استئصال دعاة الجهوية والانقسام في الجزائر لتحقيق الوحدة والسيادة والاستقلال

فيما يتعلق بعبارتي "الجزائر العربية" و"الجزائر الفرنسية"، فقد فضل أنصار الحركة البربرية عبارة "الجزائر الجزائرية" التي لا يعني محتواها أي شيء.. الأناضول
فيما يتعلق بعبارتي "الجزائر العربية" و"الجزائر الفرنسية"، فقد فضل أنصار الحركة البربرية عبارة "الجزائر الجزائرية" التي لا يعني محتواها أي شيء.. الأناضول
شارك الخبر
لطالما شكلت مسألة الوحدة الوطنية واسترجاع السيادة والاستقلال محور الصراع الفكري والسياسي في تاريخ الجزائر الحديث، منذ بداية النضال ضد الاستعمار الفرنسي وحتى إعلان الاستقلال. في هذا السياق، كان من الضروري أن تتخذ القيادة الوطنية موقفًا حازمًا تجاه كل محاولات التجزئة والانقسام، سواء تلك التي تنبع من دوافع داخلية أو التي تُغذّيها قوى استعمارية خارجية. فقد أدركت الحركة الوطنية أن أي انحراف عن المبادئ الأساسية للوحدة الوطنية، أو ترويج النزعات الجهوية والعنصرية والانفصالية، لا يخدم إلا مصالح المستعمر، ويهدد نسيج المجتمع ويضعف فرص النهوض والاستقلال.

وقد أظهرت تجربة حزب الشعب الجزائري، بقيادة بن يوسف بن خدة، الأمين العام ومفجر ثورة التحرير، مدى وعي الحركة الوطنية بخطورة هذه النزعات على مشروع الاستقلال، وحرصها على حماية الوحدة الوطنية. فقد قررت قيادة الحزب مواجهة الحركة البربرية في بداياتها، وطرد كل من شارك في العمل الانعزالي أو دعم أفكار التفرقة، مؤكدين أن المشروع الوطني لا يقبل التجزئة، وأن الحفاظ على الهوية العربية ـ الإسلامية كان شرطًا لتحقيق الاستقلال السياسي والثقافي للشعب الجزائري.

وفي هذا السياق التاريخي، تكشف الوثائق والشهادات الحية، من بن خدة إلى المناضلين من القبائل، كيف تمكنت الحركة الوطنية من الحفاظ على وحدة الصف، وضمان مشاركة جميع القوى الوطنية، مع احترام التنوع الثقافي المحلي في إطار الثوابت الوطنية العامة. فقد استُخدمت الثقافة الشعبية واللهجات المحلية لتعزيز اللحمة الوطنية وليس لتقسيم المجتمع، كما يظهر من التوجيهات والخطب والأناشيد الوطنية التي ربطت بين الهوية الثقافية والواجب الوطني، ووضعت أسسًا صلبة لاستعادة السيادة والاستقلال بعد عقود من الاحتلال.

يأتي هذا النص في سياق سلسلة المقالات الخاصة التي يكتبها الدكتور أحمد بن نعمان لـ "عربي21"، ليستعرض الدروس التاريخية من تجربة الحركة الوطنية الجزائرية، ويستحضر سبل مواجهة الانقسامات الداخلية وتعزيز مشروع الوحدة الوطنية على قاعدة القيم التاريخية والثقافية والسياسية، بما يضمن قدرة الشعوب على استعادة سيادتها ومكانتها.


شهادة من التاريخ

يقول السيد بن يوسف بن خدة، الأمين العام لحزب الشعب الجزائري مفجر ثورة التحرير، ورئيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية الذي فاوض فرنسا على توقيف القتال وتقرير المصير والاستقلال (كما فصلنا ذلك في مقالنا ليوم 13 فبراير 2026)، يقول في كتابه (جذور أول نوفمبر 1954) ما ترجمته عن الفرنسية: "إنّه بظهور نزاع مثل الذي عشناه، فإن الحركة البربرية تؤدي إلى إحداث شقاق في الحركة الوطنية للتحرير، والمستفيد الوحيد منها هو المستعمر الفرنسي. ونتيجة لما سبق ذكره، حكمت قيادة الحزب بطرد (محند علي يحيى) وكل الذين شاركوا في العمل الانعزالي وتضامنوا معه، وقررت إلغاء جريدة النجم الجزائري".

