نشرت صحيفة "
الغارديان" مقالاً لرئيس قسم اللغة الإنجليزية في جامعة الأقصى أحمد كمال جنينة وصف فيه واقع سكان
غزة، حيث بدأت أبرد وأقسى أربعين يوماً من أيام موسم الشتاء في ظل نقص المأوى وانعدام الكهرباء والتدفئة.
وتالياً نص المقال كاملا:
كانت الساعة حوالي الثامنة والنصف مساءً من يوم خميس عندما كنتُ عائداً إلى منزلي في مدينة غزة. كانت الرياح عاتية، ولم أستطع البقاء في الخارج أكثر من ذلك، فاضطررتُ للمشي. في البداية، كان المطر خفيفاً، ولكن بعد حوالي 200 متر، اشتدّ المطر فجأة. لم يكن ذلك مفاجئاً. توقفتُ قرب خيمة لأحتمي، وفركتُ راحتيَّ لأستمدّ بعض الدفء.
كان صبي صغير يجلس في الخارج يبيع كعكاً منزلي الصنع. تبادلنا بضع كلمات بينما كنتُ واقفاً هناك، مع أنه لم يبدُ مهتماً بالحديث. لاحظتُ أن الكعكات كانت مغلفة بشكل غير محكم بالبلاستيك، وقد تبللت بالفعل من الرذاذ، وتساءلتُ إن كان سيبقى لديه ما يكفي لبيعه قبل نهاية الليل. كان البرد يتغلغل في كل شيء.
بينما كنت أسير في شارع الوحدة بمدينة غزة، اصطفت الخيام على جانبي الطريق. لم يكن هناك أي صوت يصدر من داخلها، فقط صوت المطر الغزير وصفير الرياح. وبينما كنت أسرع في سيري، محاولاً تفادي المطر، شغّلتُ مصباح هاتفي المحمول لأرى الطريق أمامي. لم تتوقف أفكاري عن العودة إلى أولئك الذين يحتمون في الداخل: ماذا يفعلون الآن؟ ما الذي يفكرون فيه؟ كيف يشعرون؟ كان البرد قارساً، تخيلتُ أطفالاً ملتفين تحت بطانيات مبللة، وآباء وأمهات يتحركون باستمرار لتدفئتهم.
صرخات الأطفال المذعورة تخترق الظلام
عندما فتحتُ باب شقتي، كان المقبض المتجمد بمثابة تذكير خفي ولكنه مؤلم بالمصاعب التي تُكابدها غزة في هذه الظروف الشتوية القاسية. دخلتُ شقتي ولم أستطع التخلص من الشعور بالذنب لوجود سقف يحميني بينما الكثيرون معرضون للعاصفة.
في منتصف الليل، اشتدت العاصفة. في الخارج، تدلّت الأغطية البلاستيكية على النوافذ المحطمة ورفرفت بعنف، بينما تمزقت ألواح الزينكو وسقطت على الأرض. وفوق كل ذلك، دوّت صرخات الأطفال الحادة المذعورة، تخترق الظلام. شعرتُ بالعجز التام.
على مدى الأسبوعين الماضيين، كان المطر غزيراً بلا هوادة. بارداً، غزيراً، مدفوعاً برياح عاتية، أغرق الخيام، وغمر المخيمات المؤقتة، وحوّل الأرض المكشوفة إلى وحل. في أماكن أخرى، قد يُطلق على هذا "طقس سيئ". أما في غزة، فيُعاش في العراء والعزلة.
يعرف
الفلسطينيون هذا الوقت من العام باسم الأربعينية؛ وهي الأربعون يومًا الأبرد والأقسى في الشتاء، تبدأ في أواخر كانون الأول/ديسمبر وتستمر حتى نهاية كانون الثاني/يناير. إنها البداية الحقيقية للشتاء، اللحظة التي يكشف فيها الموسم عن قوته الكاملة. عادة ما يُحتمل هذا الطقس بالاستعداد والمأوى. هذا العام، غزة تفتقر إلى كليهما. البرد يلسع البيوت، والشوارع خالية، والناس يتحملون الأمر ببساطة.
منازل أضعفها القصف ثم دمرتها الأمطار
لكن خطر الشتاء لم يعد مجرد فكرة مجردة. ففي صباح يوم الأحد الذي سبق عيد الميلاد، انتشلت فرق الدفاع المدني جثتي طفلين بعد انهيار سقف مبنى متضرر من الحرب في شمال غزة، وأنقذت خمسة آخرين، بينهم طفل وامرأتان. ولا يزال شخصان في عداد المفقودين. ليست هذه الانهيارات هجمات جديدة، بل هي نتيجة منازل أضعفتها أشهر من القصف، ثم دمرتها أمطار الشتاء. وفي وقت سابق من هذا الشهر، توفيت رهف أبو جزر، وهي طفلة رضيعة تبلغ من العمر ثمانية أشهر في خان يونس، جراء تعرضها للبرد القارس.
وبينما كنت أمرّ بجوار المخيم الأقرب إلى منزلي، رأيت آثار ذلك عن كثب. كانت الأغطية البلاستيكية الرقيقة تتدلى تحت وطأة الماء، والمراتب تطفو على السطح، والملابس معلقة رطبة، لا تجف تمامًا. كل خطوة كنت أخطوها كانت تذكرني بمدى هشاشة هذه الملاجئ، ومدى اقتراب المطر والبرد من حصد أرواح وصحة مئات الآلاف الذين يعيشون في الخيام والملاجئ المكتظة.
