كاتب أمريكي: استماتة ترامب في البحث عن مخرج تفسر تهوره في شن الحرب

قال الكاتب بوت إن ما أعلنه ترامب لم يكن نصراً للولايات المتحدة لكن إنهاء الحرب الآن كان الخيار الأقل سوءاً - جيتي
نشرت صحيفة "واشنطن بوست" مقالاً للكاتب ماكس بوت قال فيه: إن موافقة الرئيس دونالد ترامب على الهدنة مع إيران هي "تراجع" منه، في إشارة إلى عبارة بالإنجليزية وهي "Trump always chickens out" أو أن "ترامب دائماً من يتراجع في اللحظة الأخيرة".

وقال بوت إن يوم الثلاثاء كان من أغرب الأيام في تاريخ الدبلوماسية الأمريكية؛ فقد بدأ بتحذير ترامب من أنه في حال عدم إعادة إيران فتح مضيق هرمز، "ستموت حضارة بأكملها الليلة". وانتهى بإعلان ترامب وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين وبدء مفاوضات مع إيران بناءً على "مقترح النقاط العشر" الذي قدمته طهران.

وقال إن هناك ارتباكاً واسعاً حول هذه النقاط العشر، لكن النسخة التي نشرتها طهران تدعو، من بين أمور أخرى، إلى سيطرة إيران على مضيق هرمز، وانسحاب القوات الأمريكية من المنطقة، وقبول حق إيران في مواصلة تخصيب اليورانيوم، وهي شروط ينبغي أن تكون غير مقبولة بتاتاً لأي إدارة أمريكية.

وأضاف: لا يزال من غير الواضح تماماً ما حدث وما ستكون عواقبه. وفي يوم الأربعاء، هددت إيران بالانسحاب من الاتفاق إذا لم توقف دولة الاحتلال هجماتها على حزب الله في لبنان.

ولكن حتى لو صمد وقف إطلاق النار، فمن المستحيل أخذ مزاعم مؤيدي ترامب على محمل الجد بأن تصرفه "المتهور" حقق نصراً أمريكياً في الحرب التي استمرت خمسة أسابيع.

وأردف بوت قائلاً إن إيران، التي تكبدت خسائر اقتصادية وعسكرية فادحة، ظلت قادرة على إطلاق ما معدله 85 طائرة مسيرة و37 صاروخاً يومياً.

ومن هنا، يستحيل أيضاً تصديق ادعاء ترامب بأن تغيير النظام، الذي كان أحد أهدافه الحربية الأولية، قد تحقق بالفعل؛ فالنظام هو نفسه حتى وإن تغيرت القيادة.

ورغم ادعاء ترامب بأن "الولايات المتحدة، بالتعاون مع إيران، ستكشف وتزيل كل ما هو مدفون من غبار نووي"، أوضح أنه "لم يكن هناك ما يشير إلى وجود اتفاق فعلي لإزالة ما يقارب 1,000 رطل من اليورانيوم المخصب من إيران.

كما لم يكن هناك أي اتفاق من جانب إيران لإنهاء دعمها للجماعات الإقليمية الموالية لها، مثل الحوثيين وحماس وحزب الله".

وبالطبع، لا تزال إيران قادرة على التحكم، على الأقل في الوقت الراهن، في السفن التي تعبر مضيق هرمز، وهو ما لم تكن تفعله عند اندلاع هذه الحرب.

وبدلاً من التعهد بكسر الحصار الإيراني على أحد أهم الممرات المائية الاستراتيجية في العالم، تحدث ترامب يوم الأربعاء عن الدخول في شراكة تجارية مع إيران لتحصيل رسوم عبور، في انتهاك لالتزام أمريكي راسخ منذ قرون بالحفاظ على حرية الملاحة في جميع أنحاء العالم.

فقد كان الحفاظ على الممرات البحرية مفتوحة هو المبدأ الذي دفع الجمهورية الأمريكية الوليدة إلى خوض حرب الساحل البربري في شمال أفريقيا، أوائل القرن التاسع عشر.

وإذا ما تم التخلي الآن عن التزام الولايات المتحدة بإبقاء ممر مائي دولي مثل مضيق هرمز مفتوحاً أمام سفن أي دولة، فسيمثل ذلك هزيمة كبيرة ومكلفة.

