الاحتلال يوسع سيطرته العسكرية في 3 دول عربية ويعيد رسم "الحدود الأمنية"

طوّر الاحتلال الإسرائيلي خلال هذه المرحلة ما يعرف بـ"المناطق العازلة" - جيتي
وسع الاحتلال الإسرائيلي نطاق سيطرته العسكرية بشكل غير مسبوق منذ هجمات السابع من تشرين الأول / أكتوبر 2023، لتشمل مئات الأميال المربعة في أكثر من دولة بالمنطقة، في إطار سياسة تعتمد على إنشاء ما يُعرف بـ"المناطق العازلة" كخطوط أمنية متقدمة.

أفادت صحيفة التلغراف، في تقرير أعدّه مراسلها في القدس هنري بودكين، بأن إسرائيل وسّعت نطاق الأراضي التي تسيطر عليها بنحو 530 ميلاً مربعاً منذ هجمات السابع من تشرين الأول / أكتوبر 2023، في تطور أعاد فتح الجدل حول حدود التحركات العسكرية الإسرائيلية ومشروعية هذا التوسع، مع تصاعد مقارنات تاريخية مرتبطة بطبيعة الاحتلالات السابقة في المنطقة.

وأشارت الصحيفة إلى أنه بعد مرور نحو ثلاثين شهراً على تلك الهجمات، توسعت العمليات العسكرية الإسرائيلية لتشمل توغلات عميقة داخل قطاع غزة، إلى جانب فرض سيطرة على أراضٍ داخل دولتين مستقلتين، في سياق عمليات ميدانية متزامنة على أكثر من جبهة.

وفي لبنان، أكدت التلغراف أن القوات الإسرائيلية اجتاحت مناطق في آذار / مارس الماضي، وذلك رداً على هجمات شنها حزب الله باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، ما أسفر عن سيطرة إسرائيل على شريط أرضي متصل يمتد لمسافة تصل إلى 130 ميلاً، يبدأ من البحر الأبيض المتوسط ويمتد عبر مناطق جنوبية وصولاً إلى الجانب السوري من جبل الشيخ، ثم إلى نقاط قريبة من الحدود الأردنية.




ووفقاً للتقرير، فقد طوّر الاحتلال الإسرائيلي خلال هذه المرحلة ما يُعرف بـ”المناطق العازلة”، وهي مساحات أمنية تعتبرها تل أبيب "معقمة" وتقع خارج حدودها المعترف بها دولياً، وتُستخدم كخطوط دفاعية متقدمة تهدف إلى منع أي تهديدات محتملة قبل وصولها إلى العمق الإسرائيلي.

ونقلت الصحيفة عن منتقدين لهذه السياسة قولهم إن هذا التوسع الكبير يعكس، بحسب رأيهم، توجهاً إسرائيلياً نحو تكريس واقع جغرافي جديد على الأرض، معتبرين أنه يرتبط برؤية أيديولوجية أوسع تقوم على فكرة "إسرائيل الكبرى"، الأمر الذي يثير مخاوف من دفع المنطقة نحو صراع طويل الأمد.
في المقابل، عرض التقرير الموقف الإسرائيلي الذي يرى أن هذه الإجراءات تأتي في إطار الرد على تهديدات أمنية متصاعدة، وأن إنشاء مناطق عازلة يمثل ضرورة استراتيجية لحماية المدنيين الإسرائيليين ومنع تكرار هجمات مماثلة لتلك التي وقعت في السابع من أكتوبر.

وأوضحت التلغراف أن لكل منطقة من هذه المناطق طبيعتها الخاصة من حيث التركيبة السكانية والدينية والتاريخية، إلا أن هناك سمات مشتركة بينها، أبرزها النزوح الجماعي للسكان والتدمير الواسع للممتلكات والبنية التحتية، خاصة في جنوب لبنان وقطاع غزة، حيث تغير المشهد الديموغرافي بشكل كبير خلال العمليات العسكرية.

