قذائف
ضخمة تزن أطنانا تتهاوى على حيّ سكني مكتظّ بالأهالي، فيصير المشهد المحتشد
بالتفاصيل فراغا واسعا مع حفرة عميقة يختفي كلّ ما فوقها. تكرّر هذا المشهد حتى
صار مألوفا واعتياديا في سياق الإبادة الجماعية المديدة في قطاع
غزة على مدار
سنتين كاملتين على الأقلّ (2023-2025)، تلقّت القيادة الإسرائيلية خلالها إسنادا
خارجيا سخيّا بآلة الحرب والدعم السياسي والدعائي، رغم تحذيرات المنظمات الحقوقية
الأبرز واعتراضات الجماهير الهادرة في ميادين العالم. بعد كلّ واقعة من وقائع
القصف الرهيب تلك؛ جرى شَرْح ما جرى من خلال الحصيلة العددية الهائلة للضحايا
والمفقودين، وغالبا ما شكّل الأطفال والنساء معظمهم. إنّ ما اقترفته أدوات القصف
الحديثة مفزع حقّا، وقد خلّفت فراغا واسعا في المواقع المُستهدفة التي تغطِّي
مساحة قطاع غزة بصفة شبه شاملة، وتضمّن ذلك أبعادا متعدِّدة من التدمير
والاستئصال، أو هي أبعاد الإبادة الجماعية المركّبة بالأحرى.
من أجل
استيعاب ذلك ينبغي إعادة تركيب المشهد الذي كان قبل إحدى جولات القصف الموضعي،
فثمة مجتمع محلِّي يقطن حيّا سكنيا ويحتفى بأواصره الاجتماعية على مستوى الأسرة
الممتدّة والأقارب والجيران. عاش في موقع الغارة الجوية أشقّاء مع أُسَرهم
وأطفالهم ومن تبقّى من كبار السنّ في مبنى واحد من عدّة طبقات، فهو المنزل
النموذجي في قطاع غزة الذي تشيِّده أجيال الأسرة طابقا بعد طابق بعد كدّ السنين.
امتدّت وشائج القرابة والصداقة عبر المباني السكنية المجاورة التي اختفت أيضا في
القصف المُدوِّي، أو صارت أنقاضا وجدرانا آيلة للسقوط بعد الغارة.
إبادة
الطفولة الفلسطينية
من أبعاد
هذه الإبادة الجماعية أنها كانت أيضا إبادة للطفولة الفلسطينية، فلا مبالغة في
الاستنتاج بأنّ الإبادة الإسرائيلية بحقّ الشعب الفلسطيني في قطاع غزة تنزّلت على
الطفولة في المقام الأوّل. فمن هم دون الثامنة عشرة يشكِّلون معظم المجتمع
الفلسطيني المحلي، وقد تكرّرت تحذيرات المسؤولين الدوليين والمراقبين الحقوقيين من
أنّ آلة الحرب الإسرائيلية قتلت كلّ يوم ما يعادل فصلا دراسيا من الأطفال على مدار
سنتين. وكانت مرافق رعاية الطفولة وتنشئتها في صدارة ما وقع تدميره أو تعطيل
وظيفته، من قبيل رياض الأطفال والمدارس -بما فيها التي تديرها وكالة
"الأونروا" التابعة للأمم المتحدة- والملاعب والمستشفيات والعيادات،
علاوة على المحاضن المنزلية بالأحرى. وصارت المرافق التعليمية والتربوية المتبقية
منها موئلا للأسر النازحة من القصف بعد تدمير بيوتها.
مثّل
الأطفال الخُدّج أكثر الشرائح العمرية هشاشة خلال الحرب العدوانية، فانقطعت أنفاس
العديد منهم تباعا في حاضنات المستشفيات بسبب قطع الكهرباء والوقود ومنع جيش
الاحتلال عمليات إنقاذهم أو نقلهم إلى مواقع أخرى رغم الاستغاثات المتوالية.
من
الأبعاد الرهيبة في هذه الإبادة أنّه ما من طفل في قطاع غزة إلّا وشاهد بأمّ عينيه
أشلاء ودماء مرّات عدّة، وما يُفاقم الفظاعة الكامنة في هذه الحقيقة أنّ الاحتمال
الأوفر أن تكون هذه المشاهد المرعبة تعود إلى مأساة أقارب وجيران وأصدقاء من حول
الطفل. ثمّة روايات معروفة عن أطفال انتُشلوا من تحت الأنقاض بعد انقضاء ساعات
مديدة عايشوا خلالها انقطاع أنفاس والديهم وأشقائهم تباعا وقنطوا من فرصة النجاة
إلى أن امتدّت إليهم ذراع أخرجتهم بصعوبة بالغة. والواقع أنّ الطفل الناجي من
الإبادة يُقاسي أحمالا معنوية هائلة من واقع فقدانه الأم أو الأب أو بعض الأشقاء
والأجداد والأقارب والرفاق من حوله، وسترافقه بقيّة عمره ذاكرة قتل وحشي مسّت
ببعضهم.
