السعودية تعيد تغيير طرق التجارة العالمية.. هذا بديل مضيق هرمز

ميناء نيوم يدخل المعادلة الاقتصادية وسط توترات الملاحة في الخليج - واس
تسعى السعودية إلى تعزيز دور ميناء نيوم على ساحل البحر الأحمر، ضمن خطة أوسع لإعادة توجيه مسارات التجارة بعيدًا عن مضيق هرمز، في ظل التوترات الإقليمية المتزايدة التي ألقت بظلالها على حركة الملاحة في الخليج.

وأشارت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، في تقرير موسّع، إلى أن المملكة العربية السعودية تعمل على الترويج لدور جديد لميناء نيوم الواقع على ساحل البحر الأحمر، في إطار توجه استراتيجي أوسع يهدف إلى تحويله إلى مركز لوجستي يربط منطقة الخليج بأوروبا وأفريقيا، وذلك في ظل تصاعد التوترات المرتبطة بمضيق هرمز وما يرافقها من اضطرابات في حركة الملاحة والتجارة البحرية في الخليج.

وأوضحت الصحيفة أن مشروع "نيوم" الذي أطلقه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ضمن خطة تنموية ضخمة، كان قد تضمن في بدايته تصورًا طموحًا لبناء مدينة مستقبلية خطية في قلب الصحراء، إلا أن المشروع شهد لاحقًا تقليصًا كبيرًا في نطاقه نتيجة ارتفاع التكاليف وتزايد الضغوط المالية والتشغيلية.

وأضافت "فايننشال تايمز" أن ميناء نيوم، رغم أنه لا يتمتع بنفس الطابع البصري أو الرمزي للمشاريع الكبرى داخل المخطط الأصلي، أصبح يُعاد تقديمه بوصفه عنصرًا عمليًا ضمن شبكة البنية التحتية السعودية، التي تسعى لتعزيز قدرتها على مواجهة أي اضطرابات في مسارات التجارة التقليدية القادمة من الخليج.

وتابعت الصحيفة أن هذا التحول يأتي في سياق تداعيات التوترات الإقليمية المرتبطة بإيران، والتي أثرت على حركة الشحن في مضيق هرمز، ما دفع السعودية ودولًا خليجية أخرى إلى تقليل اعتمادها على هذا الممر البحري الحيوي، والاتجاه نحو تطوير موانئ البحر الأحمر كبدائل استراتيجية أكثر أمانًا واستقرارًا.

وأشارت "فايننشال تايمز" إلى أن إدارة مشروع نيوم روجت عبر منصات التواصل الاجتماعي لفكرة أن الميناء بات “بوابة رئيسية للتجارة الحديثة”، موضحة أنه يتمتع بموقع استراتيجي على البحر الأحمر ويعمل بكامل طاقته التشغيلية، ويسهم في تسهيل حركة التجارة وربطها بشكل أسرع وأكثر كفاءة مع الأسواق العالمية.

وأضافت الصحيفة أن بيانات النشاط داخل الميناء ما تزال محدودة من حيث الشفافية التفصيلية، رغم الإشارة إلى أنه استقبل خلال عام 2024 نحو 2.2 مليون طن من البضائع، وهو ما يمثل نسبة محدودة من إجمالي واردات المملكة، إلا أن صور الأقمار الصناعية أظهرت مستويات ملحوظة من النشاط التشغيلي، مع وجود شاحنات وبنية تحتية مكتملة جزئيًا ورافعات تشغيلية على الأرصفة.

كما نقلت "فايننشال تايمز" عن دبلوماسي غربي قوله إن ثقل الاقتصاد السعودي بدأ يتحول تدريجيًا نحو الساحل الغربي، مشيرًا إلى أن المملكة، رغم تأثرها الأقل نسبيًا مقارنة ببعض دول الخليج الأخرى خلال فترات التوتر، تعمل على إعادة توزيع مراكزها الاقتصادية بعيدًا عن مناطق المخاطر في الشرق.

وتابعت الصحيفة أن السعودية استفادت أيضًا من خط أنابيب النفط الممتد إلى البحر الأحمر، والذي أُنشئ خلال الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات، حيث ساعد هذا الخط في نقل جزء كبير من الصادرات النفطية إلى ميناء ينبع، ما وفر بديلًا جزئيًا عن الاعتماد الكامل على موانئ الخليج، خاصة في ظل التهديدات المتكررة للملاحة في مضيق هرمز.

وأشارت "فايننشال تايمز" إلى أن صادرات ميناء ينبع شهدت ارتفاعًا ملحوظًا منذ بداية التوترات الأخيرة، في وقت يبقى فيه الميناء وخط الأنابيب أقل عرضة للهجمات مقارنة بمنشآت الشرق مثل رأس تنورة، رغم تسجيل بعض الاستهدافات المحدودة.

وتابعت أن هذا التحول نحو البحر الأحمر لا يخلو من تحديات، أبرزها ضعف البنية التحتية في غرب المملكة، وغياب شبكة سكك حديدية مباشرة تربط الموانئ الكبرى بالمناطق الداخلية، إضافة إلى محدودية الطاقة الاستيعابية لبعض الموانئ مقارنة بحجم الطموحات الاقتصادية.

كما لفتت الصحيفة إلى أن خطط إنشاء "الجسر البري" الذي يربط الرياض بجدة بطول يقارب 1500 كيلومتر، ما زالت تواجه تأخيرات متكررة، مع توقعات بامتداد الجدول الزمني لإنجازه إلى عام 2034، رغم كونه عنصرًا أساسيًا في استراتيجية الربط اللوجستي.

وأضافت "فايننشال تايمز" أن السلطات السعودية أطلقت مؤخرًا ممرات لوجستية جديدة تربط موانئ الخليج بالبحر الأحمر، إلا أن معظمها يعتمد على شبكات طرق قائمة بالفعل لنقل البضائع إلى السكك الحديدية والموانئ.

وأشارت الصحيفة إلى أن ميناء جدة الإسلامي لا يزال الأكبر في المملكة من حيث الطاقة الاستيعابية، حيث يتعامل مع أكثر من ربع إجمالي الواردات، في وقت يجري فيه تنفيذ توسعة بقيمة 800 مليون دولار بالتعاون مع شركة "دي بي ورلد" لرفع قدرته التشغيلية بنحو الثلث.

واختتمت "فايننشال تايمز" تقريرها بالتأكيد على أن السعودية، رغم محاولاتها المتكررة لتطوير ساحل البحر الأحمر اقتصاديًا منذ عقود، ما زالت تواجه تحديات في تحويل هذه المشاريع إلى مراكز اقتصادية مكتملة، إلا أن مشروع نيوم ومينائه باتا يمثلان اليوم جزءًا من التحول الأوسع في الاستراتيجية الاقتصادية للمملكة نحو تنويع طرق التجارة وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز كممر رئيسي للطاقة والتجارة العالمية.