ميديابارت: كيف يعيد مركز الحكم في إيران تنظيم نفسه؟

لا يبدو أن الحرب على إيران ستنتهي قريبا - الأناضول
نشرت صحيفة "ميديابارت" الفرنسية تقريرا سلطت من خلاله الضوء على كيفية إعادة النظام الإيراني تنظيم مركز الحكم من خلال توزيع السلطة بين العشائر والمؤسسات الأمنية وتعزيز الولاء الأيديولوجي لضمان استمرارية السيطرة.

وقالت الصحيفة، في تقريرها الذي ترجمته "عربي21"، إنه بعد الإطاحة بأغلب كبار قيادات النظام، بدا أن محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني، هو الوجه البارز الجديد للسلطة. لكن يشير الواقع إلى أن مركز القوة الفعلي لا يزال بين يدي مكتب المرشد الأعلى وأجهزة الاستخبارات.




وترجح الصحيفة احتمال أن يكون محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني، الشخص الذي أشار إليه  دونالد ترامب عندما صرح يوم الأحد 29 آذار/ مارس أمام الصحفيين حول احتمال إجراء مفاوضات مع الجمهورية الإسلامية.

فنظرًا لأنه الأكثر ظهورًا على شاشات التلفزيون الرسمي، ولأنه  أحد أصغر قادة حرس الثورة الإسلامية خلال حرب إيران والعراق، والتي تولى فيها لاحقًا قيادة القوات الجوية الفضائية، ولأنه آخر "الصقور" المعروفين في النظام بالنسبة للغرب، يبدو اليوم أن محمد باقر قاليباف قد يكون الوجه البارز للقيادة الإيرانية.

ويقول فارزان سابت، الباحث في المعهد العالي للدراسات الدولية والتنمية إنه "من المرجح أن يكون مسؤولًا عن الإشراف على المجهود الحربي والاستراتيجية في طهران". كما أفاد دبلوماسيون باكستانيون لوكالة رويترز بأن إسلام أباد نجحت في ضمان عدم إدراج قاليباف، مثل وزير الخارجية عباس عراقجي، على قائمة الشخصيات المستهدفة بالاغتيال. ومن المتوقع أن تنتهي هذه الحماية مع انتهاء المهلة التي حددها ترامب في السادس من نيسان/أبريل لإجبار إيران على قبول المفاوضات.

وذكرت الصحيفة أن  إيران رفضت رسميًا اقتراح الولايات المتحدة لوقف إطلاق النار المكوّن من خمسة عشر بندًا، والذي يشمل تفكيك المنشآت النووية، ونقل اليورانيوم المخصب إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وفرض قيود على برنامج الصواريخ الإيراني، ووقف الدعم عن حزب الله وحركة حماس والحوثيين، بالإضافة إلى الاعتراف بمضيق هرمز كمسار مائي مفتوح للملاحة مقابل رفع كامل العقوبات.




لكن الرد الإيراني جاء متعارضًا تمامًا مع هذا البند الأخير، حيث شددت طهران على الاعتراف الرسمي بسيادتها على مضيق هرمز، مؤكدة أنها لن تتخلى عن حقها الاستراتيجي في السيطرة على هذه النقطة الحيوية.

مسيرة دموية


وأوردت الصحيفة أن قاليباف شخصية مثيرة للجدل على المستويين المحلي والدولي، يبلغ من العمر 64 عامًا، ويحمل في سجله تاريخًا دمويا حسب منظمات حقوق الإنسان. وقد بدأ مساره في رئاسة الشرطة الوطنية، حيث قمع منذ سنة 1999 انتفاضة طلاب طهران وأمر قواته بإطلاق النار على المتظاهرين. وفي فترة توليه رئاسة بلدية طهران، لم يقتصر دوره على القمع، بل اشتهر بالفساد وعلاقاته المشبوهة مع عالم الجريمة، الذي استخدمه لدعم حملاته الانتخابية. ووصفت إحدى مواطنات طهران، التي لجأت مؤخرًا إلى فرنسا، قاليباف بأنه "الأكثر دموية بين جميع الدمويين".

مع ذلك، قد يكون ظهوره كأبرز مسؤول في النظام مجرد واجهة، إذ يشير محللون إلى أن تأثيره على القرارات السياسية والاستراتيجية محدود، وأن السلطة الفعلية تتوزع بين مجموعة من المسؤولين. وفي هذا السياق، صرح علي نقزاد، نائب رئيس البرلمان، يوم الخميس 1 نيسان/ أبريل، بأن "الادعاءات التي تقول إن قاليباف يقود المفاوضات لا أساس لها وتهدف إلى بث الفوضى".

