مكاسب ضئيلة وكلفة أعلى.. تقييم لافت لنتائج حرب ترامب على إيران

قال الكاتب فريد زكريا إن النتيجة النهائية للحرب هي أن إيران تجني الآن ضعف ما كانت تجنيه قبل النزاع من مبيعاتها النفطية اليومية- الأناضول
نشرت صحيفة "واشنطن بوست" مقالاً لفريد زكريا قيّم فيه تصريحات الرئيس ترامب بشأن نتائج حربه ضد إيران، والتي استغرقت 19 دقيقة ليلة الأربعاء لكي يقنع الرأي العام الأمريكي بجدواها.

وقال زكريا، إن النتيجة الواضحة هي أنه منح القادة الإيرانيين المتشددين القوة، وأغلقت حربه ممراً مائياً حيوياً، وزاد من أرباح روسيا التي تشن حرباً ضد أوكرانيا.

وأضاف الكاتب أنه يجدر بنا تقييم الوضع الراهن مع دخولنا الشهر الثاني من الحرب الأمريكية - الإسرائيلية على إيران. وقبل التقييم علينا معرفة كيف كان الوضع في إيران وجوارها قبل بدء الحرب في أواخر شباط/ فبراير.

في حزيران/ يونيو من العام الماضي، تم تدمير منشآت تخصيب اليورانيوم الإيرانية، على حد تعبير الرئيس دونالد ترامب، "تدميراً شاملاً وكاملاً" جراء حملة قصف استمرت 12 يوماً شنتها أمريكا وإسرائيل باستخدام قاذفات الشبح وقنابل خارقة للتحصينات زنة 30,000 رطلاً.

واتفق قائد جيش الاحتلال الإسرائيلي مع ترامب، قائلاً: "لقد أخرنا المشروع النووي الإيراني لسنوات، وينطبق الأمر نفسه على برنامجها الصاروخي".

كما أكدت هيئة الطاقة الذرية "الإسرائيلية" هذا الاستنتاج، مضيفةً أن "هذا الإنجاز يمكن أن يستمر إلى أجل غير مسمى"، طالما لم تتمكن إيران من الحصول على مواد نووية، وهو ما يتم منعه بنشاط.

وأضعفت تلك العملية القدرات العسكرية الإيرانية بشكل كبير جراء حملات جوية إسرائيلية منفصلة عام 2024، أسفرت عن مقتل قادة بارزين في الحرس الثوري الإسلامي وتدمير دفاعات جوية واستهداف مواقع صواريخ باليستية.

كما قصفت "إسرائيل" بكثافة حزب الله، أخطر حلفاء إيران، ما أدى إلى مقتل العديد من قادته، وشلّ، وفقاً لتحليلات عديدة، قوته العسكرية. وبعبارة أخرى، يقول زكريا، كانت إيران في وضع عسكري متردٍ للغاية. إضافة إلى ذلك، كان اقتصادها في حالة مؤسفة بفعل العقوبات ونظامها الفاسد. 

وكعادة الصحيفة والمعلقين الأمريكيين، يؤكد زكريا على فكرة أن إيران تشكل تهديدًا لجيرانها، فضلًا عن الولايات المتحدة التي تبعد عنها حوالي 6000 ميل.

وقد أقر ترامب بذلك ضمنيًا يوم الأربعاء، مصرحًا بأن الولايات المتحدة "ليست مضطرة للوجود هناك، لكننا موجودون لمساعدة حلفائنا". تجدر الإشارة إلى أنه لم يتم التشاور مع الحلفاء الأوروبيين أو الآسيويين، وقد أعرب الكثيرون عن معارضتهم للحرب.

وقال إن التقارير تشير إلى أن نتنياهو أقنع ترامب بهذه الحرب ليس لأن إيران كانت تشكل تهديدًا وشيكًا، بل لأن ضعفها غير المسبوق أتاح فرصةً لتوجيه ضربة قوية لإحداث تغيير في النظام. وإلا فلماذا اختتم ترامب إعلانه الموجز في بداية الحرب بحث الشعب الإيراني على الانتفاضة وإسقاط النظام، وهو نداء ردده نتنياهو في رسالته؟".