وتتجلّى
إبادة الطفولة الفلسطينية في تقويض الأمان اليومي ونزع الأمل المستقبلي من الكيان
النفسي للطفل وحرمانه من مقوِّمات حياته الأساسية وتمزيق أواصره الاجتماعية ونزْعه
المتكرِّر من البيئة التي أَلِفَها في حركة النزوح الداخلي المستمرّ وفرْض واقع
قهري يُلزِمه بمسارات إذلال جبرية مُنهِكة كلّ يوم للتزوّد بالماء والطعام له
ولأسرته. إنّه طفل قلّصت الإبادة الجماعية التوقّعات العمرية المرسومة له جرّاء
احتمالات الهلاك قتلا أو لغياب الرعاية الصحية الكافية أو بفعل تعرّضه لمواد ضارّة
جسيمة الأثر على صحّته عبر ما يشربه ويأكله ويستنشقه في بيئة موبوءة صحيا. وحُرِم
هذا الطفل مثل غيره في قطاع غزة من أعوام دراسية متعاقبة صارت محذوفة من عمره
التعليمي الذي بقي ثابتا عند نقطة زمنية معيّنة لم يتخطّها، ونزعت منه دفاتره
وكتبه وأدواته وألعابه وحيواناته الأليفة. يُشاهد جنود الاحتلال أحيانا في مقاطع
فيديو ذات طبيعة سيكوباتية وهم يعبثون بألعاب الأطفال وأدواتهم، مثل جندي ظهر في
مقطع ممتطيا صهوة حصان خشبي هزّاز بعدما اقتحم الجيش منزلا فلسطينيا في حي الشيخ
رضوان في غزة في أيلول/ سبتمبر 2025، أو مثل جندي آخر مثّل دور بائع في متجر أدوات
مدرسية وألعاب أطفال في شمال قطاع غزة وقام بتحطيمها بشكل هستيري في مقطع مصوّر في
كانون الأول/ ديسمبر 2023.
إبادة
ثقافية
عاش في
البيوت التي دمّرتها جولات القصف الإسرائيلي مُعلِّمات مدارس وأطبّاء ومهندسون
وأساتذة جامعات وأصحاب متاجر وعمّال مهرة تفتقدهم المدينة أو مخيّمات اللاجئين
الآن، وسيحتاج المجتمع إلى جيل جديد من الكفاءات لإشغال مواقعهم الحرفية والوظيفية
والأكاديمية وتعويض خبراتهم ومهاراتهم بآخرين جدد سيكبرون من بين الأطفال الناجين
من الإبادة. فقدت الجامعات والكلِّيّات في قطاع غزة حشدا غفيرا من أساتذتها
وعلمائها وباحثيها، وبعضهم حاصل على جوائز عالمية علاوة على بحوثهم المنشورة في
المجلات التخصصية. وأن تكون أكاديميا في غزّة فإنّ هذا يرشِّحك للانضمام إلى قائمة
طويلة من الضحايا الذين فتك بهم القصف الإسرائيلي الضاري مع أسرهم في المنازل
المكتظة أو خيام النازحين المتزاحمة، وبعضهم أدرك هذه الحقيقة مسبقا فنَعَى نفسه
تاركا وصيّة لشعبه وعالمه بالاحتفاظ بأمل لا ينطفئ وبإرادة حُرية متأجِّجة، كما
فعل أستاذ الأدب الإنجليزي الشهير الدكتور رفعت العرعير في نصِّه الذي نشره قبل
أيام من القصف الإسرائيلي الذي حوّله أشلاء يوم 6 كانون الأول/ ديسمبر 2023:
"إن وجب الموت عليّ وجبت عليك الحياة لتروي قصّتي.."، وقد تُرجِم النصّ
الشعري إلى عشرات اللغات بعد فاجعة اغتياله.
