مقال في "الغارديان": ترامب يواجه خصما لا يفهمه في حربه الفوضوية على إيران

اختلاف تعريف النصر بين واشنطن وطهران يفسر استمرار الحرب وتزايد تكلفتها- جيتي
نشرت صحيفة "الغارديان" مقالا للصحفية نسرين مالك تناول استمرار الحرب على إيران للأسبوع الخامس ودخولها السادس، رغم أنها قدمت في بدايتها على أنها "حملة عسكرية دقيقة وساحقة" تستهدف القضاء على "تهديد نووي وشيك" ودفع الشعب الإيراني إلى "تولي" زمام الحكم.

وأشارت الصحفية إلى أن الواقع بات بعيدا عن تلك التقديرات، إذ انشغلت دول الخليج بهجمات إيرانية انتقامية، وأغلق مضيق هرمز، في وقت لم تظهر فيه أي مؤشرات على انهيار النظام، سواء بفعل التدهور العسكري أو من خلال تحرك شعبي داخلي.

ولفت الكاتبة إلى أن الاحتفاء باستعادة طيارين أمريكيين يتم مع تجاهل المعطيات الأوسع، في ظل تعثر مسار الحرب، مرجعا ذلك إلى مزيج من الغطرسة والجهل، وهي عوامل تتفاقم بسبب طبيعة النظام الإيراني.

واعتبرت أن هناك تأخرا ذهنيا يرافق بدايات الحروب، يتمثل في العجز عن استيعاب استحالة احتواء صراع بهذا الحجم بسرعة، ويزداد هذا التأخر عندما تنخرط الولايات المتحدة، حيث يفترض البعض أن التفوق العسكري سيؤدي إلى نتائج سريعة واستسلام الطرف الأضعف، وانضمام الحلفاء تلقائيا، مع بقاء تداعيات الحرب ضمن نطاق محدود.


ولم يتحقق أيا من هذه السيناريوهات، إذ تعرضت أسواق الطاقة لاضطرابات، مع توقعات بحدوث "ركود اقتصادي عالمي نادر" إذا استمرت الحرب.

وطالما بذل ترامب جهودا حثيثة، لم يتمكن من حشد حلفاء أوروبيين أو خليجيين للمشاركة في الهجوم أو في إعادة فتح مضيق هرمز، في حين بقي النظام الإيراني صامدا، متسببا بخسائر متزايدة في المعدات والأفراد العسكريين للولايات المتحدة.

وأشارت مالك إلى أن الرهانات على تحقيق نصر سريع كانت خاطئة، ونتجت عن ثقة مفرطة في قوة الإرادة الأمريكية، مضيفا أن انطلاق الهجوم رافقه شعور بالنشوة لدى مؤيديه بفكرة إعادة تشكيل العالم بقيادة الولايات المتحدة.

ووصفت هيئة تحرير صحيفة "نيويورك بوست" الحرب بأنها "خطوة تاريخية"، فيما رأت صحيفة "وول ستريت جورنال" أنها "تنطوي على مخاطر كجميع الحروب، لكنها تحمل أيضا إمكانية إعادة تشكيل الشرق الأوسط نحو الأفضل، وتؤدي إلى عالم أكثر أمانا".

وطلب من الأصوات المتحفظة على هذه الطروحات مراجعة مواقفها، كما قال بريت ستيفنز، كاتب العمود في صحيفة "نيويورك تايمز": "أُصبت بالذهول من التشاؤم المستمر الذي أراه من كثير من المعلقين، فلم يمض على حرب ستنتهي على الأرجح بنهاية الشهر سوى أقل من أسبوعين"، إلا أن الواقع خالف هذه التوقعات.


وبعد تجاوز مرحلة "الركود الذهني"، بدأ الحديث يدور حول المأزق القائم، والبحث عن مخارج وإجراءات يمكن أن يعتمدها ترامب لتفادي الإحراج السياسي.