وهذا الموقف الثوري من الحركة البربرية في مؤتمر الصومام، المشار إلى أحد قراراته آنفاً، هو امتداد للحرب الشعواء التي كان قد شنّها قادة حزب الشعب الجزائري ـ حركة انتصار الحريات الديمقراطية، على أقطاب الحركة البربرية إثر افتضاح أمرها في الجزائر وفي فرنسا؛ حيث إنه وبعد إعادة التحكم في فيدرالية فرنسا بفضل نضال هؤلاء الرجال (كما يذكر بن خدة بكثير من التفصيل في الكتاب المذكور)، تأكدت قوة ومقدرة التنظيم لهذه الأخيرة في أول ماي 1950 بباريس، حيث تمَّ تنظيم مظاهرة جماهيرية اكتسحت الكونفدرالية العامة للعمال وأعطت الفرصة للجزائريين للقيام بعرض علمهم تحت قيادة حزب الشعب الجزائري ـ حركة انتصار الحريات الديمقراطية. وفي الجزائر، اعتبر الشيوعيون ذلك العرض مبكراً ويمكن أن يصل بـ حزب الشعب الجزائري ـ حركة انتصار الحريات الديمقراطية إلى الانفجار.

الثقافة الشعبية القبائلية، وكذا اللهجات البربرية (كما قلنا)، ظلّت موجودة ومتعايشة مع الثقافة العامة منذ قرون، هو أن خطباء نجم الشمال الإفريقي (حزب الشعب الجزائري، أو حركة انتصار الحريات الديمقراطية)، كانوا يستعملون القبائلية في خطبهم دون عقدة، أو حتى في الأغاني والأناشيد الوطنية التي تثير الحماسة والنشاط داخل اجتماعات المناضلين أو تجمعات الجماهير.
ويجدر الذكر هنا أن قيادة الحركة الوطنية كانت على علم بالأفكار التي نشرها أنصار الحركة البربرية، ولم تقدم بعد على اتخاذ أي قرار حتى حصلت على دليل مادي للمؤامرة التي حيكت، وذلك بفضل الحصول على رسالة مرسلة من السجن المدني بالجزائر، من عمر أوصديق إلى واعلي بناي، والتي سقطت في أيدي القيادة، وبذلك اكتشفت وجود "حزب الشعب القبائلي" (ح.ش.ق) الذي تهيكل داخل (ح.ش.ج-ح.ا.ج.د). وقد كشف التحقيق منشطي هذا العمل التقسيمي، وهم: واعلي بناي، عمر أوصديق، عمار ولد حمودة، صادق هجرس، فعوقبوا على مؤامرتهم التجزيئية، وقد التحق معظم المطرودين بالحزب الشيوعي الجزائري، ومنهم الصادق هجرس الذي أصبح أحد قادته وأمينه العام في الوقت الحالي!

وهكذا لم ينل أنصار الحركة البربرية موافقة الجماهير؛ ففي منطقة القبائل تبين أنه من بين اثنتي عشرة قسمة للحزب أصبحت واحدة فقط (وهي عين الحمام) منطقة نفوذ لولد حمودة، وبقي الوضع على حاله لمدة سنة أو أقل! والمعروف أن الثقافة والتحدث بالقبائلية كان مسموحاً بهما داخل الحزب دون أية عقدة في إطار الثوابت الوطنية العامة (الإسلام والعربية).

والدليل على أن الثقافة الشعبية القبائلية، وكذا اللهجات البربرية (كما قلنا)، ظلّت موجودة ومتعايشة مع الثقافة العامة منذ قرون، هو أن خطباء نجم الشمال الإفريقي (حزب الشعب الجزائري، أو حركة انتصار الحريات الديمقراطية)، كانوا يستعملون القبائلية في خطبهم دون عقدة، أو حتى في الأغاني والأناشيد الوطنية التي تثير الحماسة والنشاط داخل اجتماعات المناضلين أو تجمعات الجماهير.

ثم يضيف بن خدة قوله: "وكانت تسود روح أخوية جميع المناضلين، بغض النظر عن الأصل أو الجهة التي ينتمون إليها في الوطن الفسيح، وحتى الذين لا يتكلمون القبائلية رغبوا في تعلمها بدون أية عقدة أو نيات غير بريئة"، وهو عكس ما نراه يحصل اليوم نتيجة التجاوزات والتواطؤات مع مخططات العدو في الخارج والداخل!