ومن
ممارسات الإبادة الثقافية تدمير المكتبات الفلسطينية العامّة والخاصّة، وعبَث جنود
الاحتلال الإسرائيلي بمحتوياتها أحيانا كما فعلوا ببعض المكتبات الجامعية الواقعة
غرب مدينة غزة، أو بتفجير عموم المنشآت الجامعية والمعاهد والمؤسسات الثقافية التي
ضمّت مكتبات وأطروحات أكاديمية وأعمالا بحثية ومخطوطات قديمة في أنحاء القطاع، ومن
بين الضحايا أيضا مختصّون بالعناية بها وتصنيفها. ثمّة وجه آخر من الخسائر
الثقافية عرضها أحد الناجين من الإبادة الجماعية، هو الأستاذ الجامعي المُسنّ
الدكتور فايز أبو شمالة، الذي ظهر في مقاطع مرئية له معتذرا لشعراء وأدباء معروفين
لأنه سيضطر بكلّ ألم إلى إحراق أعمالهم الكاملة لتكون وقودا اضطراريا لاحتياجات
الحياة بعد نفاد الحطب والأخشاب المُتاحة.
ومع حضور
كبار السنّ في قائمة الضحايا والمفقودين في المواقع التي استهدفتها الغارات
المتلاحقة خسرت الثقافة الشعبية معارف تقليدية وخبرات موروثة وذاكرة شفوية. ومن
المرجّح أنّ مقتنيات ذات قيمة ثقافية وتاريخية وقانونية فتكت بها جولات القصف إلى
الأبد، مثل أدوات منزلية قديمة وصور بالأبيض والأسود ووثائق ملكية بيوت احتلّتها
القوّات الصهيونية -التي شكّلت الجيش الإسرائيلي النظامي لاحقا- خلال حملة التطهير
العرقي في فلسطين سنة 1948 المسمّاة "النكبة". اختفى هذا كلّه مع أبدان
الأطفال والرُّضّع المحترقة أو المقطّعة؛ الذين هم في معظمهم من أحفاد اللاجئين
الفلسطينيين الذين ظلّوا طامحين إلى عودتهم إلى مدنهم وقراهم التي هُجّروا منها خلال
النكبة.
تخلّلت
الغارات الجوية وعمليات الاجتياح البري التي نفّذها جيش الاحتلال الإسرائيلي وقائع
إبادة ثقافية فتّاكة، ومن شواهدها الظاهرة تدمير المنشآت الأثرية والمعالم
التراثية وتحويل بلدة غزة القديمة إلى أنقاض وسحْق أبرز دور العبادة الأثرية أو
تدميرها كليا أو جزئيا؛ كما جرى مثلا مع الجامع العمري الكبير الذي هو رمز غزة
ومعلمها الأثري الأبرز الذي صار أنقاضا، وكنيسة القديس برفيروس الأرثوذكسية
اليونانية التي استهدفها قصف إسرائيلي يوم 19 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 وأوقع
مجزرة جماعية بحقّ الأهالي المسيحيين والمسلمين الذين احتموا بها. لا ينفصل
الإمعان في استهداف المعالم الأثرية والشواهد الحضارية عن الأيديولوجيا
التاريخانية الإسرائيلية التي لا ترى شعبا فلسطينيا ولا تعترف بهويته وتاريخه، بل
تتمسّك بسرديّة صهيونية تشكّلت في أوروبا القرن التاسع عشر بمزيج من تأثير الحمّى
القومية والاستلهام الاستعماري.
إبادة
الحيوانات والغطاء النباتي
ليس هذا
كلّ ما وقع إفناؤه خلال قصف الأحياء السكنية بأطنان المتفجرات. ففي البيوت التي
هَوَت فوق رؤوس قاطنيها حيوانات أليفة تمزّقت أشلاء، فاختلطت بقايا القطط والطيور بأنقاض
المباني بعد أن ظلّ التوتّر ينتابها في موسم الإبادة الجماعية تحت دويّ القصف الذي
لم ينقطع عن أجواء قطاع غزة. وقد تظهر قطّة صغيرة ذاهلة من بين الركام دون أن تجد
الوجوه التي أَلِفَتْها والأذرُع التي احتضنَتها، وقد تُشاهَد ذوات الأقدام
الأربعة لاحقا وقد ضَمُرت تماما وماتت جوعا في بيئة يحرمها الجيش الإسرائيلي من
دخول الاحتياجات المعيشية الأساسية والإمدادات الإنسانية؛ بينما شاحنات الأمم
المتحدة تبقى عالقة عند المعابر القريبة حتى تَتْلَف محتوياتها التي تُمنَع قسرا
من العبور.