وأكد بوت أن فرض طهران "رسوم عبور" على حركة الملاحة البحرية قد يدر عشرات المليارات من الدولارات للنظام الإيراني، وهي أموال يمكن استثمارها في إعادة بناء صناعتها العسكرية.

ويرى الكاتب أن النتيجة التي وصل إليها ترامب حالياً تفسر قراره المتعجل للحرب، فقد اندفع إلى الحرب متوقعاً نصراً سريعاً ولم يكن مستعداً لجاهزية إيران وقدرتها على استهداف دول الخليج العربي وإغلاق مضيق هرمز.

وفي تحليل معمق لأصول الحرب، ذكرت صحيفة نيويورك تايمز يوم الأربعاء أن ترامب "استبعد إمكانية" إغلاق المضيق "بافتراض أن النظام سيستسلم قبل الوصول إلى هذه المرحلة"،  وعندما لم ينجح هذا الرهان، بحث ترامب بيأس عن أي وسيلة لإجبار الإيرانيين على فتح المضيق، دون جدوى.

وأضاف بوت أن وزارة الحرب الأمريكية أرسلت قوات برية إلى المنطقة، لكنها لم تستخدمها. ربما يكون ترامب قد ظن بأن خطر وقوع خسائر بشرية كبير للغاية إذا حاولت الولايات المتحدة احتلال أراض إيرانية، ولو مؤقتا.

ثم لجأ الرئيس إلى التهديد بشن غارات جوية أمريكية على البنية التحتية الكهربائية والجسور الإيرانية، مرددا صدى تصريحات الجنرال كورتيس ليماي خلال حرب فيتنام، وتعهد بقصف إيران "حتى تعود إلى العصر الحجري".

لكنه لم ينفذ هذا التهديد أيضا، على الأرجح لأن إيران كانت قد تعهدت بالرد على البنية التحتية للطاقة، بل وحتى محطات تحلية المياه في دول الخليج العربي، ولو فعلت إيران ذلك، لكانت أزمة الطاقة العالمية، التي تعد بالفعل الأسوأ على الإطلاق، قد تحولت إلى كارثة.

ومع ارتفاع أسعار البنزين وتراجع شعبيته، شعر ترامب بلا شك أن الشعب الأمريكي لم يعد لديه صبر يذكر على صراع طويل ومكلف مع إيران، لذا سعى الرئيس إلى مخرج سريع مغطى بسيل من الخطابات الحادة.

يقول بوت: "بطريقة ما، تذكرنا مناورة ترامب بمحاولات الرئيس ريتشارد نيكسون ووزير الخارجية هنري كيسنجر لإنهاء حرب فيتنام. فقد توصلت الولايات المتحدة وفيتنام الشمالية إلى اتفاقية سلام أحادية الجانب في تشرين الأول/أكتوبر 1972".

حيث تعهدت فيها الولايات المتحدة بسحب جميع قواتها من فيتنام الجنوبية، بينما احتفظت فيتنام الشمالية الشيوعية بـ 150,000 جندي في الجنوب. لكن سرعان ما تراجعت هانوي عن قبول حتى هذه الصفقة المواتية.

فأمر نيكسون بشن "قصف عيد الميلاد"، وقصف هانوي بطائرات بي-52. وعلى إثر ذلك، وقعت فيتنام الشمالية اتفاقيات باريس للسلام في كانون الثاني/يناير 1973. وعلق أحد مساعدي كيسنجر ساخراً: "لقد قصفنا الفيتناميين الشماليين حتى قبلوا تنازلنا".

وهكذا، تم التمويه، ولو مؤقتاً، على ما يعتبر استسلاماً أمريكياً بكلمات وأفعال نيكسون العدائية. وبالمثل، يتظاهر ترامب بأن تهديداته المرعبة أجبرت إيران على الاستسلام، بينما في الواقع، تنازل حتى الآن أكثر مما تنازل عنه الملالي.

ويعلق بوت بأن ما أعلنه ترامب لم يكن نصراً للولايات المتحدة، لكن إنهاء الحرب الآن، قبل أن يتفاقم الوضع، كان الخيار الأقل سوءاً، وكما يقال، "ترامب أوليز تشيكنز أوت" أو يتراجع في اللحظة الأخيرة، ولكن العالم استقبل هذه الهزيمة الأخيرة بارتياح.