كاتب أمريكي: الولايات المتحدة على مسار "انحطاط إمبراطوري" متسارع

الكابت أعلن بداية النهاية التدريجية للهيمنة الأمريكية - البيت الأبيض
يرى الكاتب الأمريكي كريستوفر كالدويل أن الولايات المتحدة تشهد مرحلة متقدمة من التراجع داخل النظام الدولي، معتبرًا أنها باتت أقرب إلى "إمبراطورية في طور الانحطاط".

وأكدت صحيفة نيويورك تايمز، وأشارت في مقال رأي مطول للكاتب الأمريكي وكاتب الرأي ومحرر مجلة كيلرمونت لمراجعة الكتب ومؤلف كتاب “عصر الاستحقاق: أمريكا منذ الستينيات، أن الولايات المتحدة باتت، رسمياً إمبراطورية في طور الانحطاط”، معتبرًا أن ما يجري على مستوى السياسة الخارجية الأمريكية يمثل تحولات عميقة تعكس تراجعًا تدريجيًا في بنية القوة الأمريكية داخل النظام العالمي.

وتابعت نيويورك تايمز أن كالدويل بدأ تحليله بالإشارة إلى أن الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران لم يكن مجرد قرار عسكري سيئ أو فكرة غير محسوبة، بل تحول إلى نقطة مفصلية في مسار انحدار الإمبراطورية الأمريكية، حيث اعتبر أن هذا النوع من العمليات العسكرية يعكس اتساعًا مفرطًا في استخدام القوة خارج حدودها الطبيعية.

وأضافت الصحيفة، كما أوردت في المقال، أن الكاتب يرى أن البعض قد يفضل استخدام مصطلح “الهيمنة” بدلًا من “الإمبراطورية” عند وصف النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة، خاصة وأن العلم الأمريكي لا يرفرف عادة فوق الأراضي التي تخضع لنفوذها المباشر، إلا أن القواعد الحاكمة، وفق تعبيره، متشابهة بين الأنظمة الإمبراطورية، إذ إن استمرار أي نظام عالمي يعتمد على قدرته على تحقيق غاياته باستخدام أدواته المتاحة، ومتى ما تجاوزت هذه الأدوات حدودها بدأت مظاهر التراجع في الظهور.

وأشارت نيويورك تايمز إلى أن كالدويل اعتبر أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لعبت دورًا في توسيع نطاق النفوذ الأمريكي بشكل مفرط وخطير، خصوصًا في سياق التعامل مع ملفات الشرق الأوسط، حيث تحولت بعض التدخلات العسكرية إلى أعباء استراتيجية طويلة الأمد بدلًا من تحقيق مكاسب سياسية أو أمنية واضحة.

وتابعت الصحيفة أن الكاتب أوضح أن أي مغامرة عسكرية فاشلة في الشرق الأوسط لم تكن في الحسبان ضمن السيناريوهات التي يمكن أن تؤدي إلى تراجع رئاسة ترامب أو إعادة تشكيل موقع الولايات المتحدة، إلا أن التطورات المتلاحقة جعلت من هذه الاحتمالات أكثر واقعية.

وأضافت نيويورك تايمز أن كالدويل أشار إلى أن العديد من المشكلات التي ظهرت خلال الحملات الرئاسية الثلاث لترامب تعود في الأساس إلى الطريقة التي أدارت بها الإدارات الأمريكية السابقة الملفات الداخلية والخارجية، حيث تم التعامل مع قضايا معقدة بطريقة تفوق قدرة الدولة على التحكم في نتائجها.

وفي السياق الداخلي، أوضح المقال، كما أشارت الصحيفة، أن ما يُعرف بأنصار “الصحوة” في الولايات المتحدة ساهموا في تقليل أهمية التكاليف والصعوبات المرتبطة بالتدخل في تفاصيل التفاعلات الاجتماعية والسياسية داخل المجتمع الأمريكي، وهو ما خلق حالة من التعقيد الداخلي المتزايد.

أما على الصعيد الخارجي، فقد أكدت نيويورك تايمز أن الكاتب اعتبر أن القوات المسلحة الأمريكية، رغم قوتها الهائلة، لم تنجح في تحويل تدخلاتها العسكرية إلى أدوات فعالة لنشر الديمقراطية أو تحقيق استقرار دائم، مشيرًا إلى أن التجربة في العراق تمثل مثالًا واضحًا على الفشل في هذا المجال.

