فريدمان: هل يمتلك ترامب أوراق رابحة بعدما أعادت إيران تعريف القوة العالمية؟

حذّر فريدمان من أن المرحلة المقبلة قد تكون أكثر خطورة مع دخول الذكاء الاصطناعي على خط الصراع- جيتي
لطالما استعان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعبارة "لعبة البوكر" لما في القمار من إشارة للربح والخسارة عند حديثه عن مفهوم القوة في الجغرافيا السياسية المعاصرة، ومن الأمثلة على ذلك قوله إن "الرئيس الأوكراني زيلينسكي لا يملك أي أوراق رابحة في مواجهة روسيا".

الكاتب الأمريكي، توماس فريدمان، قال إن الحرب مع إيران تكشف كيف باتت القوى الأصغر قادرة على إرباك الجيوش والاقتصادات الكبرى عبر أدوات منخفضة الكلفة مثل الطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية والسيطرة على نقاط الاختناق الاستراتيجية، وعلى رأسها مضيق هرمز.

ووفقاً لمقال نشرته صحيفة "نيويورك تايمز"، تساءل فريدمان قائلاً: "هل يمكن لأحد أن يخبرني متى ستكون ليلة البوكر في البيت الأبيض في عهد ترامب؟ لأنني أرغب حقاً في الحصول على مقعد على تلك الطاولة".

وأضاف: "يراهن ترامب على أنه من خلال فرض حصار على إيران لمنعها من تصدير نفطها، سيتمكن من إجبار طهران على التفاوض بشروطه. لكن بعض الخبراء يعتقدون أن إيران لديها دخل كافٍ وقدرة على تخزين كميات كافية من النفط تكفيها للصمود لعدة أشهر على الأقل".

في المقابل، تراهن إيران على أنه من خلال خنق مضيق هرمز - ورفع أسعار البنزين والمواد الغذائية للأمريكيين وجميع حلفائهم - سيتصرف ترامب في النهاية وفقاً لوصفه بـ"الجبن"، والسبب أن الرئيس عُرِف كثيراً بـ"التراجع".

ويتساءل الكاتب: "كيف تمكنت إيران من الصمود حتى الآن أمام القوة العسكرية المشتركة للولايات المتحدة وإسرائيل؟"، ويجيب بأن ترامب، كغيره، لا يدرك حجم التحول الذي أحدثته الحروب غير المتكافئة في السنوات الأخيرة.

وبيّن فريدمان أن التطور السريع في الذكاء الاصطناعي قد يشكل تهديداً حقيقياً للاستقرار العالمي، ما لم تتعاون القوى الكبرى للحد من مخاطره، مشيراً إلى أن البديل قد يكون عالماً أقل أمناً للجميع. داعياً إلى التخيل كيف سيكون عليه الجيل القادم من قراصنة الإنترنت بالنسبة للصين وأمريكا وكل دولة أخرى.

حيث ستكون المرحلة المقبلة أكثر خطورة مع دخول الذكاء الاصطناعي على خط الصراع، ما قد يمنح الدول الصغيرة والجماعات المسلحة قدرات أكبر لتنفيذ هجمات أسرع وأكثر استقلالية. ويرى الكاتب أن الدرس الأهم لا يقتصر على إيران، بل يتعلق بتغير مفهوم القوة في العالم.

وأصبحت الحرب غير المتكافئة أكثر تأثيراً، عبر أدوات رخيصة لكنها قادرة على إحداث اضطرابات واسعة. وأشار إلى أن إيران استخدمت مُسيّرات منخفضة التكلفة في ضرب أهداف مرتبطة بالبنية التحتية الرقمية في الإمارات والبحرين، ما تسبب في أضرار اقتصادية وخدمية كبيرة تفوق بكثير كلفة هذه الأسلحة.

واستشهد الكاتب بما جرى في حزيران/ يونيو الماضي، حين قامت أوكرانيا بتهريب 117 مُسيّرة رخيصة إلى روسيا مخبأة داخل شاحنات، ودمرت وألحقت أضراراً بنحو 20 طائرة استراتيجية روسية، بما في ذلك قاذفات بعيدة المدى قادرة على حمل أسلحة نووية تبلغ قيمتها ملايين الدولارات.

