نشرت صحيفة "نيويورك
تايمز"
تقريرا أعده ديفيد إي، سانغر تناول فيه مستجدات الوضع في ظل
الحرب على
إيران.
وذكر التقرير، أن الرئيس دونالد
ترامب يفكر
أخيرا بـ "تخفيض وتيرة الحرب" ، ولكن السؤال: هل سيتخذ الخطوة؟
وأجاب أنه منذ بدء ما يسميها
ترامب "غزوة" إيران، انشغلت واشنطن بمسألة متى سينهي هذه العملية، حتى
وإن لم تتحقق العديد من أهدافه الحربية. وفي مساء الجمعة ، وبينما كان متوجهًا إلى
فلوريدا، بدا أن ترامب يخطط لهذا الانسحاب الذي طال الحديث عنه، لكن من الواضح أنه
لم يحسم أمره بعد بشأن تنفيذه.
ومع ذلك أوضح التقرير، أن هناك
أدلة متزايدة على ضرورة وقف الحرب، فقد وصل متوسط سعر البنزين في محطات البترول
الأمريكية لما يقرب من 4 دولارات للغالون ، فيما تأثرت البنية التحتية في جميع
أنحاء الخليج من الغارات الإيرانية، ولم تتزحزح قبضة النظام الديني المنهك عن
السلطة، إلى جانب رفض حلفاء
الولايات المتحدة المضي معه في الحرب وتأمين حماية
المياه في مضيق هرمز.
وبين التقرير، أن ذلك يظهر أن تداعبات "غزوة إيران" أكبر من
اهتمامه بها. وكالعادة، تتسم رسائل ترامب بالتناقض، وهو ما يستشهد به منتقدوه
كدليل على دخوله هذا الصراع دون استراتيجية، بينما يشيد به أنصاره باعتباره غموضا
استراتيجيًا.
و مع توجه أعداد جديدة من جنود
المارينز الإضافيين إلى المنطقة وتسارع وتيرة الهجمات الأمريكية والإسرائيلية، قال
ترامب للصحافيين يوم الجمعة بأنه لا يرغب في وقف إطلاق النار لأن الولايات المتحدة
"تدمر" مخزون إيران من الصواريخ وقواتها البحرية والجوية وقاعدتها
الصناعية الدفاعية.
ولكنه وبعد ساعات، وربما مراعاة لقلق القاعدة الجمهورية المفهوم حيال التداعيات
السياسية، نشر على حسابه في مواقع التواصل الاجتماعي: "نحن نقترب جدا من
تحقيق أهدافنا بينما ندرس إنهاء جهودنا العسكرية الكبيرة في الشرق الأوسط".
ومع ذلك أغفلت قائمته الأخيرة
لتلك الأهداف بعض أهدافه السابقة وخففت من حدة أهداف أخرى. فلم بذكر شبئا عن هزيمة
الحرس الثوري الإسلامي، الذي يبدو أنه لا يزال في السلطة إلى جانب مجتبى خامنئي
الذي خلف والده كمرشد أعلى لإيران، رغم أنه لم يظهر أو يُسمع عنه أي شيء علني حتى
الآن. كما أغفل ترامب أي رسالة إلى الشعب
الإيراني، الذي قال له قبل ثلاثة أسابيع فقط: "عندما ننتهي، تولوا زمام
الأمور، ستكون جاهزة لكي تأخذوها".
اظهار أخبار متعلقة
وبعد إصراره خلال المفاوضات
الفاشلة التي سبقت الحرب على ضرورة شحن إيران لجميع موادها النووية خارج البلاد -
بدءًا من 970 رطلا من اليورانيوم المخصب الأقرب إلى مستوى التخصيب اللازم لصنع
القنبلة، اقترح هدفًا جديدا،حيث كتب: "عدم السماح لإيران بالاقتراب ولو قليلا
من امتلاك القدرة النووية، والبقاء دائما في وضع يمكن الولايات المتحدة الأمريكية
من الرد بسرعة وقوة للرد على الوضع".
