بينما ينصرف اهتمام القوى الكبرى، ويستغرق صنّاع القرار العالمي في الملفات المرتبطة ببؤر الصراع المشتعلة في مناطق أخرى من العالم تلوح في الأفق أزمة مجاعة في
الصومال قد تكون الأشد منذ مجاعة العام 2011.
فقد أطلق برنامج الأغذية العالمي تحذيراً مفاده أن المساعدات الغذائية الحيوية قد تتوقف تماماً بحلول نيسان/ أبريل 2026 ما لم يتم تأمين تمويل فوري بقيمة 95 مليون دولار.
وقال برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، إن مساعداته الغذائية والتغذوية المنقذة للحياة في الصومال قد تتوقف بحلول أبريل القادم ما لم يتم تأمين تمويل جديد، مما يُعرّض ملايين الأشخاص لخطر تفاقم الجوع.
وأوضح البرنامج أن ما يُقدّر بنحو 4.4 مليون شخص يواجهون انعدام الأمن الغذائي على مستوى الأزمة، ويعاني منهم نحو مليون شخص من جوع شديد، نتيجة لتأثير نقص الأمطار، والصراع، وتراجع التمويل الإنساني.
وتيرة مقلقة
وقال روس سميث، مدير قسم التأهب والاستجابة للطوارئ في برنامج الأغذية العالمي، في بيان صحفي إن الوضع يتدهور بوتيرة مُقلقة، مضيفا "لقد فقدت العائلات كل شيء، والعديد منها على حافة الهاوية، وبدون دعم غذائي طارئ فوري، ستتفاقم الأوضاع بسرعة".
وأعلن البرنامج خفّض مساعداته من 2.2 مليون شخص في وقت سابق إلى ما يزيد قليلاً عن 600 ألف شخص، وذلك بسبب نقص التمويل، كما تم تقليص برامج التغذية للنساء الحوامل والمرضعات والأطفال الصغار بشكل حاد.
سيناريو 2011
لا يزال شبح عام 2011 يطارد الذاكرة الصومالية، حين أدى التأخر الدولي في الاستجابة إلى وفاة 260 ألف شخص، نصفهم من الأطفال دون سن الخامسة، في أسوأ مجاعة بالقرن الأفريقي.
فبينما كانت المؤشرات التحذيرية تتدفق منذ عام 2010، لم يعلن العالم حالة
المجاعة الرسمية في الصومال إلا بعد أن بدأت الوفيات تتزايد جراء الجوع.
واليوم، تبدو المؤشرات الحالية أكثر قتامة؛ فالفجوة التمويلية التي بلغت ذروتها في فبراير 2026 أجبرت البرنامج الأممي على تقليص عدد المستفيدين من 2.2 مليون شخص إلى 640 ألفاً فقط.
ويدفع الجفاف والنزاعات وارتفاع أسعار الغذاء وتناقص المحاصيل العائلات الصومالية إلى حافة الجوع.
اظهار أخبار متعلقة
النزوح والأزمات الأمنية
وأثبتت مجاعة 2011 أن الجوع هو الوقود الأول لعدم الاستقرار بالقرن الأفريقي؛ فقد أدت المجاعة حينها إلى نزوح أكثر من 1.5 مليون صومالي، وتدفق مئات الآلاف نحو مخيمات النزوح في كينيا، مما خلق أزمة ديموغرافية وأمنية لا تزال آثارها قائمة حتى اليوم.
كما استغلت الجماعات المسلحة الوضع حينها، وقامت بتجنيد مئات الشباب، وهو السيناريو الذي يتخوف الخبراء من تكراره في 2026 إذا ما توقفت المساعدات فعلياً.
وتشير التقديرات إلى أن توقف المساعدات سيؤدي إلى نزوح نصف مليون شخص إضافي في غضون أشهر قليلة، هؤلاء لن ينزحوا داخلياً فحسب، بل سيتدفقون نحو الحدود الكينية والإثيوبية.
ويقول الصحفي المتابع للشأن الأفريقي محنض باب، إن الأوضاع الحالية في الصومال مشابهة لتلك التي سبقت مجاعة 2011.
وأضاف في تصريح لـ"عربي21": "المنظمات الدولية أصدرت تحذيراتها، لكن الاستجابة تبدو ضعيفة، حيث ينشغل العالم بأزمات دولية".
ولفت إلى أن منطقة القرن الأفريقي تعاني أصلا توترات وأزمات متنوعة، وأي مجاعة في الصومال قد تفاقم الوضع المضطرب بالقرن الأفريقي.
وتوقع ،أن يتدفق آلاف النازحين الصوماليين إلى دول الجوار مع بداية الصيف القادم، إذا لم تكن هناك استجابة دولية سريعة.
وأوضح أنه في ظل حالة النزوح الناتج عن الحرب في السودان والتوتر في تشاد، والاضرابات التي تعرفها المنطقة بشكل عام، فإن أي تدفق للنازحين الصوماليين ستكون له تداعيات كارثية على المنطقة بشكل عام.
ويرى متابعون للشأن الأفريقي أن توقف المساعدات في أبريل سيكون بمثابة نهاية الاستقرار الهش في الصومال، وسيؤدي إلى أكبر موجة نزوح في القرن الأفريقي مما سيخلق ضغطاً أمنياً ودبلوماسياً هائلاً على دول الجوار التي تعاني أصلاً من عدة أزمات.
ويحذر متابعون من أن أي موجات نزوح من المناطق الريفية سيحول ضواحي العاصمة مقديشيو إلى بؤر للأوبئة ومسرحاً للجريمة المنظمة نتيجة غياب الحد الأدنى من الاحتياجات، كما سيساهم في تدفق المزيد من النازحين نحو اليمن بحثا عن لقمة عيش.
ويعد الصومال أحد أكثر الدول معاناة من المجاعة في العالم، بسبب وجوده في مجال مناخي جاف يتميز بتناقص حاد في معدل الأمطار السنوية لسنوات متتالية، ما يؤثر على الآبار فيجعلها تجف، إضافة إلى نفوق الماشية التي تعتمد عليها نسبة مهمة من السكان.
وعانى الصومال لنحو قرن كامل من مجاعات قاسية قتلت وشردت ملايين الأشخاص، من أشهرها مجاعات 1964 و1992 و2011.
ويرى متابعون للشأن الأفريقي أن أزمة الصومال لن تظل حبيسة حدوده الجغرافية؛ فالتجارب تظهر أن الجوع في القرن الأفريقي هو المحرك الأول لعدم الاستقرار في حوض البحر الأحمر وممرات التجارة العالمية.
ويعتبر مختصون أن الـ95 مليون دولار التي يطالب برنامج الغذاء العالمي بتوفيرها فورا هي استثمار في الأمن الإقليمي، إذ أنه بدون استجابة عاجلة قبل أبريل المقبل، فإن العالم لا يخاطر بفقدان أرواح الآلاف فحسب، بل يغامر بفتح باب من النزوح واضطرابات قد تطالب غالبية دول المنطقة.