الغارديان: لماذا تشك دول الخليج في مفاوضات ترامب المزعومة لوقف الحرب ضد إيران

قال باحثون في مركز تشاتام هاوس إنه كلما استخدمت إدارة ترامب كلمة "تفاوض" انتهى الأمر وكأنها غطاء للحرب -
نشرت صحيفة "الغارديان" تقريراً أعدته حنا إليس-بيترسن من دبي، حللت فيه الشكوك الخليجية من المحادثات الأمريكية-الإيرانية المزعومة، وقالت إنها تؤشر إلى عدم ثقة بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وأضافت أن تردد دول الخليج في الترحيب بالجهود الأمريكية المزعومة لوقف إطلاق النار يعكس المخاوف من أن تكون محادثات السلام وسيلة أخرى للتصعيد.

فبعد وقت قصير من تصريح ترامب بأن الولايات المتحدة منخرطة في "محادثات جادة" لإنهاء الحرب مع إيران هذا الأسبوع، اتخذت قطر خطوة غير مألوفة بالنأي بنفسها عن المفاوضات الدبلوماسية المزعومة.

وقال المتحدث باسم الحكومة القطرية، ماجد الأنصاري، في مؤتمر صحافي مساء الثلاثاء، بأن قطر لم تشارك في أي جهود وساطة، مضيفاً في إشارة ذات معنى: "إن وجدت أصلاً"، واعتبرت الصحيفة تصريحات المسؤول القطري تحولاً عن دور البلد التاريخي والمتكرر كوسيط رئيسي في نزاعات الشرق الأوسط والمنطقة الأوسع.

فسواء أكانت المفاوضات بين "إسرائيل" وحماس أو المحادثات بين الولايات المتحدة وطالبان أو محاولات التوسط في اتفاقيات سلام في لبنان والسودان، فقد اعتُبر تنظيم القمم الدبلوماسية حجر الزاوية في النفوذ الدولي لهذه الدولة الخليجية الصغيرة.

وفي هذه المرة، وخلال الأسابيع الثلاثة الماضية أو أكثر، وجدت قطر ودول الخليج الأخرى نفسها هدفًا للحرب، بعد أن رفضت الولايات المتحدة جهود الوساطة التي بذلتها لمنع الصراع.

وخلال جولات من المفاوضات للحد من البرنامج النووي الإيراني، أعلنت الولايات المتحدة الحرب مرتين ضد إيران، والتي قادتها ودعمتها سلطنة عُمان.

فقد توقفت المحادثات في حزيران/يونيو الماضي بعد أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على المنشآت النووية الإيرانية.

كما أُجهضت المحادثات التي استؤنفت في شباط/فبراير الماضي سريعًا عندما بدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قصف طهران بالتعاون مع إسرائيل قبل الجولة الأخيرة من الاجتماعات.

ومنذ اندلاع الحرب، اضطرت دول الخليج إلى إنفاق مليارات الدولارات لصد الهجوم اليومي للصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، ما أدى إلى تضرر اقتصاداتها وسيادتها بشكل متزايد.

وقال محللون إن عزوف دول مجلس التعاون الخليجي عن تأييد جهود وقف إطلاق النار المزعومة يعكس الخسائر الفادحة التي لا تزال تتكبدها جراء الحرب، فضلًا عن شكوكها المستمرة حول ما إذا كان حديث ترامب عن السلام صادقًا أم مجرد ذريعة للتصعيد.

ونقلت الصحيفة عن بلال صعب، المدير الإداري الأول لمجموعة "تريندز يو إس" الاستشارية والمسؤول السابق في البنتاغون خلال إدارة ترامب الأولى: "لقد أحرقَتهم تجاربهم السابقة"، مضيفًا: "كانوا يعتقدون سابقًا أنهم يؤدون دور الوسيط المفيد، إلى أن أدركوا أن كل ذلك كان عبثًا.