وباختصار، فما يتحدث عنه ترامب هو
نفس الوضع القائم بعدما دفنت الولايات المتحدة البرنامج النووي الإيراني تحت
الأنقاض في حزيران/ يونيو الماضي. ولا تزال هذه المواقع تحت مراقبة الأقمار الإصطناعية
الأمريكية وفق الصحيفة.
وختم ترامب منشوره، بمطلب جديد
من الحلفاء الأمريكيين، الذين استبعدهم من مداولاته قبل بدء الحرب، ولم ينذرهم
بالاستعداد لعواقبها.
وكتب: "سيتعين على الدول
الأخرى التي تستخدم مضيق هرمز حمايته ومراقبته، حسب الضرورة، فالولايات المتحدة لا
تستخدمه!". وأضاف أن القوات الأمريكية ستساعد في ذلك.
وفي هذا المجال، كتب ريتشارد ن.
هاس، الرئيس السابق لمجلس العلاقات الخارجية، والذي شغل منصبا في مجلس الأمن
القومي ووزارة الخارجية خلال حرب الخليج وحرب العراق، على وسائل التواصل
الاجتماعي: "اعتبروا هذا بمثابة عقيدة ترامب الجديدة للشرق الأوسط" وهي تقوم على على: "لقد دمرناه، لكنكم
تتحملون المسؤولية".
ولم يتوقف الأمر عند هذا، ذلك أن
أهداف ترامب ظلت تتغير حتى مساء السبت. فقبل أيام قليلة، كان يدعو إسرائيل إلى
تجنب استهداف مواقع الطاقة الإيرانية، خشية أن يؤدي ذلك إلى جولة متصاعدة من
الضربات المضادة الانتقامية عبر الخليج، لكنه هدد يوم السبت بضرب محطات الطاقة
الإيرانية إذا لم تفتح مضيق هرمز "بشكل كامل، ودون تهديد" خلال 48 ساعة. وقال إن الضربات الأمريكية على
المحطات الإيرانية ستبدأ "بأكبرها أولا".
ويبدو أن أكبر محطة في إيران
هي محطة بوشهر النووية، وهي المحطة النووية الوحيدة العاملة لديها. ولعقود، اعُبرت
محطات الطاقة النووية محظورة تماما على الضربات نظرا للخطر الواضح لحدوث كارثة
بيئية.
وأضاف سانغر أن تغير مواقف ترامب
نابعة من أنه يواجه وضعا لم يكن يتوقعه بعد الحرب بثلاثة أسابيع. ونقل عن
دبلوماسيين أجانب ومسؤولين أمريكيين، تحدثوا مع الرئيس، توقعاته استسلام إيران في
الأسبوع الأول. وقد تجلى ذلك بوضوح في مطالبه في 6 آذار/مارس بـ"استسلام
إيران غير المشروط".
وقد وصف مسؤول أوروبي ذو خبرة
طويلة في التعامل مع إيران هذا الطلب بأنه محير، نظرا لتنافس مراكز القوى في
البلاد وفخر شعبها القومي ووجود دولة فارسية ضمن حدود إيران الحالية، شهدت صعودا
وهبوطا منذ عهد كورش الكبير حوالي عام 550 قبل الميلاد. ولم يكن رفض إيران "الاستسلام"،
كما وصفه ترامب للصحافيين على متن طائرة الرئاسة، سوى أحد المفاجآت التي واجهها
الرئيس في الأسابيع الأخيرة.
أما المفاجأة الأولى فكانت أزمة
أسواق الطاقة، التي وصفتها وكالة الطاقة الدولية بأنها "أكبر اضطراب في
الإمدادات في تاريخ سوق النفط العالمي". أثار هذا الأمر حالة من الارتباك لدى
ترامب ومساعديه. فقد وعدوا بسحب كميات من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي، الذي لم
يكن ممتلئا إلا بنسبة 60%، ما يعكس غياب التخطيط. وخلال الأسبوع الماضي، أصدرت
وزارة الخزانة تراخيص لتسليم النفط الروسي والإيراني الموجود بالفعل في البحر.