كما استخدم الحرس الثوري الإيراني هذا العام طائرات "شاهد-136" بدون طيار بقيمة 35 ألف دولار لضرب مركزين لبيانات أمازون ويب سيرفيسز، بتكلفة عشرات الملايين من الدولارات في الإمارات العربية المتحدة، كما تضرر مركز في البحرين، ما أدى إلى تعطيل الخدمات المصرفية في الخليج العربي.

كما استشهد فريدمان بكيفية تمكن حماس من تصنيع صواريخ صغيرة من أنابيب مستوطنات الاحتلال، وقنابل إسرائيلية غير منفجرة، وذخائر أخرى، فيما اضطرت تل أبيب لاستخدام صواريخ باتريوت تبلغ تكلفة الصاروخ الواحد منها 4 ملايين دولار لاعتراضها.

بمعنى آخر، نحن بالفعل في عصر جديد تستطيع فيه القوى الصغيرة والجماعات الصغيرة الاستفادة من أدوات عصر المعلومات - الموجهة بنظام تحديد المواقع العالمي (GPS) والمتحكم بها رقمياً - لتحقيق مزايا غير متكافئة.

يقول فريدمان: "بدأ ترامب الحرب بتهور دون حلفاء أو تخطيط مسبق، أو حتى فهم حقيقي لقدرات إيران. ومع ذلك، ستكون كارثة على المنطقة والعالم إذا خرج نظام طهران سالماً دون إصلاح، لأن أدوات حرب غير متكافئة أكثر فتكاً في طريقها إلى الظهور".

وأوضح الكاتب أن "تحولاً أعمق يجري الآن متأثراً بالصراع على النفوذ في مجال الذكاء الاصطناعي بين ترامب وإيران، بشكل متزايد بظهور الذكاء الاصطناعي كأداة حرب، متجاوزاً بذلك تقنيات عصر المعلومات إلى ما يصفه الخبراء بـ"عصر الاستخبارات".

قال فريدمان، نقلاً عن أستاذه في مجال التكنولوجيا كريغ موندي، الرئيس السابق لقسم الأبحاث والاستراتيجية في مايكروسوفت، إننا في عصر الحرب غير المتكافئة القائمة على "أدوات عصر الاستخبارات" القادرة على إحداث اضطرابات واسعة النطاق بتكلفة زهيدة وفي أي مكان عند الطلب.

وأوضح أن أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة، كتلك التي طورتها شركات أنثروبيك وجوجل وأوبن إيه آي، تستطيع تنفيذ عمليات سيبرانية معقدة ومتعددة المراحل بأقل قدر من التدخل البشري؛ إذ يمكن لهذه الأنظمة تحديد نقاط الضعف، والعمل على نطاق هجمات لم يكن متاحاً من قبل.

وأوضح فريدمان في مقاله، أخبرني أستاذي في مجال التكنولوجيا كريغ موندي أن "هذه القدرات التي تمنح الأفراد نفوذاً هائلاً، والتي اعتقد الكثيرون أنها ستتحقق خلال 18 شهراً أو عامين، أصبحت واقعاً ملموساً".

وأضاف: "عندما يصبح الاستخدام المزدوج لتقنيات الذكاء الاصطناعي متاحاً للجميع بشكل كامل - وهذا ما نتجه إليه قريباً - فإنها ستشكل تهديداً حقيقياً لجميع المجتمعات المتقدمة" من قبل جهات فاعلة تتمتع بنفوذ هائل "لم تكن تملك في السابق أي أوراق رابحة على الإطلاق".

وبالنسبة للقوى الكبرى، بما فيها الولايات المتحدة والصين، يُمثل هذا التحول فرصاً ومخاطر في آنٍ واحد؛ فبينما تشتد المنافسة في تطوير الذكاء الاصطناعي، يرى الخبراء أن التعاون قد يكون ضرورياً لمنع انتشار التقنيات المُزعزعة للاستقرار.
الأكثر قراءة اليوم
الأكثر قراءة في أسبوع