ويعلق الكاتب أنه حتى الآن، وبغض النظر عن تدمير إيران وشل جيشها الضعيف أصلًا - وهو أمر كان متوقعًا في مثل هذه المواجهة غير المتكافئة - لم تتحقق سوى القليل من النتائج المرجوة.

فلم يسقط النظام في إيران، وتغير القادة الرئيسيون نحو الأسوأ. وقُتل آية الله علي خامنئي، البالغ من العمر 86 عاما والذي اشتهر بحظره تطوير الأسلحة النووية، وخلفه ابنه الذي يقال إنه أكثر تشددا من والده.

وبشكل عام، يبدو أن الحرس الثوري الإيراني، الذي لطالما كان أكثر تشددا، في صعود، وهو أمر منطقي في أوقات الحرب. وقال إن مضيق هرمز، الذي ظل حرا ومفتوحا رغم التهديدات العديدة طوال 47 عاما من التوترات الأمريكية الإيرانية، بات الآن مغلقاً من قِبل القيادة الجديدة (التي يصفها ترامب بأنها "أكثر عقلانية").

ويقول ترامب إنه بعد بضع غارات جوية أخرى سيُفتح المضيق "بشكل طبيعي"، لأن إيران سترغب في تصدير نفطها. هذا تفسير خاطئ للوضع؛ فالمضيق ليس مغلقا، بل هو مفتوح أمام النفط الإيراني الذي يتدفق بحرية، وخاصة إلى الصين.

والنتيجة النهائية للحرب هي أن إيران تجني الآن ضعف ما كانت تجنيه قبل النزاع من مبيعاتها النفطية اليومية. إضافةً إلى ذلك، إذا استمرت في فرض رسوم تقدر بمليوني دولار على كل ناقلة نفط عابرة، فستجني طهران مئات الملايين من الدولارات كإيرادات إضافية شهريا، تكفي لإعادة بناء جيشها وأكثر.

ويواجه حلفاء أمريكا في الخليج الآن بيئة أكثر اضطراباً وتوتراً بكثير مما كانت عليه قبل الحرب. تتطلب نماذج أعمالهم السلام والاستقرار والتكامل الاقتصادي.

فقد أعاد ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، العلاقات مع إيران عام 2023 رغبةً منه في تهدئة الأوضاع الجيوسياسية تمهيداً لبرنامجه الطموح للتحديث.

واليوم، بات هذا التقدم مهدداً مع تراجع صادرات النفط، وتحول المنطقة من واحة استقرار إلى بؤرة صراع. والرابح الأبرز هو روسيا، التي ستجني مليارات الدولارات شهرياً مع ارتفاع أسعار النفط وتنازل الولايات المتحدة عن العقوبات المفروضة عليها.

أما أوكرانيا فتخسر بتحويل الأسلحة التي تحتاجها إلى الشرق الأوسط. وتخسر أوروبا أيضاً مع ارتفاع تكاليف الطاقة، في حين يطالب ترامب حلف الناتو بخوض حربه، مهدداً بالانسحاب من الحلف إن لم يفعل، مذكراً أن الناتو تحالف دفاعي، ولم يشارك في حروب كوريا أو فيتنام أو العراق.

كما وتستفيد الصين مع تورط الولايات المتحدة في صراع آخر في الشرق الأوسط، وفقدانها تركيزها على آسيا. في غضون ذلك، تحمي استثمارات بيجين الضخمة في التكنولوجيا الخضراء من الكثير من تكاليف هذه الحرب، وتبدو للعالم كقوة عظمى أكثر مسؤولية وأقل إثارة للاضطرابات.

ويختتم الكاتب زكريا مقالته قائلاً: "بالطبع، قد تتغير الأمور؛ فالحروب لا يمكن التنبؤ بها. ولكن حتى الآن، هل سبق لأي عمل عسكري أمريكي أن تكبد كل هذه التكاليف مقابل هذه المكاسب الضئيلة؟".