مقال في "واشنطن بوست": لماذا يشيد المؤثرون اليمينيون فجأة بالإسلام؟

ذكر الكاتب أن هذا التحول لا يقتصر على تبدل في الخطاب بل يعكس إعادة تموضع فكري داخل بعض أوساط اليمين الأمريكي- الأناضول
منذ هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، درج معلقون في اليمين الأمريكي على تصوير الإسلام باعتباره "تهديدًا للحريات الغربية"، لكن في عالم البودكاستات المناهضة للمؤسسة، يجري تطور جديد. ففي الأشهر الأخيرة، قرأت كانديس أوينز من القرآن، وانتقد نيك فوينتس المشاعر المعادية للمسلمين، فيما أشاد تاكر كارلسون بالشريعة، ما كان يُنظر إليه سابقًا كخطر بات يُقدَّم بصورة متزايدة كحليف.

ويرى ماثيو شميتز، محرر شؤون الدين في قسم الآراء بصحيفة "واشنطن بوست" ورئيس تحرير مجلة “كومباكت”، أن هذا التحول لا يقتصر على تبدل في الخطاب، بل يعكس إعادة تموضع فكري داخل بعض أوساط اليمين الأمريكي. وبحسب شميتز، فإن الإعجاب لدى بعض هذه الشخصيات يتجاوز حدود الجدل الثقافي ليصل إلى حدّ التحول الديني أو استلهام الإسلام كنموذج مضاد لليبرالية الغربية.

بالنسبة إلى بعض هذه الشخصيات، يقود الإعجاب إلى اعتناق الإسلام. فقد نطق أندرو تايت، المؤثر المعروف بخطابه الذكوري، وسنيكو، المذيع اليميني، بالشهادتين، معتبرين أن الدين يمثل ترياقًا لما يصفانه بانحلال الغرب. آخرون لا يسعون إلى التحول الديني بقدر ما يرون في الإسلام نموذجًا لما يمكن أن يحققه المسيحيون إذا تخلوا عن “عبء الليبرالية”. هكذا، يودع البعض مفهوم “الحضارة اليهودية-المسيحية”، ويرحبون بما يمكن تسميته “اليمين الإسلامو-مسيحي”.

ظهر مصطلح “اليهودية-المسيحية” في ثلاثينيات القرن الماضي لوصف رؤية تعددية للمجتمع الغربي، حيث تسهم الكاثوليكية واليهودية بقدر مساهمة البروتستانتية، في إطار دفاع مشترك عن الحرية والديمقراطية. أما اليمين “الإسلامو-مسيحي” فيبدي شكوكًا تجاه التعددية، وينتقد السياسة الخارجية الأمريكية، ويستخف بمحاولات الليبراليين تعزيز التفاهم بين الأديان، فينتقد الإسلام في جوانب ويشيد به في جوانب أخرى.

يُعد كارلسون أبرز ممثلي هذا الاتجاه، إذ يرى أن الغرب يعاني ما يسميه “انتحارًا أبيض” نتيجة فقدان الثقة الحضارية، وما يتبعه من اضطراب وتراجع في معدلات المواليد، في حين أن منطقة الخليج ذات الأغلبية المسلمة ما زالت “تؤمن بدينها وثقافتها”، بحسب تعبيره.

ويحتفي بعض أنصار هذا التيار بأنماط العلاقات الاجتماعية في المجتمعات المسلمة. فشبان قيل لهم إن “المستقبل للنساء” يرون في النظام الأبوي بديلًا جذابًا. بل إن بعضهم، على حد تعبير فوينتس، يرغب “في أن يكون مسلمًا ويتزوج أكثر من امرأة”. وحتى إن لم يتحقق ذلك، فإنهم يجدون في مؤثرين مسلمين مثل تايت خطابًا دائمًا عن تمكين الرجال، وهو ما يزعم فوينتس أن المسيحية المعاصرة لا توفره بالقدر نفسه.

كما يُشاد بالإسلام في أوساط يمينية بوصفه ثقلًا اجتماعيًا محافظًا في مواجهة ما يوصف بالرأسمالية الاستغلالية وأخطاء السياسة الخارجية الأمريكية. وقد صرّح المفكر الروسي المناهض لليبرالية ألكسندر دوغين بأن “الشريعة يجب أن تتغلب على الرأسمالية”، معربًا عن أمله في انضمام المسلمين إلى معركة عالمية ضد “النخبة العولمية”. ودعا فوينتس بدوره دولًا مسلمة إلى مقاومة السياسة الأمريكية، معتبرًا أن “أمريكا مقر الإمبراطورية الليبرالية التي تسيطر على العالم”.

في روايته “الخضوع” (2015)، تنبأ ميشيل ويلبيك بإمكانية التقاء معارضي الليبرالية مع المسلمين. فـ”في كل قضية جوهرية، كان القوميون والمسلمون على اتفاق تام”، كما يرد على لسان الراوي، سواء في رفض الإلحاد والإنسانية أو في الدعوة إلى عودة النظام الأبوي. غير أن دقة صورة الإسلام لدى اليمين “الإسلامو-مسيحي” ليست جوهر المسألة بالنسبة إلى أنصاره؛ فهم لا ينخرطون في دراسة مقارنة للأديان بقدر ما يتخيلون بديلًا للحداثة الليبرالية.

ومع ذلك، تخضع هذه الرؤية لاختبارات الواقع. فالدول العربية، رغم ما يُقال عن ثقتها الحضارية، تشهد تراجعًا في معدلات المواليد على غرار أوروبا. كما أن المسلمين في الولايات المتحدة يميلون في بعض القضايا الاجتماعية إلى مواقف أكثر ليبرالية من الإنجيليين.

ورغم ما يوصف بإرهاق الغرب، فإنه ما زال يمتلك قدرة على دفع خصومه إلى التكيف. فحتى شخصيات ذات خلفيات متشددة وجدت نفسها مضطرة لإعادة التموضع ضمن النظام الدولي القائم. وفي مشهد رمزي، بدا أن الثقافة الغربية، بأدواتها الناعمة، لا تزال قادرة على فرض حضورها.

وفي النهاية، يخلص شميتز إلى أن الجدل الدائر لا يتعلق فقط بالإسلام أو المسيحية، بل بصراع أوسع حول هوية الحداثة وحدود الليبرالية ومستقبل النظام الغربي نفسه.