تلعب
باكستان تلعب
دورا بارزا في قنوات التواصل غير المباشر بين
الولايات المتحدة وإيران، في ظل
اعتماد هذا الدور بشكل أساسي على المؤسسة العسكرية بقيادة المشير عاصم منير.
وأكدت صحيفة
"
ديلي تلغراف" البريطانية في تقرير أعده الكاتب ممفيس باركر، أن دوافع باكستان
في قيادة تحركات الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران لا يمكن قراءتها باعتبارها تحركات
ذات طابع إنساني أو دبلوماسي بحت، مشيرة إلى أن ما يجري يعكس شبكة معقدة من المصالح
السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تتحكم في هذا الدور المتصاعد لإسلام آباد.
وتابعت الصحيفة أن
وزير الخارجية
الإيراني عباس عراقجي غادر مطار إسلام آباد السبت الماضي، عقب انهيار
جولة ثانية من محادثات غير مباشرة كانت مقترحة مع الولايات المتحدة، قبل أن يعود بعد
24 ساعة فقط، لكن اللقاءات هذه المرة لم تكن مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف،
وإنما مع المشير عاصم منير، قائد الجيش الباكستاني، الذي وصفه التقرير بأنه الشخصية
الأكثر نفوذاً في إدارة قنوات الاتصال بين طهران وواشنطن في المرحلة الحالية.
وأشارت "ديلي
تلغراف" إلى أن هذا المشهد يعكس بوضوح البنية الحقيقية للسلطة داخل باكستان، حيث
ظل الجيش، منذ نهاية حكم برويز مشرف عام 2008، لاعباً مركزياً في إدارة الدولة من وراء
الكواليس، سواء عبر التأثير غير المباشر على نتائج الانتخابات أو عبر التدخل في المشهد
السياسي الداخلي، في ظل اتهامات متكررة بتزوير الانتخابات في عامي 2018 و2024، إلى
جانب ما وصفته الصحيفة بتدبير إقصاء وسجن رئيسي وزراء سابقين، من بينهم نواز شريف،
وكذلك رئيس الوزراء السابق عمران خان الذي لا يزال يقبع في السجن حتى الآن.
وتابعت الصحيفة أن
ما يُعرف داخل الدولة الباكستانية باسم "المؤسسة"، وهو تعبير غير رسمي يشير
إلى المؤسسة العسكرية والأمنية، واصل خلال السنوات الماضية إدارة الملفات الكبرى من
خلف الستار، بينما ظلت الحكومات المدنية في موقع التنفيذ السياسي، مشيرة إلى أن هذا
التوازن غير المعلن أصبح أكثر وضوحاً في السنوات الأخيرة.
وأكد التقرير أن المشير
عاصم منير أصبح في الوقت الراهن محوراً أساسياً في العلاقات الدولية لباكستان، حيث
يعقد لقاءات مباشرة مع شخصيات دولية بارزة، من بينها الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب، إضافة إلى اجتماعات مع مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى، رغم أن هذه اللقاءات
لا تحظى دائماً بإعلان رسمي أو تغطية إعلامية موسعة.
وأشارت الصحيفة إلى
أن منير عزز مكانته داخل المؤسسة العسكرية والسياسية من خلال خطوات رمزية ومؤسسية،
من بينها الإصرار على لقب "مشير"، وهو لقب لم يُمنح سوى مرة واحدة في تاريخ
باكستان، خلال عهد أيوب خان، إضافة إلى إنشاء منصب جديد طويل الأمد تحت مسمى رئيس أركان
الدفاع، وتوليه له بشكل مباشر.
وتابعت أن النفوذ المتزايد
للجيش ينعكس أيضاً في الخطاب السياسي الداخلي، حيث نقلت عن وزير المالية الباكستاني
السابق مفتاح إسماعيل قوله إن واقع السلطة في البلاد لم يعد يخفي حقيقة أن القرار النهائي
غالباً ما يكون بيد قائد الجيش، حتى وإن كانت الواجهة السياسية مدنية، مضيفاً أن هذا
الوضع أصبح مفهوماً ضمنياً لدى الشارع الباكستاني.
وأشارت "ديلي
تلغراف" إلى أن باكستان تواجه ضغوطاً اقتصادية متزايدة تدفعها للبحث عن أي تهدئة
إقليمية، خصوصاً في ظل اعتمادها الكبير على واردات الطاقة التي تمر عبر
مضيق هرمز،
وهو ما يجعلها عرضة لأي تصعيد بين واشنطن وطهران، خاصة بعد التهديدات الأمريكية الأخيرة
بإغلاق الممر الملاحي في حال استمرار الأزمة النووية الإيرانية.
وتابعت الصحيفة أن
الحكومة الباكستانية اضطرت بالفعل إلى اتخاذ إجراءات تقشفية صارمة، شملت تقليص أيام
العمل في القطاع العام إلى أربعة أيام أسبوعياً، إلى جانب إغلاق بعض المؤسسات التعليمية،
في وقت تعتمد فيه البلاد بشكل كبير على دعم صندوق النقد الدولي والقروض الخليجية لتثبيت
اقتصادها المتعثر.