ونبقى مع بن خدة في سرده للأحداث بكل دقة وموضوعية حيث يقول: "ولقد ظل القبول بالثقافة أو الكلام بالبربرية، بشرط عدم إعادة النظر في المبدأ (العربي-الإسلامي)، الذي يمثل الدعامة الأيديولوجية للحزب؛ فالنشيد الوطني لحزب الشعب الجزائري (فداء الجزائر، الذي كان ينشده كل المناضلين) كتب من طرف شاعر جزائري فحل (من منطقة ميزاب) وهو المرحوم مفدي زكريا، وهذا لم يمنع من التأكيد على أن القصدية أو مسعى الكفاح الوطني هو استرجاع مقومات الهوية والسيادة الوطنية، وبالتالي الاعتراف باللغة العربية في الجزائر المحررة، كما ينص على ذلك بيان أول نوفمبر في أهم بنوده المتعلقة بالهوية الوطنية للشعب الجزائري الموحَّد دينياً ولغوياً منذ الفتح الإسلامي واندحار الاحتلال الصليبي الروماني حتى الآن!".

وفيما يتعلق بعبارتي "الجزائر العربية" و"الجزائر الفرنسية"، فقد فضل أنصار الحركة البربرية عبارة "الجزائر الجزائرية" التي لا يعني محتواها أي شيء. فهل يدعو الفرنسيون إلى "فرنسا الفرنسية" أو الألمان إلى "ألمانيا الألمانية"؟ فشعار "الجزائر الجزائرية" لا يمكن فهمه إلا كونه محاولة مكشوفة لإزالة الشخصية العربية ـ الإسلامية للجزائر.

ويؤكد هذه الحقائق كلها، الواردة بقلم بن يوسف بن خدة، مناضلون وكتاب آخرون، ذكر منهم المؤرخ الجزائري الدكتور ناصر الدين سعيدوني، وهو من بربر الأوراس جغرافياً، في بحث له بعنوان «جذور المد الشعوبي في الجزائر" جاء فيه ما نصه:

"كانت الخطة الفرنسية تهدف إلى إيجاد تيار جزائري في مظهره وأصوله، فرنسي في قناعاته وتوجهاته؛ فهو يرفض مقولة الجزائر فرنسية بحكم الواقع ولكون المعمرين لا يسمحون بذلك حتى لا ينافسهم جزائريون في امتيازاتهم التي كانوا يحظون بها، كما أن هذا التيار أيضاً لا يسلم بفكرة الجزائر العربية الإسلامية، باعتبارها لا تعبر عن طموحهم ولا تتماشى مع انتماءاتهم وقناعاتهم. وقد استطاع هذا التيار الذي ظهر ناطقون باسمه في الجزائر أن يستقطب (في منطقة القبائل بالخصوص) مجموعات من الشباب نشأت في أحضان المدارس الفرنسية ذات التوجهات اللائكية، وترعرعت بتوجيه من القائمين على الإدارة الفرنسية! وقد استطاع بعض الأفراد من هذه الجماعات أن يتسربوا إلى الساحة الجزائرية وأن يخترقوا الجناح الاستقلالي للحركة الوطنية التي كان يمثلها آنذاك حزب الشعب الجزائري، وقد تسبب ذلك فيما يعرف بالأزمة البربرية لحزب الشعب سنة 1949.

هذا وكما هو معروف أن هذه الأزمة، التي تعكس توجهات السياسة الفرنسية في المجال السياسي، بدأت في شكل تململ وثورة على موقف حزب الشعب من مجازر 8 ماي 1945 وما أصدرته قيادته من قرارات وتوجيهات متضاربة، ثم تحول القلق إلى بحث عن الذات والهوية بفعل الواقع الثقافي الذي أوجده الاستعمار ذاته.

ومع نشاط مجموعة من المنتسبين إلى اللجنة الفدرالية لحزب الشعب وحركة انتصار الحريات الديمقراطية في فرنسا (1946 ـ 1948)، وعلى رأسهم أحد الطلاب الجامعيين وهو محند علي يحيا (المدعو رشيد)، أصبحت الحركة ذات توجهات عنصرية، وقناعات جهوية، وميولات شيوعية معادية لمبادئ الحزب ومتنافية مع وحدة الشعب ومدمرة لتماسك العمال الجزائريين في المهجر.