وأضاف: "علاوة على تورط دول الخليج المباشر في الحرب واستمرار تعرضهم لهجمات إيرانية، لذا، فإنه يوجد الكثير من الإحباط وخيبة الأمل المكبوتة التي تؤثر على رغبتهم، وربما حتى قدرتهم، على التوسط في أي شيء".

وأضاف محللون أن عدم وضوح المفاوضات الحالية المزعومة بين الولايات المتحدة وإيران، وانعدام الثقة العميق في نظام ترامب، جعل قادة الخليج مترددين في وضع أنفسهم في طليعة المحادثات في الوقت الحالي.

ولم يكن من الواضح بعد إعلان ترامب عن محادثات السلام المزعومة مع من يتفاوض، وفي ظل تساؤلات جوهرية حول من يصدر القرارات في النظام الإيراني، بعد اغتيال العديد من الشخصيات البارزة فيه، ومع بقاء المرشد الأعلى الجديد، مجتبى خامنئي، بعيدًا عن الأنظار.

وبحلول مساء الأربعاء، رفض النظام الإيراني رفضًا قاطعًا خطة ترامب المكونة من 15 بندًا لإنهاء الحرب، والتي قُدمت إلى طهران عبر جنرالات باكستانيين، ووصفها المسؤولون الإيرانيون بأنها "غير معقولة على الإطلاق"، وقدموا مقترحًا مختلفًا كليًا.

وتقول الصحيفة إن المخاوف من إضفاء الشرعية على محادثات قد تتحول في نهاية المطاف إلى جبهة للتصعيد أو حتى لاغتيال المزيد من القادة الإيرانيين، باتت مصدر قلق في المنطقة. 

فبينما أصر ترامب على إحراز تقدم في المفاوضات، أمر بنشر آلاف الجنود الأمريكيين في الشرق الأوسط. ولا يزال هناك خوف شديد لدى دول الخليج من أن تُستخدم كبيادق في لعبة الولايات المتحدة وإسرائيل في الشرق الأوسط.

وعلق صعب قائلاً: "هناك احتمال كبير أن يكون هذا مجرد حيلة تمهيداً لعملية عسكرية أخرى، أو أن الولايات المتحدة تريد إجراء مفاوضات تحت تهديد غزو بري".

وأعربت مصادر دبلوماسية إيرانية عن مخاوف مماثلة، ونُقل عن أحد المصادر قوله: "هناك درجة عالية من الشك" حول إمكانية استضافة محادثات السلام في إسلام آباد، و"كما رأينا، في مفاوضات سابقة أجريناها مع الولايات المتحدة، استخدموها لمهاجمة قادتنا وقتلهم، درجة عدم الثقة عالية".

ونقلت "الغارديان" عن بدر السيف، المحاضر في جامعة الكويت والزميل في تشاتام هاوس بلندن، قوله: كلما استخدمت إدارة ترامب كلمة "تفاوض"، انتهى الأمر وكأنها "غطاء للحرب".

وأضاف: "لدى ترامب مفهومه الخاص الفضفاض عن المفاوضات، الوضع الآن متقلب للغاية. أعتقد أن دول الخليج ستدخل المفاوضات عندما تشعر أن لديها ما تقدمه فعلاً".

ولكنه أكد أن ترددها في الانخراط في مسرحية ترامبية محتملة يقابله إدراكها للأهمية البالغة في صياغة أي مفاوضات سلام واقعية والتأثير فيها، لأنها ستترك آثارها على مستقبل الخليج للخطر.

كما أن الحديث عن وقف الحرب مع بقاء النظام الإيراني الحالي على بعد أقل من 100 ميل من بعض عواصم الخليج، والذي قد يكون أكثر انتقاماً مما كان عليه، مع إدراكها للضرر الذي يمكن أن تلحقه صواريخه وطائراته المسيرة بالبنية التحتية والصناعة التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، ينظر إليه على نطاق واسع على أنه تهديد وجودي للطموحات الاقتصادية المستقبلية لدول الخليج.