وتابعت الصحيفة أن كالدويل أشار إلى أن الرئيس الأمريكي الأسبق جو بايدن كان يتبنى رؤية تقوم على فكرة القدرة المطلقة للولايات المتحدة، حيث كان يردد عبارات مثل “نحن الولايات المتحدة الأمريكية” و”لا شيء لا يمكننا فعله”، وهو ما انعكس على تصور عام داخل واشنطن بأن القوة الأمريكية غير محدودة، لكن الواقع أثبت عكس ذلك.

وأضافت نيويورك تايمز أن الكاتب اعتبر أن كثيرين ظنوا أن ترامب سيأتي بنهج مختلف، رغم شعاراته الانتخابية الكبيرة مثل “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”، إلا أن الناخبين لم يتوقعوا بالضرورة أن يتحول هذا الشعار إلى سياسة توسع جديدة، لأن الفخامة السياسية، بحسب وصفه، كانت في الغالب مجرد هالة إعلامية وليست مشروع توسع فعلي.

وأشارت الصحيفة إلى أن كالدويل تناول إعلان ترامب عن تحديث مبدأ مونرو، الذي أعاد من خلاله تركيز الاهتمام الأمريكي على نصف الكرة الغربي، معتبرًا أن هذا التوجه بدا في البداية وكأنه خطوة نحو تقليص نطاق القوة الأمريكية بدل توسيعها.

وتابعت نيويورك تايمز أن استراتيجية الأمن القومي التي صدرت في نوفمبر الماضي تضمنت تصريحًا واضحًا يقول إن “الأيام التي هيمن فيها الشرق الأوسط على السياسة الخارجية الأمريكية قد ولّت ولله الحمد”، وهو ما اعتبره الكاتب توجهًا منطقيًا وجديرًا بالإعجاب من منظور السياسة الخارجية.

وأضافت الصحيفة أن كالدويل استشهد بالتجربة البريطانية كنموذج تاريخي، حيث اضطرت بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية إلى التخلي عن نظامها الإمبراطوري الممتد من المستعمرات والمحميات، رغم أن هذه العملية كانت صعبة وأحيانًا عنيفة، إلا أنها انتهت إلى نموذج علاقات أكثر استقرارًا مع مستعمراتها السابقة.

وأشارت نيويورك تايمز إلى أن الكاتب أوضح أن بريطانيا، باستثناء محاولة فاشلة في أزمة قناة السويس عام 1956، لم تحاول الاحتفاظ بأراضٍ لم تعد قادرة على تحمل تكاليفها، وانتهى بها الأمر إلى علاقات جيدة نسبيًا مع أغلب مستعمراتها السابقة، رغم أن ذلك لم يكن واضحًا في لحظته التاريخية.

وتابعت الصحيفة أن كالدويل اعتبر أن هذا النوع من “الانسحاب الإمبراطوري” كان ناجحًا في النهاية، رغم أنه لم يُدرك بسهولة في وقته، لأن ما كان يجري آنذاك لم يكن انهيارًا مفاجئًا، بل تراجعًا تدريجيًا ومنظمًا للإمبراطورية.

وأضافت نيويورك تايمز أن الكاتب رأى أن الرئيس ترامب كان أمام فرصة لتكرار هذا النموذج الأمريكي بشكل مختلف، في ظل افتراض سائد داخل واشنطن خلال العقد الماضي بأن العالم يشبه لعبة “الكراسي الموسيقية” الجيوسياسية، وأن لحظة توقف هذه اللعبة باتت وشيكة.

وتابعت الصحيفة أن كالدويل حذر من أن الصين قد تتفوق على الولايات المتحدة ليس فقط في القدرات العسكرية والصناعية، بل أيضًا في مجالات التكنولوجيا والمعلومات، ما يعني انتقال العالم إلى نظام جيوسياسي جديد أقل ملاءمة للولايات المتحدة، ويجعل من إعادة تشكيل النظام الدولي مسألة ملحة.

وأشارت نيويورك تايمز إلى أن الكاتب أوضح أن إدارة ترامب بدأت بالفعل خطوات تستهدف تقليص النفوذ الصيني في نصف الكرة الغربي، من خلال الضغط على شركات كبرى متعددة الجنسيات، بينها شركة “سي كي هاتشيسون” ذات الارتباطات بالصين، لإعادة بيع أصول استراتيجية مثل موانئ في منطقة قناة بنما.