وقد استطاعت قيادة حزب الشعب آنذاك أن تضع حداً لهذا التوجه الخطير الذي كان يتنافى ومبادئ وقرارات الحزب، وذلك بطرد الداعين له والتشهير بهم. ورغم أن العمل كلل بالنجاح ووضع حداً لهذه الأزمة، إلا أن خلايا الحزب فقدت العديد من أنصارها النشطين وتسببت في تصدع كاد أن يذهب بوحدة الحزب. وقد وصف التقرير العام للجنة المركزية في المؤتمر الوطني الثاني لحركة انتصار الحريات الديمقراطية المنعقد في الجزائر 04/06/1953، هذه القضية بما نصه: "إن الحزب اصطدم بمعضلة داخلية خطيرة وهي النزعة البربرية التي هي انحراف تعصبي ملون بالصبغة العنصرية والنزعة الشيوعية، وعمل طائفي يرمي للتخريب والتمرد المكشوف على الحزب.. والبربرية يمكن أن تبقى سلاحاً في يد الاستعمار ما دام الاستعمار قائماً".

وهذا ما أكده قادة الثورة في مؤتمر الصومام الذي فصلنا الحديث عنه في مقال سابق بعنوان (جذور وبذور النزعة الطائفية والعنصرية والردة الوثنية في البلاد المغربية). ويضيف الباحث قوله: "هذا وقد اضطر أنصار هذه الفكرة بعد طردهم من صفوف الحزب وفشلهم في تكوين تنظيم خاص بهم عرف (بحزب الشعب القبائلي) أن يبتعدوا عن الساحة الوطنية، وأن يندمجوا في الحزب الشيوعي الجزائري، بينما واصلت الحركة الوطنية مسيرتها بمنطقة القبائل وباقي إقليم الجزائر لتنتهي بإعلان الثورة التحريرية في الفاتح من نوفمبر 1954 لاسترجاع المقومات العربية الإسلامية للشعب الجزائري. وقد كان للبطل المجاهد عميروش مواقف وأعمال خالدة في محو بقايا هذه الترسبات في المنطقة بأكملها"، والدليل على ذلك إرساله للمئات من قوافل الطلبة إلى البلاد الشقيقة استعداداً لتعريب الجزائر بعد الاستقلال واستعادة الوضع الثقافي والسيادي والهوياتي الذي كان عليه الوطن قبل الاحتلال سنة 1830.

تقول وثيقة الصومام المذكورة، والتي يتكون كل قادة المؤتمر من قادة الحركة الوطنية ذاتها ومنهم بن خدة، الذي يقول في كتابه إن رد فعل قيادة حزب الشعب الجزائري (ح.إ.ح.د.) بمعاقبة محرضي أنصار النزعة البربرية كان سريعاً وقوياً ومبرراً؛ لأنه لا تسمح أية قيادة لنفسها بوجود منظمة داخل حزبها تختلف أيديولوجيتها مع المذهب الرسمي!
وعن هذا الموضوع أيضاً يقول أحد الباحثين الجزائريين المعاصرين لتلك الأحداث، وهو الدكتور عثمان سعدي الذي يقدم نفسه بأنه من أكبر القبائل الشاوية بالأوراس، يقول عن مخلفات ومؤامرات الاستعمار: " لقد تعلم أنصار النزعة البربرية على أيدي فرنسيين وعلى أيدي الآباء البيض، فغرسوا في نفوسهم كرههم لكل ما هو عربي، وعلموهم بالفرنسية (أن العرب غزاة، وأن العربية لغة غازية، وأن البربر جرمان هاجروا من أوروبا) ليبرروا (فرنسة الجزائر) قبل 1962. وقد بلغت هذه الحملة المسمومة أوجها سنة 1948 عندما اكتشف الوالي الفرنسي الأسبق بالجزائر (شاتينيون) أن قوة حزب الشعب الجزائري خطر على فرنسة الجزائر، فقرر تدميره من الداخل وذلك ببث النزعة البربرية في صفوفه بواسطة عملائه، وبرز بالفعل تنظيم داخل الشعب تحت اسم "حزب الشعب البربري". لكن قادة الحزب من القبائل قاموا بتصفية العملاء جسدياً خلال أشهر قليلة، وكنا مناضلين في صفوف حزب الشعب فصدرت لنا التوجيهات بمحاربة هذه الفكرة الشريرة".

