرات، وعدم مصارحة الحكومة للرأي العام بما هو قابل للتحقيق فعلاً، وإنه إن استمر هذا الوضع، فسيُنظر إلى الحرب مع إيران على أنها مجرد جبهة أخرى في معركة الانتخابات المقبلة.
تآكل تدريجي في التأييد
بعد ما وُصف بالحماس الجارف الذي صاحب انطلاق الحرب، أظهر استطلاع أجراه معهد الديمقراطية الإسرائيلي أن الدعم في الداخل المحتل للحرب ضد إيران يشهد تراجعاً ملحوظاً، وفق ما أفادت به صحيفة هآرتس العبرية.
وأوضحت
ليندا دايان في تقريرها أن نسبة المؤيدين لاستمرار الحرب انخفضت إلى 68 بالمئة بحلول أواخر آذار/مارس، مقارنة بـ81 بالمئة عند انطلاق العمليات في 28 شباط/فبراير، في مؤشر على تآكل تدريجي في التأييد.
وأشارت الصحيفة إلى أن تراجع التأييد للحرب يبدو أكثر وضوحاً وسط الإسرائيليين، حيث انخفضت نسبة التأييد من أكثر من 92 بالمئة في بداية الحرب إلى 78 بالمئة حالياً، كما تراجعت نسبة من عبّروا عن "دعم قوي" لها من 74 بالمئة إلى 50 بالمئة.
اظهار أخبار متعلقة
في المقابل، تضاعفت نسبة المعارضين للحرب بين اليهود من 4 بالمئة إلى 11.5 بالمئة، مما يدل على تنامي الشكوك كلما طال أمد المواجهات العسكرية، وذكرت دايان أن رئيس تحرير هآرتس ألوف بن تحدث عن تعويل إسرائيل "غير المسبوق" في زمن الحرب على أمريكا، قائلاً: "مصيرنا في يد ترامب".
وأبرز ما رصده استطلاع معهد الديمقراطية هو الإقرار الجمعي بقوة الخصم، إذ يعتقد 56 بالمئة من اليهود و51 بالمئة من العرب أن "قدرة إيران على الصمود والقتال كانت أقوى مما توقعه المخططون الإسرائيليون والأمريكيون".
تزايد الشعور بعدم الاستقرار وسط الشباب
في دراسة أجرتها منظمة "
ألوما" العبرية، التي تُعنى بتمكين الشباب والفتية من خلفيات متنوعة، ولا سيما القادمين من المناطق الجغرافية النائية أو المجتمعات المهمشة، أظهرت أن التآكل في الثقة بالقيادة والقدرة على الحسم بات يجد صداه بشكل أعمق لدى جيل الشباب داخل "إسرائيل".
الدكتورة تامي حلاميش آيزنمان، المديرة التنفيذية لمنظمة "ألوما"، قالت: "الشباب الذين نلتقيهم يومياً يقفون عند مفترقات حاسمة في حياتهم، الحرب باغتتهم، ونرى تأثيرها عليهم بوضوح"، مضيفة أن "السؤال ليس ما إذا كانت هناك مشكلة، بل متى سنبدأ في التعامل معها".
وكشفت الدراسة أن 74 بالمئة من الشباب داخل دولة الاحتلال يشعرون بأن الحكومة "لا تراهم ولا تهتم بمستقبلهم"، وتضيف أن 30 بالمئة من الشباب يفكرون جدياً في مغادرة "إسرائيل" لفترات طويلة، بينما يخطط 9 بالمئة منهم للهجرة فعلياً.