وحسب الصحيفة، يتركز النفوذ الحقيقي في إيران اليوم في مكتب المرشد الأعلى، وهو  مؤسسة غامضة تضم نحو 1700 مسؤول وتشكل حكومة ظل حول علي أصغر حجازي، رجل دين بارز وذو صلات وثيقة بجهاز الاستخبارات.

وقد أدار الرئيس الحالي للبرلمان مقر خاتم الأنبياء التابع  للحرس الثوري الإيراني، وكان قريبًا من علي خامنئي بصفته قائدا لطائرته الخاصة، لكنه يظل رئيسًا للبرلمان - أضعف مؤسسة في الجمهورية الإسلامية، التي فقدت هيبتها تدريجيًا. وحتى بعد ترشحه للانتخابات الرئاسية لأربع مرات، لم يتمكن من الوصول إلى الجولة الثانية، ما يوضح محدودية تأثيره مقارنة بعلي لاريجاني.

يعكس هذا الملف الشخصي سبب استبعاد محمد باقر قاليباف عن رئاسة المجلس الأعلى للأمن القومي بعد لاريجاني، حيث فضل النظام الجنرال محمد باقر ذو القدر، أحد كبار مسؤولي حرس الثورة الإسلامية، على قاليباف.

ويرى المؤرخ كليمان تيرم، مؤلف كتاب "أفكار شائعة عن إيران: سلطة على وشك الانهيار؟"، أن "قاليباف، في أحسن الأحوال، مجرد منسق بين المؤسسات السياسية والدولة العسكرية العميقة، لكنه لا يملك أي نفوذ حقيقي، أقل حتى من الرئيس مسعود  بيزشكيان".

ويضيف تيرم أن "قاليباف قاتل، وفي الوقت نفسه خاسر حقيقي. بقاء الجمهورية الإسلامية لا يعتمد على فرد غير شعبي إلى هذا الحد. النظام ذكي: يعلم أن حياة قادته هشة، لذا تعتمد استراتيجية البقاء على إظهار شخصيات من الدرجة الثانية. وإذا أُغتيلل قاليباف، فلن يكون لذلك أثر كبير على النظام؛ فهو مجرد متغير ضمن آلة الدولة".




ويؤكد تيرم أن التحليلات الغربية لم تفهم طبيعة الحرس الثوري الإيراني قائلا "إنه جيش أيديولوجي، لا يخدم شخصًا أو دولة، بل فكرة، هي ولاية الفقيه، التي تكرس سيطرة الدين على السياسة. لذلك، من الخطأ تقييم النظام من منظور الأفراد؛ فكلهم مخلصون لفكرة ولاية الفقيه".

تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية


وفق الصحيفة، فإن استراتيجية النظام تولي أهمية لاستمرار العشائر والمجموعات التي تقف خلف المسؤولين الذين يُستبعدون أو يُغتالون. فالموت على طريق الاستشهاد يمنح العشيرة المعنية نفوذًا سياسيًا إضافيًا، ويبدو أن عشيرة لاريجاني عززت تأثيرها منذ وفاة قائدها، على حساب عشيرة قاليباف. كما أن  استشهاد علي خامنئي وعدد كبير من أفراد أسرته، رفع مكانة ابنه مجتبى، ما يفسر جزئيًا قرار قادة حرس الثورة الإسلامية فرضه كمرشد أعلى، رغم معارضة والده الراحل وجزء كبير من مجلس الخبراء المكلف بتنظيم الخلافة.

يبدو أن عشيرة أحمد وحيدي، القائد الجديد لحرس الثورة الإيراني، هي من تتولى القيادة الفعلية في إدارة الحرب حاليًا. فقد كان وحيدي نائب مدير الاستخبارات في الحرس، وشارك في تأسيس حزب الله، إضافة إلى إنشاء فيلق القدس، الوحدة النخبوية للتدخل الخارجي التابعة للحرس.

وفي ختام التقرير نوهت الصحيفة بأن ترقية أحمد وحيدي تعكس صعودًا متزايدًا لقوى الأمن والاستخبارات، ويصحبها تعزيز السيطرة الشرطية على المدن الكبرى، ما يشير بوضوح إلى استعداد النظام لمواجهة موجات جديدة من الاحتجاجات في المستقبل القريب.