وعودة إلى السياق التاريخي للحركة البربرية والحركة الوطنية المحاربة لها، تقول وثيقة الصومام المذكورة، والتي يتكون كل قادة المؤتمر من قادة الحركة الوطنية ذاتها ومنهم بن خدة، الذي يقول في كتابه إن رد فعل قيادة حزب الشعب الجزائري (ح.إ.ح.د.) بمعاقبة محرضي أنصار النزعة البربرية كان سريعاً وقوياً ومبرراً؛ لأنه لا تسمح أية قيادة لنفسها بوجود منظمة داخل حزبها تختلف أيديولوجيتها مع المذهب الرسمي!

وتطبيقاً لهذا الموقف الحاسم للحزب، نورد هنا هذه الشهادة الحية عن حلقة من حلقات المقاومة ضد أنصار النزعة البربرية في باريس كما يرويها المناضل الوطني (القبائلي) بلقاسم راجف (وهو فاعل أساسي في أحداثها من البداية إلى النهاية)، ومما ورد في هذه الشهادة قوله:

"أثناء سنتي 1947 ـ 1948 كان عبد الله فيلالي، المناضل الأسبق في صفوف "نجم شمال إفريقيا"، على رأس فيدرالية فرنسا لحزب الشعب ـ حركة الانتصار، وبالرغم من إرادته الحسنة لم يتمكن (فيلالي) من إحراز أي تقدم يذكر لصالح الحزب. وكان يعامل الطلبة معاملة سيئة واصفاً إياهم بـ"المتخاذلين"، مما أدى بمحند علي يحيى (الملقب برشيد) بعد وصوله إلى فرنسا إلى مساعدة بعض المناضلين على انتقاد سير الأمور في الفيدرالية التي كان يسيطر عليها فيلالي دون أية مراقبة.

وفي يوم من الأيام اغتنمت فرصة وجود مصالي الحاج بمدينة بري كومت روبير (Brie-Comte-Robert) في ضواحي باريس، فقصدته رفقة جماعة من المناضلين واشتكينا له من تصرفات فيلالي. وبدلاً من أن يأمر بإجراء تحقيق بشأنه ويقوم بدراسة الوضع مع جميع الأطراف، راح مصالي يبرر أعمال فيلالي ويدافع عنه.. وكنت شخصياً في تعاطف مع الطلبة لأننا كثيراً ما عانينا من اتهامات خصومنا السياسيين التي تصفنا بـ"الأميين"، وكنت أرى أنه من الصعب في غياب العنصر المثقف أن يحقق الحزب أي تقدم، وحيث إن الطلبة كانوا يتهربون من الحزب فاجتمعت بهم في مقر الطلبة بشارع سان ميشال في باريس رقم: 115 (Boulevard Saint-Michel) وقلت لهم: "إنه لا يحق لكم أن تغادروا الحزب وإلا كانت خيانة". وفكرنا في عقد مؤتمر فيدرالي، قال بشأنه أحمد مزغنة عضو القيادة الذي كان قد حل بباريس في زيارة قصيرة: "إنه من اختصاص قيادة الحزب في الجزائر"، فقررنا عقد مجلس فيدرالي تطلب تحضيره ما لا يقل عن خمسة أشهر وحضره يوم جلسته تقريباً (150) مندوباً، ونفس العدد من مناضلين آخرين، وكان ذلك في سنة 1948. وانتخب المجلس الفيدرالي لجنة فيدرالية تضم (25) عضواً وطلب أن أكون من بين أعضائه نظراً لأقدميتي في الحزب، فقبلت بتحفظ أن أشارك في اجتماعه بباريس بصفتي "مستشاراً تقنياً" حسب ما تسمح به الظروف؛ لأن نشاطي المهني الذي يجري خارج باريس وواجباتي العائلية لم تمكناني من ذلك بصفة دائمة. وأصبحت عضواً قانونياً في المجلس الفدرالي".
التعليقات (0)