معظم هؤلاء الناس نزحوا بالفعل، وكثير منهم نزحوا عدة مرات. اختفت منازلهم، وسُوّيت أحياء بالأرض. حلّ الشتاء على غزة، لكن الحماية منه لم تأتِ. لقد حلّوا دون مأوى مناسب، ولا كهرباء، ولا تدفئة.
بصفتي محاضراً جامعياً في غزة، يُثقل هذا الطقس كاهلي. طلابي ليسوا مجرد أرقام في تقرير أو وجوه في صورة. إنهم شباب أتحدث إليهم بانتظام؛ أذكياء، مُثابرون، لكنهم مُنهكون بشدة. يحضر معظمهم دروساً عبر الإنترنت من خيام؛ وآخرون من ملاجئ مكتظة حيث الخصوصية مستحيلة والاتصال بالإنترنت غير مستقر. فقد العديد من طلابي أفراداً من عائلاتهم. وفقد معظمهم منازلهم. ومع ذلك، ما زالوا يحاولون الدراسة. إن صمودهم استثنائي، لكن لا ينبغي أن يُطلب منهم ذلك بهذه الطريقة.
يأتي الدفء من ارتداء طبقات متعددة من الملابس
في غزة، ما يُعتبر عادة ممارسات أكاديمية روتينية، من واجبات ومواعيد نهائية وإعادة تقديم وتمديدات، يتحول إلى مفاوضات أخلاقية، تتشكل يوميًا بفعل عدم اليقين بشأن سلامة الطلاب، ودفئهم، وإمكانية حصولهم على مأوى.
في ليالٍ كهذه، أجد نفسي أفكر بهم باستمرار. هل هم جائعون؟ هل يشعرون بالدفء؟ هل مزقت الرياح ملاجئهم أثناء محاولتهم النوم؟ بالنسبة لمن لا يزالون يعيشون في شقق في غزة، أو ما تبقى منها، لا يوجد تدفئة. مع انقطاع الكهرباء بشكل كبير وندرة الوقود، يأتي الدفء بشكل أساسي من ارتداء طبقات متعددة من الملابس واستخدام ما تبقى من بطانيات، بعد أن تبرع الكثيرون ببطانياتهم الزائدة لمن فقدوا منازلهم وممتلكاتهم بالكامل. ومع ذلك، فإن ليالي البرد لا تُطاق. فماذا عن أولئك الذين يعيشون في خيام؟
تنهار الخيام وتتزايد الأمراض
تفيد المنظمات الإنسانية أن أكثر من مليون شخص في غزة يعيشون في ملاجئ. وكانت الإمدادات الإغاثية، بما في ذلك الخيام المعزولة والبطانيات والملابس الدافئة ووقود التدفئة، غير كافية. خلال العاصفة الأخيرة، أفاد شركاء مجموعة الملاجئ بالوصول إلى أكثر من 8800 عائلة في مدينة غزة ودير البلح وخان يونس، حيث تم تزويدهم بأغطية بلاستيكية وخيام وأغطية.
إلا أن هذه المساعدة على أرض الواقع كانت غير منتظمة وغير كافية، ومقتصرة على حلول مؤقتة لم تُسهم إلا قليلاً في حماية العائلات من التعرض المطول للبرد والرياح والأمطار. وتنهار الخيام. تتزايد حالات أمراض الجهاز التنفسي، وانخفاض حرارة الجسم، والعدوى المرتبطة بالرطوبة.
ليست هذه كارثة غير متوقعة، فالشتاء يأتي كل عام. لا ينظر سكان غزة إلى هذا التقصير على أنه مصيبة، بل على أنه إهمال. يتحدث الناس عن تقييد أو تأخير وصول الأغطية البلاستيكية، والأخشاب، ومواد العزل، ووحدات الإيواء الجاهزة، بينما تُعرقل محاولات إصلاح المنازل المتضررة أو تدعيم الخيام بشكل متكرر. حاولت المبادرات المحلية والجهات الإنسانية الارتجال، وتوزيع الأغطية البلاستيكية، وتدعيم الملاجئ، وتوفير مستلزمات الشتاء، لكنها لا تزال مقيدة بما يُسمح بدخوله. التقصير سياسي وإنساني. الحلول موجودة، لكنها تُمنع.
أجساد منهكة من الإجهاد والتعب والحزن
ما يزيد هذه المعاناة ألمًا هو سهولة تجنبها. لا ينبغي لأحد أن يدرس، أو يربي أطفالًا، أو يكافح المرض واقفًا في مياه باردة تصل إلى الكاحل داخل خيمة. لا ينبغي لأي طالب أن يخشى أن يُتلف المطر دفتر ملاحظاته أو هاتفه الأخير. يكشف المطر مدى هشاشة الحياة، ويختبر أجسادًا منهكة من الإجهاد والتعب والحزن.
يتزامن هذا الشتاء مع موسم عيد الميلاد الذي يرمز، بالنسبة لملايين الأشخاص حول العالم، إلى الدفء والأمان والرعاية للفئات الأكثر ضعفًا. في فلسطين، يرتبط هذا الرمز بذكرى ولادة اتسمت بالتهجير وانعدام المأوى في بيت لحم. أما في غزة اليوم، فيتجسد هذا الرمز بشكل مؤلم: فالعائلات تبحث مجددًا عن الأمان في البرد والمطر.
إذا كان هناك أي اهتمام دولي مُلحّ بغزة، فإن الشتاء يجب أن يجعل من المستحيل تجاهل الأمر. يحتاج الناس إلى مأوى لائق الآن، إلى منازل جاهزة تُسلّم على الفور. لا نحتاج إلى بيانات أو وعود، بل إلى مواد بناء، وإمكانية الوصول، وإجراءات عملية. طلابي يستحقون على الأقل هذا القدر.