وأشارت الصحيفة إلى معضلة فتح مضيق هرمز الذي أغلقته إيران ويمر منه معظم نفط وغاز الخليج إلى العالم.

كما أن الحرب المطولة التي تقودها الولايات المتحدة لتحقيق هدف تغيير النظام في إيران، ويبدو أن من الصعب تحقيقه، تهدد باستنزاف اقتصاد دول الخليج، وتعرض البنية التحتية الحيوية للطاقة والمياه لخطر الانهيار، مما سيعرض حياة المدنيين للخطر الدائم.

ويبقى التهديد قائماً أيضاً، من خلال احتمال تفعيل طهران خلايا نائمة وفصائل مسلحة موالية لها في دول مثل السعودية والإمارات وقطر والكويت، مما قد يشعل حرباً داخلية بالوكالة تؤثر على استقرار هذه الدول.

واقترح السيف من جامعة الكويت أن تجري دول الخليج محادثات منفصلة مع إيران تضمن مصالحها على المدى البعيد، مشيراً إلى أن وجودها على طاولات المفاوضات، إن حدثت، ليس ضرورياً.

وقال: "يجب عليهم عدم التعويل على الولايات المتحدة فقط لإجراء المفاوضات"، بل "عليهم أن يعقدوا اتفاقاً مع إيران بأنفسهم، فلم تكن هذه حربنا، وإذا استطعنا حماية أنفسنا من أي تأثير إضافي، فعلينا القيام بذلك لحماية مصالحنا الوطنية".

وأضاف السيف أن اقتراح باكستان، التي تربطها معاهدة دفاعية مع السعودية وعلاقات وثيقة بدول مجلس التعاون الخليجي الأخرى، باعتبارها المكان الأنسب لاستضافة وتنسيق محادثات السلام، كان مفضلاً لدول الخليج.

ومع ذلك، تساءل آخرون عما إذا كانت إسلام آباد تمتلك النفوذ الاقتصادي والتأثير نفسه على إيران الذي تتمتع به دول خليجية مثل قطر والإمارات، اللتان تحتفظان بمليارات الدولارات من الأموال الإيرانية في بنوكهما.

وأكد أليكس فاتانكا، الباحث البارز في معهد الشرق الأوسط، أنه باستثناء تأمين تدفق التجارة عبر مضيق هرمز وتفكيك البرنامج النووي، لا يوجد ما يدعو إلى توقع أن يعطي ترامب الأولوية لمصالح الخليج في أي مفاوضات مع إيران.

يأتي هذا على الرغم من اتفاقية الأمن القائمة بينهما منذ فترة طويلة، وفي الوقت نفسه، من المستبعد جداً أن توافق إيران على التخلي عن الصواريخ التي ألحقت أضراراً جسيمة بدول الخليج، والتي قد تثبت فعاليتها كأداة ضغط في المستقبل.

وقال فاتانكا: "قد يرمي ترامب دول الخليج تحت عجلات الحافلة مرة أخرى، فهو لا يهتم بها جداً أكثر من تحقيق مكاسب تجارية شخصية".

وأكد فاتانكا أن إعادة بناء الثقة بين إيران ودول الخليج تتطلب جهوداً دبلوماسية كبيرة، وقال إنه يتوقع أن تشق هذه الدول في نهاية المطاف مسارها الخاص مع طهران، كما فعلت قبل اندلاع الحرب.

وأضاف فاتانكا: "مهما حدث، ستظل هذه الدول في خط المواجهة. إيران تقع على الجانب الآخر من الخليج، وهي ليست حصناً منيعاً. وبمجرد انتهاء إطلاق النار، سيتعين على دول الخليج أن تقرر: هل هناك سبل لدفع هذا النظام نحو مسار مختلف؟".