أمّا
الحمار الصبور الذي صار بعد حظر دخول الوقود وسيلة نقل شعبية تجرّ عربة بدائية،
فارتمى قرب الحفرة الضخمة التي أحدثها القصف جرّاء شظايا استقرّت في جسده وتركته
بلا حراك إلى الأبد. انتهت حكايته الاستثنائية مع الأهالي الذين خدمهم بإخلاص على
طرق قطاع غزة التي صارت وَعِرة بعد أعمال القصف والتجريف التي ارتكبها جيش الغزاة.
إنه لم يكن أفضل حالا من ذلك الحصان الذي دخل التاريخ عندما أسرع ليجرّ عربة تحمل
حشود المصابين في القصف الإسرائيلي يوم 18 آذار/ مارس 2025، فما إن اقتربت
"عربة الإسعاف" البدائية المُسرعة من بوابات المستشفى حتى ارتطمت بها
فهوى المُصابون الأطفال والنساء وكبار السنّ ذاهلين على الأرض ولم يتمكّن الحصان
من إكمال المسيرة. تكثّفت تفاصيل المأساة الفلسطينية في ذلك المشهد الفاجع، الذي
بدا في المقاطع المُصوّرة التي حملتها الشاشات وكأنّه استعادة ملوّنة لفلم سريع من
بداية القرن العشرين قبل ظهور سيارات المحرِّكات.
لم تمنح
فواجع الإبادة الجماعية فرصة للتدقيق في كثير من التفاصيل الرهيبة المتزاحمة التي
تخلّلتها، مثل الفتك بحمير وبغال وأحصنة شوهدت نافقة بلا حِراك في الشوارع والطرق
والأطراف التي فرض عليها جيش الاحتلال الإسرائيلي "سيطرة نارية" تمنع
الأهالي من عبورها أو اجتيازها. وما إن أعاد الجيش انتشاره حتى تجلّت مشاهد فاجعة
للعيان، فالحيوانات التي كانت تجرّ العربات وتُساعد الأهالي شوهدت ممدّدة أرضا وقد
اخترق الرصاص أجسادها الضامرة، مع روايات متضافرة عن أنّ الجنود كانوا يتسلّون
أحيانا بقنْصها من بعيد لتسقط واحدة تلو الأخرى بلا رحمة ولعلّ بعضها مات ببُطء
بتأثير جراحها وجوعها ومنع إسعافها. ومن المشاهد المألوفة في سياق الإبادة
الجماعية، وبعضها موثّق بالتصوير، أن تنهش كلاب جائعة أجساد البشر والحيوانات التي
فتكت بها النيران الإسرائيلية وتركتها مُلقاة بلا إسعاف أو انتشال على قارعة
الطريق في شمال قطاع غزة وأطرافه، حيث اعتاد الجيش إطلاق النار على كلّ كائن يقترب
من المكان.
وعلى نحو
أكثر تركيزا مضت الإبادة الجماعية للحيوانات في قطاع غزة باستهداف حظائر المواشي
والدواجن بأعمال القصف التي فتك ببعضها جماعيا في الأسابيع الأولى من الحرب (خريف
2023)، وكانت المشاهد المصوّرة من داخلها بعد تلك المذابح مأساوية بحقّ. ومِن
المرجّح أيضا أنّ أعدادا أخرى منها تُركت تموت جوعا وعطشا بسبب منْع جيش الاحتلال
وصول العاملين إلى المزارع الحيوانية وقطع المياه والأعلاف عنها، بمقتضى الحصار
الخانق الذي أعلن عنه وزير الحرب الإسرائيلي يوآف غالانت يوم 9 تشرين الأول/ أكتوبر
2023 علنا أمام الشاشات وأنّه يشمل قطع الماء والغذاء والدواء والكهرباء والوقود
"وكلّ شيء".
ومن حول
هذه الحظائر المُبادَة اختفى الغطاء النباتي من قطاع غزة تقريبا، الذي تركّز معظمه
في الأراضي الشمالية والشرقية والوسطى منه التي كانت سلّة غذاء أساسية لأكثر من
مليوني إنسان في القطاع المُحاصر، خاصة في منتجات الخضار والفاكهة ومنها البرتقال
الذي اشتهرت به غزة، علاوة على بعض المنتجات التي كانت تُجهّز للتصدير في حالة تخفيف
قبضة الحصار الذي تفرضه سلطات الاحتلال على المعابر؛ مثل الفراولة والورود وطماطم
الشيري.