وأضافت الصحيفة أن كالدويل ذكر أيضًا أن فنزويلا، التي تعتمد على الصين في تصريف نسبة كبيرة من صادراتها النفطية، شهدت تطورات سياسية وعسكرية لافتة، في حين حذر ترامب من أن كوبا قد تكون الهدف التالي في سياق تقليص النفوذ الصيني في المنطقة.

وتابعت نيويورك تايمز أن الكاتب أشار إلى أن الولايات المتحدة تسعى أيضًا لتعزيز وجودها في مناطق استراتيجية جديدة مثل القطب الشمالي، عبر ما وصفه بـ”موطئ قدم أكثر أمانًا” للاستفادة من الموارد المستقبلية الناتجة عن التغير المناخي، بما في ذلك الطاقة والمعادن.

وأكدت الصحيفة أن كالدويل اعتبر أن هذه السياسة في نصف الكرة الغربي تحمل قدرًا من التناسق الاستراتيجي، رغم أنها تختلف جذريًا عن التورط العسكري المباشر في الشرق الأوسط، خصوصًا في الملف الإيراني.

وتابعت نيويورك تايمز أن الكاتب أوضح أن الهجوم على إيران لم يكن دفاعيًا، بل مبنيًا على افتراض الخطر المفتوح، مشيرًا إلى أن هذا النوع من القرارات لا يتماشى مع فكرة الانسحاب إلى نصف الكرة الأرضية الخاص بالولايات المتحدة كقوة مستقلة في مجال الطاقة.

وأضاف المقال أن الولايات المتحدة لا تمتلك الوسائل العسكرية الكافية لفرض إرادتها على إيران في صراع طويل الأمد، مستشهدًا بتجربة عام 1991 عندما احتاجت واشنطن إلى تحالف دولي يضم أكثر من 40 دولة ونحو مليون جندي لصد غزو العراق للكويت.

وتابعت نيويورك تايمز أن الكاتب أشار إلى أن الصراع الإيراني العراقي في ثمانينيات القرن الماضي استمر لسنوات وتسبب في مئات الآلاف من القتلى من الطرفين دون حسم واضح، ما يعكس صعوبة الحسم العسكري في هذا النوع من الحروب.

وأشارت الصحيفة إلى أن كالدويل أوضح أن القوات الأمريكية في الوضع الحالي، التي لا يتجاوز قوامها 1.3 مليون جندي، ستواجه صعوبة بالغة في فرض سيطرة كاملة على إيران، وإذا تم ذلك، فسيتطلب وجودًا طويل الأمد ومكلفًا للغاية.

وتابعت نيويورك تايمز أن الكاتب لفت إلى أن الولايات المتحدة لم تعد تعتمد فقط على الحشود العسكرية الضخمة، بل على الصواريخ والأسلحة بعيدة المدى، إلا أن هذه القدرات، بحسب المقال، يتم استنزافها بسرعة بسبب تعدد الجبهات.

وأضافت الصحيفة، كما ورد في المقال، أن تقارير نقلتها نيويورك تايمز نفسها أشارت إلى أن الولايات المتحدة استخدمت 1100 صاروخ كروز بعيد المدى في صراعات محتملة في آسيا، ولم يتبق سوى 1500 في المخزون، إضافة إلى إطلاق نحو 1000 صاروخ توماهوك، أي ما يعادل عشرة أضعاف الإنتاج السنوي المعتاد.

وتابعت نيويورك تايمز أن كالدويل أكد أن القياس الحقيقي للقوة العسكرية لا يجب أن يكون فقط بناء على الناتج المحلي الإجمالي، بل على القدرة الفعلية على تنفيذ الطموحات الاستراتيجية، وهو ما قد يكشف عن فجوة بين القدرات والتوقعات.

وختمت الصحيفة عرضها لمقال كالدويل بالإشارة إلى أنه يرى أن الولايات المتحدة ليست عالقة في حرب بلا خيارات، لكنها أمام قرارات صعبة للغاية، تتراوح بين الانسحاب، أو إعادة توزيع الموارد من جبهات أخرى، أو الدخول في تصعيد عسكري واسع قد تكون له تبعات استراتيجية وأخلاقية بعيدة المدى.