وحتى الآن، لم تترك الخطوات هذه
سوى أثارا قليلة. فقد أغلق سعر خام برنت عند حوالي 112 دولارا للبرميل يوم الجمعة
بعد إعلانات وزارة الخزانة، وحذرت غولدمان ساكس يوم الخميس من أنه إذا ترددت السفن
في عبور مضيق هرمز، فقد تبقى الأسعار مرتفعة حتى عام 2027.
ويدرك الإيرانيون بوضوح أن فوضى
السوق هي سلاحهم الفتاك المتبقي. ويوم السبت، حذرت طهران من أنها قد تشعل النار في
منشآت أخرى في الشرق الأوسط. وتعتقد الولايات المتحدة أن إيران دخلت الحرب وهي
تمتلك نحو 3,000 لغما بحريا، دمر بعضها على ما يعتقدن فيما ركزت أمريكا على تدمير
الزوارق الصغيرة في الأسطول الإيراني التي تستهدف ناقلات النفط المرتبطة بحلفاء
الولايات المتحدة.
اظهار أخبار متعلقة
وكانت المفاجأة الثانية لترامب
هي حاجته الماسة إلى حلفاء، مع أنه لم يتوقع ذلك في بداية الصراع، كما قال وزير
دفاع إحدى دول الخليج في الآونة الأخيرة، لأنه كان يعتقد أن الحرب ستكون قصيرة.
لكن يبدو أن تسيير دوريات في المضيق، ونقاط التفتيش الأخرى، مهمة قد تستمر لأشهر أو
سنوات.
أما مفاجأته الثالثة فكانت غياب
أي انتفاضة بين صفوف الحرس الثوري أو المواطنين الإيرانيين العاديين. وقال وزير
الخزانة سكوت بيسنت في المكتب البيضاوي في وقت سابق من هذا الأسبوع: "نشهد
انشقاقات على جميع المستويات، حيث بدأوا يدركون ما يجري مع النظام".
لكن
مسؤولي الاستخبارات الأمريكيين والأوروبيين يقولون إنه لا يوجد لديهم أي دليل على
مثل هذه الانشقاقات، حتى بعد أن استهدفت إسرائيل المرشد الأعلى الإيراني وكبار
قادة الأمن والاستخبارات والعديد من كبار المسؤولين العسكريين وقضت عليهم. كل ذلك
قد يحدث لاحقا. فالحروب لا تربح أو تخسر في ثلاثة أسابيع.
لكن ترامب دخل الحرب على
إيران بعد أن تذوق ثمار انتصارات سريعة. كانت غارة جوية على ثلاثة مواقع نووية
رئيسية في إيران في يونيو/حزيران عملية استغرقت ليلة واحدة، دفنت خلالها مخزونات
إيران النووية ودمرت آلافًا من أجهزة الطرد المركزي المستخدمة لتخصيب اليورانيوم.
ثم جاءت عملية الكوماندوز التي استهدفت
نيكولاس مادورو، رئيس فنزويلا، من منزله في كاراكاس سريعة بالمثل. وربما شجعت تلك
النتائج السريعة ترامب على الاعتقاد بأنّ الجيش الأمريكي يتمتع بقوة مطلقة، وأنّ
الملالي والجنرالات والميليشيات التي تُدير إيران، الدولة التي يبلغ تعداد سكانها
92 مليون نسمة، ستنهار. ربما تسرع في اتخاذ القرار.
ويقول سانغز إن المؤرخين
العسكريين سيحللون هذا الصراع لفترة طويلة. لكن من الواضح الآن أن إيران تمثل
تحديا من نوع مختلف. بدأ ترامب باستخدام كلمة "رحلة" للإيحاء بأنها مجرد
زيارة قصيرة أو مناورة عابرة. لكن لا نهاية حقيقية تلوح في الأفق.