الإبادة
البيئية
بصفة
تلازمت مع التدمير الشامل وإبادة الغلاف النباتي حوّلت السياسات والممارسات
الإسرائيلية المنهجية قطاع غزة إلى بيئة غارقة في التلوّث المركّب والمواد الضارّة
بالصحّة العامّة. فمع تشديد الحصار الخانق وقطع الكهرباء والوقود وغاز الطهي ما
عاد يكفي الاعتماد على الحطب والأخشاب ضمن الطرق البدائية المتبقية لاحتياجات تجهيز
الخُبْز والطهي، فلجأ الأهالي المضطّرون في كفاحهم لأجل البقاء إلى استعمال أيّ
موادّ أخرى قابلة للاشتعال مثل قطع البلاستيك والمواد المتسبِّبة بانبعاثات ضارّة
على صحّتهم وبيئتهم فصارت هذه الممارسة الخطيرة تلازمهم على مدار سنتين وأكثر في
تجمّعات الخيام المكتظة بالنازحين داخليا. وما فاقم الموقف أنّ السياسة التي
اعتمدتها القيادة الإسرائيلية في قطع الكهرباء والوقود وتدمير المنشآت المدنية في
أنحاء قطاع غزة عطّلت نظام الصرف الصحي وأوقفت معالجة النفايات والمياه العادمة،
فأوجدت بِرَكا موبوءة بالتلوّث والحشرات والزواحف التي لم تكن معهودة في البيئة
المحلية من قبل، ولابدّ أن تكون مُحاطَة بأكوام متراكمة من نفايات صلبة لا مجال
لنقلها أو معالجتها بطُرُق آمنة. يُحيط مشهد الإبادة البيئية الكارثي المُتكرِّر
بخيام مكتظة بأطفال ورُضّع وأمّهات ومرضى وكبار سنّ وذوي احتياجات خاصّة دمّر جيش
الاحتلال منازلهم وطمس أحياءهم السكنية من الوجود. ويبدو أنّ غزة هي المدينة
الوحيدة في العالم التي تحوّل مركزها التجاري القديم المسمّى سوق فراس إلى مكبّ
نفايات ضخم للغاية، بلغ حجمه حسب بيانات الأمم المتحدة 300 ألف متر مكعب ووصل
ارتفاعه إلى 13 مترا في شباط/ فبراير 2026.
شنّت
القيادة الإسرائيلية عبر هذا الواقع المُزري حربا وبائية غير ملحوظة على قطاع غزة
بكلّ ما فيه من بشر وكائنات ومكوِّنات طبيعية بما فيها التراب والهواء والمياه
الجوفية والساحل البحري. تسلّلت مواد سُميّة وضارّة بالبيئة إلى أعماق التربة
والمياه الجوفية بسبب واقع التلوّث المتراكم وأيضا جرّاء مكوّنات معيّنة اشتملت عليها
الذخائر الحربية الإسرائيلية. وصار الساحل البحري موئلا لتدفّقات مياه عادمة غير
مُعالَجة ألحقت أضرارا بالبيئة البحرية وبتنوّعها الحيوي، ويُرجّح أنّ السموم
والموادّ الضارّة المتسلِّلة إلى الأسماك تجد طريقها أوّلا بأوّل إلى أمعاء
الأهالي جراء ما هو مُتاح من عمليات صيْد سمكي محدود مع تعطّل عمل هيئات الرقابة
الغذائية والصحية الفلسطينية التي كانت تعمل بنشاط في الأسواق من قبل.
"إبادة الأموات"!
ثمّ إنّ
الإبادة الجماعية في قطاع غزة تميّزت عن الخبرات المرصودة في التجارب البشرية
بمسار إضافي غير متوقّع، هو إبادة الأموات. وَضَع جيش الاحتلال تقليدا جديدا في
إدارة الحرب واقتراف الفظائع، تمثّل في مطاردة الفلسطينيين في مقابرهم أيضا من
خلال أساليب متعدِّدة، مثل تجريفها جماعيا، أو انتزاع الرُّفات من المقابر وحمْلها
إلى مرافق إسرائيلية وإجراء فحوص الحمض النووي على بعضها وقد يقع تسليم بعضها
لاحقا في مئات الأكياس التي تحملها شاحنات صَدِئة لأجل دفنها جماعيا في أخاديد
ضخمة، في مشاهد مُروِّعة تُعيد إلى الأذهان بعض فظائع الحرب العالمية الثانية.