وفيما يتعلق بلبنان، أشارت الصحيفة إلى أن عمليات الجرافات العسكرية الإسرائيلية في القرى الواقعة جنوب نهر الليطاني ترافقت مع تصريحات لوزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الذي وصف ما يجري بأنه “استنساخ لغزة”، في إشارة إلى تشابه الأساليب الميدانية بين الجبهتين.

وأضاف التقرير أن إسرائيل تضع شرطاً أساسياً لأي انسحاب مستقبلي من تلك المناطق، يتمثل في نزع سلاح الجماعات المسلحة مثل حزب الله في لبنان وحركة حماس في غزة، وهو شرط ترى تل أبيب أنه غير مرجح التحقيق في المدى القريب، ما يجعل هذه المناطق في حالة عسكرية مفتوحة.
أما في سوريا، فقد أوضحت التلغراف أن التطورات جاءت عقب انهيار نظام الرئيس السابق بشار الأسد في كانون الأول / ديسمبر 2024، وسيطرة الجهادي السابق أحمد الشرع على السلطة، حيث بررت إسرائيل تحركاتها العسكرية بوجود ما وصفته بخلل في التزام دمشق بإبعاد العناصر المعادية عن حدودها، رغم عدم وجود تهديد مباشر وشيك.

وبحسب التقرير، تشمل المناطق التي سيطر عليها الجيش الإسرائيلي في سوريا تجمعات سكانية من المسلمين والدروز، وهي طائفة عربية غير مسلمة، وتشير إسرائيل إلى أنها تلتزم بحمايتها في بعض الحالات، في إطار اعتبارات أمنية وسياسية معقدة.

ونقلت الصحيفة عن الرئيس السوري أحمد الشرع قوله إنه يسعى إلى تحقيق السلام مع إسرائيل، مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي دخلتها، في تحول اعتبره التقرير لافتاً في الموقف السوري الرسمي، رغم استمرار الشكوك الإسرائيلية تجاهه.

وفي المقابل، قال مسؤولون إسرائيليون إن الشرع لا يمكن الوثوق به، واصفين إياه بأنه “إرهابي يرتدي بدلة”، على حد تعبير التقرير، مع الإشارة إلى عدم قدرته على فرض سيطرة كاملة على الأراضي السورية، واستشهادهم بما وصفوه باضطهاد بعض الأقليات مثل الدروز.

وقال البروفيسور كوبي مايكل، الخبير في معهد الدراسات الأمنية القومية الإسرائيلي، إن سياسة المناطق العازلة لا تُعد خياراً سياسياً تقليدياً، بل تمثل “استراتيجية أمنية” تهدف إلى إبعاد التهديدات عن الحدود ومنع استخدامها كنقاط انطلاق لهجمات مستقبلية ضد إسرائيل.

وأضاف أن الهدف من هذه السياسة يتمثل في السيطرة على البيئة الأمنية المحيطة، ومنع أي جماعات مسلحة من إعادة التموضع قرب الحدود الإسرائيلية، مشيراً إلى أن هذا النهج بات أكثر أهمية في ظل التحديات الحالية في الإقليم.

وفي سياق متصل، لفت التقرير إلى وجود انقسام داخل إسرائيل بين الرؤية الأمنية البحتة وتوجهات أيديولوجية أوسع داخل بعض أجنحة الحكومة، حيث يدفع وزير المالية بتسلئيل سموتريتش باتجاه توسيع الحدود الإسرائيلية لتشمل مناطق في لبنان وسوريا وقطاع غزة، مستخدماً أحياناً مصطلح "إسرائيل الكبرى".




وأوضح التقرير أن هذا المصطلح يعود إلى نقاشات قديمة داخل الفكر الصهيوني، ويشير إلى تصورات مختلفة لنطاق الدولة اليهودية، تبدأ من الحدود المعترف بها دولياً منذ عام 1949، وتمتد في بعض الطروحات لتشمل الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية، بينما يذهب آخرون إلى نطاقات جغرافية أوسع بكثير.