وأشارت إلى أن السؤال المطروح حاليا لم يعد متى ستنتهي الحرب، بل كيف ستنتهي، مستحضرا تساؤل الجنرال ديفيد بترايوس عام 2003 بشأن حرب العراق: "أخبروني كيف ستنتهي هذه الحرب؟"، ولا يمكن اختزال تعقيدات الداخل الإيراني في سردية مبسطة تفترض أن إضعاف النظام سيؤدي تلقائيا إلى سقوطه عبر انتفاضة شعبية.

واعتبرت الكاتبة أن أول الأخطاء كان التقليل من قدرة إيران على خوض حرب غير متكافئة، إذ تمكنت من التأثير على استقرار الخليج دون امتلاك قدرات عسكرية ضخمة، من خلال تعطيل الحياة الطبيعية واستهداف منشآت الطاقة ورفع الكلفة الاقتصادية للحرب على حلفاء الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي، كما أن استخدام الطائرات المسيرة منخفضة التكلفة، إلى جانب الصواريخ على مدى أيام وأسابيع، حقق هذه الأهداف.

وتمثل الخطأ الثاني في توقع عدم لجوء إيران إلى إغلاق مضيق هرمز، رغم أن هذا الخيار طُرح داخليا حتى خلال حرب الأيام الاثني عشر في العام الماضي، حيث عبّر مسؤولون قطريون حينها عن قلقهم من احتمال إغلاق المضيق أكثر من القلق من الصواريخ الإيرانية.

وبينت الكاتبة أن الخطأ الثالث كان في التعويل على اندلاع انتفاضة شعبية داخل إيران، وهو ما لم يحدث لأسباب عدة، منها خطورة النزول إلى الشوارع تحت القصف، وسجل الحكومة في قمع الاحتجاجات، إضافة إلى تعقيد المزاج الشعبي في ظل هجوم خارجي يستهدف المدنيين والبنية التحتية.


وتعود هذه الأخطاء بحسب الكاتبة، إلى تقدير خاطئ لطبيعة النظام الإيراني، الذي يمتلك قدرة عالية على تحمل الضغوط والتصعيد طويل الأمد دون الحاجة إلى تحقيق نصر عسكري واضح على قوة كبرى.

وتشكلت ملامح السياسة في المنطقة إلى حد كبير بفعل ارتباط دول بالنفوذ الأمريكي، حيث اعتمدت دول الشرق الأوسط خلال العقود الماضية على علاقاتها مع الولايات المتحدة للحصول على الدعم الاقتصادي والاستثمارات والمظلة الأمنية.

وهذا الواقع، جعل إيران تنظر إلى بعض دول الخليج كأطراف ضعيفة، بسبب استضافتها قواعد أمريكية وتطبيع علاقاتها مع دولة الاحتلال ما يجعلها، من وجهة النظر الإيرانية، أطرافا منخرطة بشكل غير مباشر في الحرب.

وتبنت الولايات المتحدة رؤية تفترض أن جميع الأطراف ستنتهي إلى الاستسلام إما عبر تبني نموذجها أو الخضوع له، إلا أن هذا المنطق لا ينطبق على دول طورت استراتيجيات مختلفة قائمة على التكيف مع العقوبات والضغوط.

وطورت إيران نموذجا متكاملا يجمع بين الأدوات الاقتصادية والسياسية، يقوم على الاستمرار والبقاء بدلا من الهيمنة، مستشهدا بدور الجماعات المرتبطة بها مثل حزب الله والحوثيين في الحفاظ على نفوذها الإقليمي.

وبحسب الكاتب، أكدت أن التحدي الذي يواجهه ترامب يتمثل في التعامل مع خصم يختلف في طبيعته، إذ بنى النظام الإيراني على مدى عقود بنية داخلية وإقليمية وأيديولوجية متماسكة، ما يجعل استمرار الحرب دون نهاية واضحة وتزايد تكاليفها نتيجة اختلاف تعريف كل طرف لمفهوم النصر.