تُوْحي سياسة "إبادة الأموات"، بما فيها تجريف المقابر واقتلاع الرُّفات
من المدافن، بموقف مُشبّع بفوقية عنصرية لا تكترث بمَوْتى الآخرين بينما تحرص على
إظهار أعلى درجات التوقير لحرمة الأموات والعناية برفاتهم؛ فقط إن كانوا من مجتمع
الاحتلال والاستيطان. وممّا يعبِّر عن هذه النزعة بوضوح، مشاهد مألوفة وثّقت عبور
الدبابات والجرافات والعربات العسكرية فوْق أبدان فلسطينيين وسحقها بشكل متكرِّر
بعد أن قتلهم رصاص الجيش الإسرائيلي.
إنّ
الإبادة الجماعية التي اقترفتها القيادة الإسرائيلية في قطاع غزة عبر الجيش
والحكومة وسياسات التطهير العرقي المُعتمدة، هي في واقعها إبادة مركّبة من إبادات
متعدِّدة ومتضافرة في تأثيراتها الكارثية والمأساوية الرهيبة، ولا يكاد يسلم منها
مجال من المجالات الإنسانية والمدنية والثقافية والإيكولوجية. مورست هذه الإبادة
المركّبة بضراوة شديدة وبمنهجية دؤوبة عبر مراحل متلاحقة، لتفرض التدمير الشامل
والنزوح الغفير والتجويع الرهيب وتمزيق البُنى المجتمعية القائمة على أواصر الأسرة
والقرابة والجيرة والعمل المشترك. كما جرى استهداف المنظومة القيمية للشعب عبر سياسات
الإذلال المتبعة التي تفرض على الأهالي التزاحم الشديد يوميا لمحاولة الحصول على
الماء وقليل من الطعام إنْ توفّر. جاءت هذه الأهوال جميعا مشفوعة بإبادة صحية شملت
تدمير المستشفيات والمرافق الطبية ومنع المقوِّمات العلاجية واستهداف الموارد
البشرية التخصصية العاملة في هذا الحقل بالقتل، وأحيانا بالاختطاف مثل الدكتور
حسام أبو صفية الذي اختطفه جيش الاحتلال على مرأى من العالم يوم 27 كانون الأول/ ديسمبر
2024 عقابا له على مرابطته لخدمة الأهالي المُحاصرين في مستشفى كمال عدوان الذي
يُديره.
محفِّزات
أيديولوجية
ينبغي
الإقرار بأنّ لهذه الإبادة المركّبة محفِّزات أيديولوجية ومقدِّمات ذرائعية، وبأنّ
لها سرديّات عزّزتها من قبيل اقتباسات انتقائية من النصوص المقدّسة من أجل
استلهامها في ميدان قطاع غزة، على نحو ما ذكره بنيامين نتنياهو وعدد من وزراء
حكومته في إطلالات وتصريحات، مثل وقائع الإبادة الجماعية في حكاية العماليق.
لم يبدأ
الأمر مع نتنياهو على أيّ حال، فالدولة التي يقودها نشأت على أنقاض فلسطين واقترفت
قوّاتها المسلّحة وقت تأسيسها حملة تطهير عرقي وثّقتها دراسات تاريخية شهيرة،
وظلّت فكرة القضاء الشامل على هذا القطعة من فلسطين تراود قادة إسرائيليين كما
عبّر عن ذلك إسحق رابين رئيس الوزراء الأسبق في أمنيته بأن تغرق غزة في البحر، كما
قال في تصريحه الشهير (2 أيلول/ سبتمبر 1992). استأنفت القيادة الإسرائيلية خبرتها
بعد ثلاثة أرباع قرن تحديدا من نكبة 1948، فأعلن وزير الزراعة الليكودي المخضرم
آفي ديختر أنّ "هذه نكبة غزة 2023" كما قال في حديثه للقناة 12
الإسرائيلية يوم 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 2023. جاءت هذه النكبة الأخيرة بضراوة
أشدّ من سابقتها، متسلِّحة بقدرات عسكرية لم تحظَ بها في منتصف القرن العشرين،
ومنها تلك الأطنان من القذائف المتطورة التي ألقت بها على ذلك الحيّ السكني
فأبادته في لحظة، كما فعلت في معظم الأحياء الأخرى التي تبدو الآن في المَشاهد
الجوية شاحبة على امتداد خريطة القطاع، وفي كلّ منها تفاصيل رهيبة من إبادة مركّبة
متعدِّدة الأبعاد.
(*)
ترجمة خاصة إلى العربية عن "ميدل إيست آي"