وأشار التقرير إلى أن بعض التيارات ترى أن "إسرائيل الكبرى" قد تمتد نظرياً من نهر النيل إلى نهر الفرات، وهو طرح يظل محل جدل سياسي وديني داخل إسرائيل وخارجها.

كما نقلت التلغراف عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تصريحات سابقة وصف فيها نفسه بأنه في "مهمة تاريخية وروحية"، مرتبطة برؤية "أرض الميعاد" و"إسرائيل الكبرى"، في خطاب أثار تبايناً واسعاً في التفسيرات بين مؤيدين ومعارضين.

وفي المقابل، يرى محللون أن مركز الثقل الحقيقي في صنع القرار الإسرائيلي ما يزال بيد المؤسسة الأمنية والعسكرية، التي تركز على اعتبارات الردع والسيطرة الميدانية، أكثر من التوجهات الأيديولوجية.

وقال ناثان براون، الباحث في شؤون الشرق الأوسط، إن إسرائيل شهدت تحولاً في التفكير الأمني بعد هجمات السابع من أكتوبر، حيث تراجع الاعتماد على الردع التقليدي لصالح تبني سياسة تقوم على العمليات الاستباقية والسيطرة المباشرة على الأرض.
وأضاف أن العديد من المراقبين في البداية اعتبروا هذا الخطاب انعكاساً لحالة صدمة، لكنه بات مع الوقت جزءاً من بنية القرار الأمني، وليس مجرد رد فعل مؤقت.

وأشار التقرير إلى أن هذا التحول يُعد امتداداً لتاريخ طويل من استخدام إسرائيل لفكرة المناطق العازلة، خاصة في سيناء وجنوب لبنان خلال فترات سابقة، غير أن الفارق في المرحلة الحالية يتمثل في الجمع بين السيطرة العسكرية المباشرة وعمليات إعادة تشكيل ديموغرافي للمناطق.

وأوضح أن الأمم المتحدة تقدر عدد النازحين داخلياً في لبنان بنحو 1.3 مليون شخص، في حين تم تقييد وجود السكان في بعض القرى الجنوبية الواقعة قرب نهر الليطاني.

وفي غزة، ذكر التقرير أن نحو مليوني فلسطيني يتركزون حالياً في مناطق حضرية ضيقة في الجزء الغربي من القطاع، في ظل سيطرة عسكرية متغيرة على أجزاء واسعة من الأرض، حيث تشير تقديرات إلى أن إسرائيل باتت تسيطر على نحو ثلثي القطاع مقارنة بما كان منصوصاً عليه في خطط سابقة.

كما أشار التقرير إلى أن بعض المبادرات الدولية، بما في ذلك خطط أمريكية، تحدثت عن إعادة إعمار غزة في المستقبل، إلا أن هذه الخطط لا تزال تصطدم بواقع ميداني معقد، واستمرار الانقسام حول مستقبل الحركة المسلحة هناك.

ونقلت التلغراف عن محللين أن الانسحاب من المناطق العازلة في لبنان وغزة يرتبط بشكل مباشر بشرط نزع سلاح حزب الله وحماس، وهو ما يعتبره مراقبون أمراً غير قابل للتحقق في الوقت الحالي، ما يجعل هذه المناطق مرشحة للبقاء تحت السيطرة العسكرية لفترة طويلة.

وفي ختام التقرير، أكدت الصحيفة أن الجدل حول المناطق العازلة لا يقتصر على الجانب الأمني فقط، بل يمتد إلى أبعاد أيديولوجية وسياسية وديموغرافية، في ظل تداخل رؤى تعتبر الأمن القومي أولوية مطلقة، مع أخرى ترى في التوسع الجغرافي جزءاً من مشروع أوسع لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية في المنطقة.