وأكدت أن تقارير اقتصادية،
من بينها تحليل للباحثة فرزانة شيخ من "تشاتام هاوس"، حذرت من أن استمرار
الصراع الإقليمي لفترة طويلة قد يدفع الاقتصاد الباكستاني إلى "حافة الانهيار"،
في حال لم يتم احتواء الأزمة سريعاً.
وتابعت الصحيفة أن
أحد الدوافع الأساسية لتحركات المؤسسة العسكرية الباكستانية يتمثل في ملف الطاقة، خصوصاً
مشروع خط أنابيب الغاز الإيراني–الباكستاني، الذي تعثر منذ سنوات بسبب العقوبات الأمريكية،
رغم أن الجانب الإيراني أنجز جزءاً كبيراً من المشروع على أراضيه، بينما لم تبدأ باكستان
بعد في تنفيذ الجزء الخاص بها الذي يمتد لمسافة تقارب 435 ميلاً.
وأشارت إلى أن إيران
تطالب في المقابل بتعويضات مالية ضخمة تصل إلى نحو 18 مليار دولار، مع توقعات بصدور
أحكام قانونية مرتبطة بالمشروع خلال العامين المقبلين، ما يزيد من تعقيد الملف بين
البلدين.
وتابعت أن بعض دوائر
صنع القرار في باكستان تأمل في أن يستفيد المشير عاصم منير من علاقاته الدولية، خصوصاً
مع واشنطن، للحصول على استثناءات أو إعفاءات تسمح بإعادة إحياء المشروع، رغم أن خبراء
اقتصاديين حذروا من صعوبة توفير التمويل والتأمين اللازمين في ظل استمرار العقوبات
الأمريكية المحتملة على إيران.
وأكدت الصحيفة أن الدور
الباكستاني في الوساطة مع إيران منح إسلام آباد حضوراً دبلوماسياً متزايداً على الساحة
الدولية، حتى في ظل غياب أي تقدم فعلي في عملية السلام، حيث يرى بعض المسؤولين السابقين
أن هذا الدور يحمل بعداً "نفسياً" يعيد تشكيل صورة باكستان في الإعلام العالمي
بعيداً عن ارتباطها التقليدي بملفات الإرهاب.
وأشارت إلى أن هذا
الحضور يعزز أيضاً موقف باكستان في مواجهة محاولات الهند لعزلها دبلوماسياً، في ظل
تنافس إقليمي طويل الأمد بين البلدين.
وتابعت أن هذا الدور
الجديد يرافقه في الوقت نفسه توتر متزايد في العلاقات الإقليمية، حيث وقعت باكستان
اتفاقية دفاعية مع السعودية وُصفت بأنها أقرب إلى "تحالف عسكري غير معلن"،
في وقت أبدت فيه دول خليجية أخرى، من بينها الإمارات، مخاوف من هذا التمدد في العلاقات
الباكستانية–السعودية.
وأكدت أن التوترات
المالية ظهرت أيضاً عندما طالبت أبوظبي بشكل مفاجئ بسداد قرض بقيمة 3.5 مليار دولار،
في خطوة ربطتها تقارير غربية بتخوفات من تقارب باكستان المتزايد مع السعودية وإيران
في آن واحد، قبل أن تتدخل الرياض لتغطية الفجوة المالية.
وتابعت الصحيفة أن
هذا المشهد يعكس شبكة معقدة من العلاقات الإقليمية الحساسة، حيث تستضيف سفارة باكستان
في واشنطن قنوات اتصال غير رسمية مع دبلوماسيين إيرانيين منذ قطع العلاقات بين الولايات
المتحدة وإيران عام 1980، وهو ما يجعل إسلام آباد حلقة وصل غير معلنة بين أطراف متخاصمة.
وأشارت إلى أن الحدود
الباكستانية–الإيرانية ظلت بدورها مسرحاً للتوترات الأمنية، بما في ذلك تبادل ضربات
صاروخية في يناير 2024 بين الجانبين في مناطق بلوشستان، قبل أن يتم احتواء التصعيد
سريعاً والعودة إلى حالة من التوازن الحذر.
وأكدت "ديلي تلغراف"
في ختام تقريرها أن الحرب الإقليمية الأخيرة غيّرت قواعد اللعبة في المنطقة، حيث باتت
إيران مرشحة لتصبح قوة إقليمية أكثر حضوراً في حال رفع العقوبات عنها، وهو ما دفع باكستان
إلى فتح مسارات تجارية جديدة مع طهران، تشمل ستة طرق لنقل البضائع من دول ثالثة مثل
الصين.
وتابعت أن هذه الخطوة
أثارت انتقادات في واشنطن ونيودلهي، حيث اعتبرها بعض المسؤولين محاولة للالتفاف على
العقوبات المفروضة على إيران، في حين ترى إسلام آباد أنها جزء من سياسة اقتصادية ضرورية
لتخفيف الضغط الداخلي.
وأكدت الصحيفة أن مستقبل
الدور الباكستاني في الوساطة بين طهران وواشنطن لا يزال محفوفاً بالمخاطر، في ظل اعتماد
معادلة دقيقة تجمع بين الطموح السياسي والضغوط الاقتصادية والتوازنات الإقليمية المتشابكة،
وهو ما يجعل هذا الدور مرشحاً للتغير السريع وفقاً لتطورات المشهد الدولي.